الأحــد الثاني للصيف

الأحــد الثاني للصيف 

 2015.07.19

يُتلى علينا اليوم إنجيلُ -::< لوقا 15: 4-32 >::- ويقُّصُ علينا أمثلة الخروف الضال ، و الدرهم الضائع ، والأبن الضال وكلها رمزٌ إلى الأنسان الذي خسر صحبة الله ونعيمه بسبب التصرف حسب الهوى الخاص، لكن الله لمْ يتخَّلَ عنه بل خرج عن مجده الألهي وترك جلاله البهي العظيم وتحَّملَ ذُّلَ الأنسان الخاطيء (في2: 6-8)، ليبحثَ عنه وهو تائه في الخطيئة وضائعٌ في الضلال ليُعيده الى جادةِ الصواب ، لأنه يُحِّبُه ، ويفرحُ بتوبتِه ورجوعه الى الحضن الأبوي في المجد والسعادة. جاءَ يخلقُ الأنسان من جديد، فيجبله بالروح حتى لا يغويه ابليس بعد. هذا هو الله المتجسد يسوع المسيح. وإذا ” كان أحدٌ في المسيح ، فإنه خلقٌ جديد “(2كور5: 17). ورسالة اليوم (2كور3: 4-18) تتحدَّث عن الخلق الجديد والعهد الجديد نحاول أن نتأمل فيها ، عوض الأنجيل الذي أوجزنا زبدته في المقدمة

  • والـروحُ يُحــيي ! 2كور3: 6

إنَّ عهد المسيح تمَّيز بأنه عهدُ الروح. لقد أكد الرب نفسُه ذلك لما قال:” إنَّ الروحَ هو الذي يُحيي. أما الجسد فلا يُجدي نفعًا. والكلامُ الذي كلمتكم به هو روحٌ وحياة” (يو6: 63). إنه زمنُ الروح القدس الذي تعَّهدَ المسيح بإفاضته على البشر، والذي حَّلَ فعلاً على البشرية عامة وكل مؤمن بالمسيح خاصَّةً (أع2: 2-4؛ يو20: 22). إنَّ الفريسيين ، وكلَّ من يطلبُ مثلهم خبرًا مكتوبا حرفيا في الكتاب ، إنغلقت أذهانهم في وجه الحقيقة لأنَّ ” الحرفَ يُميت”. عندما كان موسى يكلم الله كان وجهه يشع بعده بمجد الله الروحي ، فخافوا منه. فوضعَ ” موسى قناعًا على وجهه كي لا يرى بنو اسرائيل مجده الزائل”، وفسَّر مار بولس القناع بأنه الحرف الذي يُميتُ من يرفضون الأيمان بالمسيح الذي وحده كشفَ وفسَّر تعليم العهد القديم ” لأنه هو الروح “، الألهي الذي دشَّنَ عهده : عهدَ الروح ، وأقام خدمة الروح

لما تجَّلى أمام تلاميذه بكل مجده لم يتقنع لا هو ولا تلاميذه (متى17: 1-4؛ 2بط1: 16-17). عرفَ الرسلُ أنَّ يسوع هو الربُ الروح وشاهدوا مجدَه وآمنوا أنهم سيشاركونه هذا المجد عندما يعيشون ” في الروح “، لأنَّ الرب وعدهم ” لتكونوا حيث أكون” (يو14: 3)، كما صلى من أجلهم وطلب أن يكونوا معه ويعاينوا مجده، مؤكدا أنه قد أولاهم مجده الذي ناله من الآب (يو17: 22-24). فلا يتردد بولس في التأكيد على أنَّ المؤمن مدعو الى مشاركة المسيح آلامه حتى يشترك في مجد القيامة ايضا ويفوز بالكمال (في3: 10-12)، قائلا: ” و إنَّ الشدة الخفيفة التي نحن فيها تعد لنا قدرا عظيما من المجد الأبدي” (2كور4: 17؛ رم 8: 18). هذا المجد نبدأ ونتحَّلى به من الآن بقوة إيماننا وبسلوكنا حسب شريعة الرب. وهذا ما أيده الرسول لما قال : ” نعكسُ صورة مجدِ الرب، بوجوهٍ مكشوفة (غير مقَّنعة) كأنها مِرآة، فنتحَّولُ الى تلك الصورة، وهي تزدادُ مجدا على مجد. وهذا من فضل الرب الذي هو روح” (آية 18)

  • حيثُ روحُ الرب هناك الحرية ! آية 17

ونحن قد نلنا هذا الروح. وإن كان يُحيي (رم8: 10) فلآنه يُحَّولنا الى” الروح” غير مقيَّدين بالمادة و ملذات الحواس ومتطلبات الزمن. قال الرب أننا يجب أن نولد من هذا الروح ونتحَّول اليه حتى نتحَّررَ من قيود الشهوة واللذة والحاجة فنكون مثل الريح التي تهب حيث تشاء (يو3: 8). ولهذا قال مار بولس ” حيث يكون روح الرب هناك الحرية “(آية 17). وبما أن المسيحي قد إعتمد فقد تحرر مما أبعده من الله ، وأكد مار بولس ذلك لأهل غلاطية حرفيا إذ قال:” إنَّ المسيحَ قد حرَّرَنا لنكون أحرارا . فآثبتوا إذن ولا تعودوا الى نير العبودية “(غل5: 1). وصرخ الرسول في وجه الرومان الذين أَلهوا الجسد وشهواتِه :” إنَّ شريعة الروح، الذي يهبُ الحياة في يسوع المسيح قد حرَّرتني من شريعة الخطيئة والموت… فحُكم على الخطيئة في الجسد ليتم ما تقتضيه منا الشريعة نحن الذين لا يسلكون سبيل الجسد بل سبيل الروح”(رم8: 1-4)

فالروحُ يُحيي لأنه يحرّرُ المؤمن من قيود الشر والخطيئة. ونحن في فترة طقسية تدعونا الى هذا التحَّرر. تدعونا الى العيش في حرية أبناء الله الذين يعرفون أن يختاروا بحريتهم و وعيهم ورغبتهم أن يسلكوا طريق الله الذي هو روح. الله الروح صالحٌ ولا يريد الشر لأحد حتى ولا لمن يحاربونه، ولا يدين أحدا حتى ولو كان أكبرَ المجرمين. والأنسان أيضا نال هذا الله الروح، قد حلَّ فيه يوم نال سرَ النثبيت ، فصار المتأله روحيا. هذا ما سيؤكده مار بولس بقوله للكورنثيين :” أما تعلمون أنكم هيكل الله، وأن روح الله حالٌ فيكم”؟ (1كور3: 16؛ 2كور6: 16؛ رم8: 9). إننا هيكلُ الروح القدس ولهذا يتابع الرسول ويقول:” هو فيكم قد نلتموه من الله ، وإنكم لستم لأنفسكم!. فقد أُشتُريتُم وأُّديَ الثمن” (1كور6: 19) ” فلا تصيروا عبيدًا للناس”(1كور7: 23) ، ولا للخطيئة ، لأنَّ المُعَّمَد قد مات مع المسيح عن الخطيئة. وإن كنا ” قد متنا عن الخطيئة ــ لأننا بالمعمودية متنا عن الخطيئة مع المسيح و دفنا معه.. وقمنا أيضا معه ــ فكيف نحيا فيها من بعدُ”؟ (رم6: 1-11)

إذن نحن أبناءُ الحرية. ولكن أية حرية ؟ يرُّدُ علينا الرسول :” قد دُعيتم إلى الحرية، على أن لا تجعلوا هذه الحرية سبيلا لأرضاءِ الجسد… بل أسلكوا سبيل الروح ولا تقضوا شهوة الجسد”(غل5: 13-16)، لأنَّ الجسد” ينزع الى الموت.. ومن يسلكون سبيله لا يستطيعون أن يرضوا الله”(رم8:8) لأن أعمال الجسد :” معروفة ، هي الزنى، والدعارة، والفجور، و عبادة الأوثان، والسحر، والعداوات، والشقاق، والحمية، والغيظ، والدسيسة، والخصام، و التحَّزب، والحسد، والسكر، والقصف وما يُشبهها “(غل5: 19-20). وقد حذَّر منها أيضا مار بطرس :” أحُّثكم على أن تتجنبوا شهواتِ الجسد فإنها تحاربُ النفس…سيروا سيرة الأحرار، لا سيرة من يجعلُ من الحرية ستارا لخبثِه، بل سيرة عبادِ الله. أَكرموا جميع الناس، أَحبوا إخوتكم ، إتَّـقوا الله، عَّظموا الحاكم “(1بط2: 11و 16-17).

” وإذا كنا نحيا بالروح ـ يقول مار بولس ـ فعلينا أنْ نقتفيَ آثارَ الروح”، وأثرُ الروح هو ما يظهر في أخلاق المؤمن، ويدعوه ” ثمرَه” ، ويُعَّددُه :” أما ثمرُ الروح فهو المحبة، والفرح، والسلام، وطول الأناة، واللطف، ودماثة الأخلاق، والأمانة، والوداعة والعفاف”(غل5: 22) . ويضيف اليها لأهل كولسي :” إلبسوا عواطف الحنان، والرأفة.. والتواضع، والصبر” (كو3: 12؛ اف4: 1) ، ولأهل فيلبي :” ليكن شغلكم الشاغل كلُّ ما هو حَّقٌ ، وشريف ، و عادل، و خالص، ومستحَّبٌ، وطيب الذكر، وما كان فضيلة وأهلا للمدح “(في4: 8)

الروح نار تُصَّفي وتُنَّـقي، ونورٌ يُضيءُ ويُريح ، وملحٌ تعطي الطعم للحياة وتقي من الفساد. ومن هو روح لا يرضى أن يعيش في الفساد والظلام والنجاسة. إنه في جهاد ضد القوى الحسية التي تحاول إغواءَه بإغرائه. عليه تُذَّكرُ الكنيسة بهوية المؤمن المسيحي وبرسالته دون أن تنسى تجسيد ما ينتظره من مجد ونعيم مشاركة ً في حياة الله

القس بـول ربــان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO