الأحــد الثالث لأيلـــيا

الأحــد الثالث لأيلـــيا  

2015.09.13

يتلى علينا اليوم إنجيل -::< متى13: 24-43 >::- ويقُّصُ علينا أمثلة الزؤان، وحبة الخردل ، و الخميرة. وبينما ركَّز مثل الزؤان على أن الشر ليس من الله وعلى أن الخير والشر يتواجدان معا ولا يقوى الشر على خنق الخير، نبَّه مثل حبة الخردل على أنَّ الكائنات ، و منها الأنسان، لا تقاس بحجمها ومظهرها بل بموهبتها وعظمة فعلها، في حين ركَّز مثل الخميرة على أنَّ فعل الأنسان يُعدي، كان خيرا أو شرا، الى الآخرين ليحول الآخرين الى طبيعته ومثاله. وأعلن الرب أنه يكشف بكلامه هذا حقائق ظلت خفية عن الأنسان

زرع زرعًا جَّــيدا  

شرح يسوع مثل الزؤان ويمكن مطالعته بهدوء وعمق في الآيات 36-43. نرَّكز هنا على أمرين يشكلان عند كثير من المؤمنين “عقدة” تطرح أسئلة عديدة يتيه فيها ايمان الكثيرين. هما: ” من أين جاء الزؤان في الحقل”؟(آية 27)، و :” دعوا القمح ينمو مع الزؤان “!(آية 29). يتساءل العديدون حول الأخطاء والنواقص التي تجري بين المسيحيين. ويعزونها الى مباديء الأيمان المسيحي. وينتقدون الكنيسة ويتهمونها بتعقيد الأمور لأن قوانينها و إرشاداتها تناهض تطلعاتهم وتعارضُ كثيرا من قناعاتهم الفكرية. وقد حدث ذلك مع يسوع نفسه عندما تكلم عن أنه هو ” خبز الحياة ” ، فتذَّمر حتى تلاميذه لهذا الكلام وقالوا : ” إنه صعبٌ من يستطيع سماعه”(يو6: 60)، وآنقطع كثير منهم عن مصاحبته رافضين تعليمه. لكن يسوع لم يستسلم لأهواء الناس وضعفهم. فكما صَّرح عند ذاك ” كلامي روحٌ وحياة “، قال الآن أيضا عن ابن الأنسان :” زرع زرعا جيدا”. فتعليم يسوع لا يشوبه نقصٌ أو خطأ. الخطأ والنقص في الأنسان السامع الذي لا يدرك عمق تعليم يسوع ، لأنه يرفض أن يرتفع الى مستوى فكر الله ويحاول بعكس ذلك أن يُنّزل الله ويجعله يفكر مثله ويعلم حسب رغباته وأهوائه

عـدُّوٌ زرع الزؤان  

إن كان التعليم سليما فأين الخلل؟ إن كانت الكنيسة تبلغ تعليم يسوع وتسلكه فكيف تُفَّسَر الأخطاء المنتشرة فيها؟. هنا بيت القصيد. كما تصور الخدم أن الزؤان زرعه المعلم مع القمح هكذا يتصور منتقدوا الكنيسة بأن ما يفعله أبناء الكنيسة ، حتى لو كانوا في أعلى المراتب، هو تنفيذ حرفي لتعليم المسيح. خلطوا، عن علم أو عن جهل، السلوك الفردي بالتعليم الرسمي. بعض المسيحيين ، حتى الكاثوليك منهم، يكرهون ولا يحبون غير أنانيتهم ، ينتقمون ويأبون أن يسامحوا، يمارسون العنف ولا يسالمون ، يخدمون مصالحهم الخاصة ويرفضون أن يخدموا غيرهم … وتصرفات أخرى كثيرة مخالفة لتعليم المسيح وتعليم الكنيسة يمارسونها وكأنها هي الأيمان، بل ويؤدونها بآسم المسيح. ولا يميز منتقدوا الكنيسة بين ” المبدأ الأنجيلي” وبين تحويره من قبل بعض المؤمنين الأشرار، الذين إختاروا أن يتبعوا شهواتهم وينتقدوا كلَّ ما يتعارض معها ويتهموا بالتالي الكنيسة والمسيح

هنا عَّلمنا يسوع أن نمَّيز بين تعليمه ” الزرع الجيد”، وبين تشويهه من قبل أناس يتظاهرون بالأيمان ،” يأتونكم بلباس الحملان” ، لكنهم غرباء ودخلاء على المسيحية هدفهم تشويهها ، فهم ” ذئابٌ خاطفة”. ما هو سام ٍ في تعليم المسيح، وبالتالي في تعليم الكنيسة، أنه لا يُفرّض على أحد، إحتراما لكرامة الأنسان وحريته،  بل يُعرض على كل الناس ويُدعى إليه وطوبى لمن يقبله ويتبعه. يجب التمييز بين المبدأ وبين الأشخاص. لأنه مهما تدَّنى الشخص أوتدّنس بمباديء غير مسيحية إلا إنَّ ذلك لا يقدر أن يشوّه تعليم يسوع في الأنجيل. وإذا كان بعضُ مشوهي تعاليم الأنجيل يقبعون في أعلى مراتب الكنيسة فلا غرابة في ذلك لأنهم : أولا بشر مثل أبسط واحد وقابلين للخطأ ؛ وثانيا لأن الذي زرع الزؤان مع القمح لا يتراجع من زرع الشر في قلب الأنسان ” محاولا بذلك أن يُضَّللَ ، إن أمكن، الذين إختارهم الله” (متى24: 24)، وقد سُمح له (أي1: 12 ؛ 2: 6)” أن يُحاربَ القديسين ويغلبهم”(رؤ13: 7)

دعـوهمـا ينميان معًــا  

كثيرون يميلون الى الأعتراض على يسوع لأنه لم يسمح بآستئصال الشر من جذوره ، و ترْكِ مجال الحياة كله للـبر. إنَّ الشر ليس قائما بذاته. الشر ينبع من حرية الأنسان في الأختيار بين ما هو حقٌ وصالح في ذاته وما هو شهوة فردية ورغبة في استقلالية العمل. أن يبقى الزؤان ينمو مع القمح ذلك لا يمنع القمح من أن ينمو طبيعيا وينال غذاءه من الأرض ونفَسَه وحياته من الفضاء والشمس. هكذا وجود الشر لا يمنع المؤمن من حفظ وصايا الله وتطبيق تعاليم يسوع. ومهما آشتدت هجمات ابليس فهو لا يقدر أن ينزع عنا حريتنا في الأختيار وتقرير المصير. إنه يغري ويغوي ويحَّور ويشَّوه ويُحَّرض لكنه لا يقدر أن يقطع عنا قوة النعمة الألهية التي ننالها في الأسرار، كما لا يقوى على حرماننا من وجود الروح القدس فينا يرشدنا الى الحق كله

هذا من جهة ومن أخرى لو إفترضنا إختفاء الشر كاملا من الخليقة ولم يبقَ للأنسان غير النعمة ، فلا تجربة ولا إغراء، ترى كيف يمارس المؤمن حريته في آختيار البر؟ كيف يبق الأنسان صورة لله وقد حرمَ أفضل نعمة وعنصر للصورة ميَّزه الله بها من بقية الكائنات؟. بل هل يمكن لله أن يستّردَ عن صورته هذا الأمتياز؟ هل يمكن لله أن يبدّل رأيه ويغَّير سلوكه ، والكتاب يقول :” ليس الله بإنسان فيكذب، ولا كبني البشر فيندم “(عدد23: 19)؛ و قال عنه الرسول :” هو الذي لا يتغَّير ولا يدور فيرمي ظلاً”(يع1: 17). إن وجود الشر من مصلحة الأنسان ليعطيه فرصة إظهار كرامته في آختياره ، ولاسيما ليجاهد فيتغلب على العدو الشّرير. إن كان الناس كلهم قد غلبهم إبليس في شخص أبيهم آدم فقد أعطي لهم كلهم ، في شخص يسوع المسيح، أن ينتصروا عليه. فعلى كل مؤمن أن يحارب ابليس ويتغلب على تجاربه تماما كما فعل يسوع. فكيف يحارب ابليس ويتغلب عليه إذا كان ابليس غير قادر على تجربته؟

إن وجود قباحة الشر فرصة لتلتمع جودة الخير. عندما يستنكف الناس ويعترضوا على الشر الذي يؤدي بحياة آلاف المهاجرين ، غرقا في البحر أم إختناقا وتعَّفنا في الشاحنات ، يوقظ ذلك فيهم الضمير الحي لممارسة الرحمة والمحبة وآحترام الحياة، ولاسيما دينونة السياسات الخاطئة وتبَّني سياسات أكثر إنسانية. إنَّ جمال الكائنات يبرز ويشع فقط عندما نتخّلص من نفاياتها وهي جزءٌ لا يتجَّزأ من وجودها وطبيعتها. كما إنَّ وجود الشر فرصة لكل فرد حتى يقاومه ويشترك في الغلبة على من غلبه في الجولة الأولى 

القس بـول ربــان 

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO