الأحـد الأول للصليب / الرابع لأيليا

الأحـد الأول للصليب / الرابع لأيليا 

2015.09.20

يُتلى علينا اليوم إنجيل -::< متى 4: 12—5: 16 >::- ويقصُّ علينا خبر إطلاق يسوع كرازته  من الجليل ، داعيا الناس إلى التوبة ومنذرا بأنَّ مملكة الله على الأرض صارت وشيكة. ستتقَّوض أركان سلطان ابليس وسيعيد يسوع العلاقة الطيبة الطبيعية بالمصالحة بين الله و الأنسان. فالأنسان يتوب ويطيع الله، والله سيغفر له زَّلته ويعيده الى الفردوس المفقود. ومن أجل تحقيق المشروع يجمع يسوع حواليه أشخاصًا أبدوا شوقهم وآنتظارهم لقيام مملكة الله. يشفي يسوع المرضى، يطرد الشياطين ويريح من بهم سوء. خبره ينتشر وصيت جدارته و طيبه يعُّم البلاد كلها حتى صارت الجماهير،من مناطق عديدة، تتقاطر حوله لتراه و تسمعه. وينتهز يسوع الفرصة ليُعلن تعليمه فيدعوهم الى التسامي في الفكر والقول والفعل ليُصبحوا مِلحًا و نورا للعالم

هنيئًــا للرحماء 

نتوقف على هذه العبارة من خطاب يسوع على الجبل ، وتخص الرحمة بمناسبة سـنة ” يوبيل الرحمة الألهية ” التي سيفتتحها قداسة البابا يوم 8/ 12/ 2015 القادم

هَنَّـأَ الرب الأنسان الرحوم، أى مدحه وأعلن عنه رضاه. ويكون بذلك قد أكَّدَ أنَّ ” الرحمة ” فضيلة ، وأنها قيمة الهية تدخل ضمن الصفات الجوهرية لطبيعة الأنسان؛ و بعبارة أخرى هي  سبيل وضعه الخالق أمام الأنسان ليسلكه ضامنا بذلك الحياة الكريمة. وأهمية الرحمة تأتي من أنها صفة حياتية جوهرية في الله الخالق نفسه حتى قال الرب :” كونوا رحماء كما أنَّ أباكم رحيم “(لو6: 36). فالله ” رحيمٌ حنونٌ، صبورٌ أمينٌ وكثيرُ الرحمة”(مز86: 15) هكذا أعلن الرب نفسه لموسى :” ومَّرَالرب أمام موسى ونادى: الرَّبُ الرب ، إلـهٌ رحيمٌ حنون، بطيءٌ عن الغضب، وكثير المراحم والوفاء. يحفظُ الرحمة لأُلوف الأجيال ، ويغفرُ الأثمَ والمعصية والخطيئة “(خر34: 6-7؛ عدد14: 18؛ مز103: 8-17)

صفة الرحمة هذه تنبع من ذات الله الصالحة والعادلة كما قال المزمور:” أذكر يا رب رأفتك ومراحمك، فهي منذ الأزل. لا تذكر معاصيَّ.. بل برحمتك أُذكرني لأنك يا رب صالح” و لأنَّ ” سبل الرب رحمة وحق”(مز25: 6-10). وكما هي أزلية رحمة الله كذلك هي أبدية ولا تزول (مز100: 5). لذا قال المزمر:” إحمدوا الرب لأنه صالح. لأنَّ إلى الأبد رحمتَه” (مز 106 : 1؛ 118: 1-4). ففي الله :” الرحمة والحَّقُ تلاقيا والعدل والسلام تعانقا ” (مز 85: 11)

كذلك الأنسان مدعوٌ أن يسلك درب الرحمة والعدالة بسبب طبيعة ذاته الصالحة (مز112: 5)، لأنه  صورة الله (تك1: 27). فالله نموذج للأنسان ، وعلى الأنسان أن يقتدي به (يو 13: 15) ويسلك في الكمال (تك17: 1؛ متى5: 48). ولأن أعمال الله صالحة فنحن أيضا  ” خُلقنا في المسيح يسوع للأعمال الصالحة التي أعدها الله لنا من قبل لنسلك فيها ” (أف2: 10). فلهذا لا يتردد يسوع عن إعطاء الطوبى لمن يسلك درب الرحمة. لأنه هو نفسه رحوم يطلب الرحمة ويرفض الذبيحة (متى9: 13؛ 12: 7)

الرحمة والعدالة وجهان للمحبة. والله محَّبة وعطاء (1يو4: 8). والرحوم يُفَّعِلُ فعلا محبته. كان المرضى يصيحون وينادون :” يا يسوع آبن داود إرحمني”(مر10: 47) فينالون الشفاء . والخطأة يطلبون منه الرحمة فينالون الغفران (لو5: 8؛ 18: 13؛ 23: 42-43). وكان يسوع يستجيب لطلباتهم لأنه كان يحبهم و” يشفق عليهم “( متى9: 36؛ 14: 32؛ مر8: 2). كما كان يُشفق على الخطأة ويرحمهم ، بعكس القادة اليهود، فلا يعاقبهم بل يغفر لهم ويعطيهم فرصة التوبة ، مثل الزانية (يو8: 11) ، والمرأة الخاطئة التي قال عنها 

غفرت لها خطاياها الكثيرة لأنها أحبت كثيرا” (لو7: 47)

… فـإنهم يُرحمـون 

لم يكتفِ يسوع بآعطاء الطوبى للرحماء، بل أضاف ” فإنهم يُرحَمون”!. وكأني بذلك يقول بأن فعل الرحمة لا يضيع. وكذلك بأنَّ لفعل الأنسان بُعدًا حيويا لا ينتهي بعد أدائه. بل له آمتدادٌ، له أجرٌ ، له ثمر، له ردُّ فعل يكون بأن ينال الرحوم بدوره الرحمة.  ربما هذا كان قصدُ يسوع عندما قال :” من سقى أحدا كأس ماء بارد ، لأنه تلميذي ، فأجره لن يضيع” (متى10: 42). لكل فعل إذًا إمتداد ونتائجُ ورّد. الرحمة تخلق جوا من المودة والتعاطف بين الناس. وتولد إحساسا لدى من يُرْحَم بالأعتراف بجميل الذي رَحمَ. والذي رحمَ قد يحتاج يوما الى من يُسعفه لأنه في ضيق أو عوز. ومن عرف الرحمة يبادر الى إسعافه

وأولى المراحم وأفضلُها وأسماها هي ضمان الحياة ، لا الجسدية ولا الأرضية ، بل الأبدية. و الرحمة كما أسلفنا هي حياة الله. ومن يمارس الرحمة، مثل الله،  فهو يتابع ويكمل عمل الله، و يُمَّددُ حياته. فيرضى عنه الله إذ يرى فيه صورته ، بل يعيشُ بواسطته حياته. هذا ما عَّبر عنه مار بولس بقوله :” المسيحُ يحيا فيَّ” (غل2: 20)، ويفصّلها لأهل قولسي بقوله : ” حياتكم محتجبةٌ مع المسيح في الله”(قو3:3). وإذا رضيَ الله عن مؤمن وعمل فيه يرحمه. وحتى لو كان له أخطاءٌ وآثام يغفرها له كما غفرها للمجدلية ولزكا العشار، حتى قال عنه : ” اليوم صار الخلاص لهذا البيت ” (لو19: 9). تاب زكا ورحم الفقراء فغفر له الرب خطاياه ورحمه وقبله إبنا له فضمن له الحياة الأبدية

وهكذا نفهم لماذا هَّنـأَ يسوع ” الرحماء” ، الذين يعرفون أن يبذلوا من خيراتهم ومواهبهم وحتى حياتهم لخدمة الآخرين. يضحون حتى براحتهم ويتحملون الضيق والمشَّقة لتوفير الراحة لغيرهم. هكذا أعطانا يسوع درسًا فأطاع الله أباه ، متحَّمِلاً عذاب الصلب وإهاناته، ليرحمنا نحن وينقذنا من الهلاك الأبدي. فرحمه الله ومجَّده وأعلنه ، وهو إنسان ، ” سَّيدا ومسيحا ” (أع2: 36)

ونفهم أيضا مغزى دعوة الله لنا ” كونوا رحماء كما أن أباكم رحيم” لأنه يريد أن يقاسمنا حياته بالكمال ، في الهــناء والمجد ، مدى الأبد

القس بـول ربــان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO