الأحـد الأول لأيـلـــيا

الأحـد الأول لأيـلـــيا 

  2015.08.30

يُتلى علينا اليوم إنجيل -::< لوقا 19: 1-10 >::- ويسرد علينا خبر لقاء يسوع بزكا العشار. العشار وظيفة تعني أنه الموظف الذي يجبي ضريبة ” العشر” من اليهود، حسبما جاء في شريعة موسى، مضيفا إليها ضرائب الدولة الرومانية وربما أيضا حصَّة خاصة به

لقـاءٌ غير متوَّقَع  

كان يسوع صاعدًا الى أورشليم. وكانت اريحا على الطريق. لم يُخَّطط يسوع مسبقا أن يمكث فيها. كان زكا موظفا يعمل لعيشه ويجتهد ، مثل كل الناس، فيستغل منصبه لتحسين أوضاعه فيصبو الى البحبوحة والراحة. من هذا المنطلق لم يتردد في الإثراء ولو على حساب المواطنين. وكانت تصله ،نظرا لموقعه، أصداءُ أحداث الأمة كلها. وكان هكذا قد سمع كلَّ أخبار يسوع إذ إنتشر صيتُ تعليمه في كل الأصقاع وملأت أخبار معجزاته كل الأسماع. وكونه يهوديا ينتظر الخلاص على أيدي مسيح آتٍ حرَّكَ فيه فضولية التعَّرف عليه بشكل أفضل ،ربما طمعا منه في نيل منصب مرموق، كالذي له ، في ظل حكمه، أو ربما أملا منه في تحسين الحالة المؤلمة التي يمر بها شعبه وعودة أضواء الحق والعدالة الى الأشعاع في الحياة الأجتماعية

لم يخَّطط زكا لمحاولة البحث عن يسوع والألتقاء به. لكنه إشتاق ذلك إذا شاءت الأقدار. وها هو يسمع بأن يسوع على مشارف القرية في طريقه الى أورشليم. إنها فرصة فريدة ليلتقي به، فرصة لن تتكرر كلَّ يوم. فآرتأى أن يخرج سريعا الى الطريق العام لئلا تفوته الفرصة. خرج ملهوفا يقوده شوقه وربما كانت دقات قلبه أسرع من خطواته. رأى الموكب من بعيد. يُحيط بيسوع رجال كثيرون أشداء يزاحمونه ويحجبون عنه الرؤية من الجوانب. لن يتمكن زكا من رؤيته جيدا ، بسبب قُصر قامته ، إلا إذا واجهه وهو يتوسط المعبر. وهذا يستحيل عليه. فكَّر أنَّ هناك إمكانية أخرى هي أن يتسلق شجرة على حافة الطريق ويتعَّلق بغصن منها يمَّكنه من رؤيته جيدا وقد لا يلاحظه أحد. و كانت لهفته لرؤيته تشتد في داخله وتضطرم كلما صادفته عرقلة ما. الموكب يقترب . ولم يبق له مجال كثير ليقرر. فقرر أن يتسَّلق شجرة ويتمركز على أفضل غصن يسيطر على المعبر كله. وأسرع في تنفيذ خطته ليُحَّققَ مشتهاه ويروي غليله ، فآلتَّف على غصن الجُميزة وكأنه سنجابٌ لا إنسان ، وعيونه تصَّوبُ يسوع 

الأنسان فكَّر واللهُ دَّبــر

ما كادت تلتقي عيونه بعيون يسوع حتى دوَّى في آذانه صوتٌ زلزَلهُ كادَ يُسقطه أرضًا. لقد إنقلبت الآية. بينما حاول زكا فقط أن يرَ يسوع ، هوذا يسوع يريد أن يراهُ ويطلبُ منه أن يقابله ليُحاورَه، ويزيد أن يحُّلَ ضيفا عليه. هزَّت كيانه كلَّه قشعريرةُ راحةٍ وهناءٍ وبهجةٍ لم يختبرها قبله قط. كاد أن يطيرَفرحًا وآعتزازًا. لم يُصَّدق سمعه ، ربما توَّهم ؟. ركَّز عيونه على عيون يسوع. طمأنته تلك العيون ، وبشعاع رحمةٍ الهية غذَّته بالثقة. لم يتمالك فرحته حتى رأى نفسه في أسفل الشجرة مفكرا كيف تم هذا؟ وكيف يستقبله؟. هل حدث في التأريخ شيء مثل هذا؟. يسوع المعروف بالبار يدخل دار زكا المشهور بالخاطيء وحواليه عشرات من المعلَنين أنهم رجال الله مُفضلا إياه عليهم؟. وأيَّ إحتفال يقيم لآستقباله؟ وأية مأدبة تليق بمقام هذا الأنسان الذي قرأ داخل فكره ونفسه وداس التقاليد والأقاويل ليدخل الخلاص الى بيته؟. أسرع الخطى نحو الدار وقد سبقته اليه حياته الجديدة التي سقاه إياها جذع الجميزة التي صارت سبيلا إلى إهتدائه

نَّـقــني … فأطهــر 

على الجميزة رأى زكا حقارته ، والذلَّ الذي أوقعته فيه الأنانية، وفساد التقاليد البشرية

رأى نفسه يحترقُ في شفافية قداسةِ المقبل اليه. رأى القداسة والبر تنبثقان من وجه يسوع 

فآمن أنه هو الأله المخلص القادم الى العالم. لم يعترض عليه. لم يناقشه. أصغى اليه فقط براحة وهناء.  وكان كلام يسوع مثل قطرات عسل وزيت داوت جروح نفسه وأنعشت إيمانه الأبراهيمي حتى هَّبَ واقفا أمام يسوع بوعي وثقة وفرح يُصَّرحُ معترفا أنه خالف شريعة الله ، ولا فقط لم يعرف محَّبة قريبه بل قد أهانه وأساءَ اليه بنهب أمواله. لا فقط لم يرحم أخاه المحتاج بل قد ظلمه وأكل خبزه. إعترف أن سلوكه لم يكن لا إنسانيًا ولا إيمانيًا. ومن خلال حواره مع الرب عرف أين الحل. لا يليقُ به أن يستمر في سلوكه الخاطيء بعدما غمره الله بنوره مبديا له حُّبَه العظيم. قَّررَ أن يتوبَ على أيدي يسوع. أراد أن يحيا فيكون من الآن وصاعدا محبا ، عادلا، رحوما، خدوما. وقرر أيضا تنفيذ قصده بالفعل و حالا لأنَّ “خيرَ البرِعاجله”!، معلنا: ” أعطي الفقراءَ نصف أموالي. ومن ظلمته بشيء أرُّدُ له أربعة أضعاف”

جاء ابن الأنسان ليُخَّلصَ الهالكين 

هذا هو الله. خلقَ الأنسان للسعادة. ولما آبتعد الأنسان عن الله بسبب جهله وآعتبار نفسه سيّدا والظنَّ بأنَّ خلاصَه في الخيرات المادية، فضَّلَ طريقه، خرج الله من ذاته باحثًا عن الأنسان الضال. يئس الأنسان من ضعفه وإثمه لكن الله بيَّن له أنه ما زال يُحّبُه. ولكون الله أبًا فهو لا يتنازل عن أبنائه حتى لو أخطأوا ، بل يعتني بهم ويُظهر لهم رحمَته وحنانه. الله لا يحاسب أبناءَه. بل يداريهم ويدعوهم الى تحسين سلوكهم. الله لا يقاصص الخطأة بل يدعوهم الى إصلاح أخطائِهم. الله لا يدينُ البشر بل يحترمهم ويرشدُهم الى سبيل الحياة. لا يريد الله أن يخسر أبناؤُه حنانه وخيراتِه. يريد الله أن يُبَّددَ ظلام جهل البشر، وأن يُبيَّن لهم فساد المظاهر وآلتواءَ الأحكام البشرية. يريد الله أن يعيد للأنسان كرامته وثقته وراحته بإرشاده الى سبيل الحب والسلام

لقد شعر زكا بحب الله له ولمس إهتمامه به فآستعاد عافية إيمانه الأول و رجع  الى محبة الله والتقيد بشريعته. وهو نموذج لأنسان كل زمان تثقل عليه هموم الدنيا ويدينه المجتمع فيفقد ثقته وحتى أمله بالحياة. يقول الله لأمثال هؤلاء : أنا لم أنساكم ولا أهملكم. أنا أحبكم وما زلت أنتظركم في بيت محبتي. أنا أبحث عنكم فتعالوا إليَّ تجدون الراحة عندي

القس بـول ربــان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO