الأحــد الأول للصـيـف

الأحــد الأول للصـيـف

2015.07.12

يُتلى علينا اليوم إنجيـل -::< لوقا 14: 1-14 >::- ويبدأ بخبر شفاء رجلٍ مُصابٍ بالأستسقاء، يومَ السبت، في بيت أحد كبارِ الفريسيين، وبحضور ومرأى من فريسيين وعُلماء الشريعة  يُراقبونه ليُسَّجلوا على يسوع مخالفة عِلَّةً ومُبَّررًا لإدانتِه والتخَّلصِ منه. لكنهم يفشلون لأنَّهم لم يقووا على منافسةِ يسوع في فهم الشريعة وتنفيذها. وإذ كان يسوعُ مدعُّوًا ولاحظ سوءَ تصَّرف الضيوف دعاهم الى التواضع وترك المجال للآخرين ليقَّدروهم ويَجُّلوا شأنهم. كما نصح الذي دعاه ليهتم بالفقراءِ ويعين المعوَزين أكثر مما بالأصدقاء وبمعارفه الأغنياء الذين يُعاملونه بالمثل. ليعمل الخير مع من لا يقدر أن يفيَه حتى يكسبَ أجرًا عند الله

إنَّكم تجهلون الكتبَ وقدرة الله  ! متى22: 29

سَجَّلَ يسوع على الفريسيين خللاً ونقصًا في فهم الشريعة وبالنتيجة في فهم ” ما هي مشيئة الله “. لقد قال لهم يسوع :” إنكم لا تعرفونني ولا تعرفون أبي “(يو8: 19؛ 7: 38). يحاولُ الفريسيون أن يدينوا يسوع إستنادا الى الكتاب المقدس (يو5: 39)، ويدعون أنه ليس من الله ” لأنه لا يرعى السبت” (يو9: 16)، بينما يدعون لأنفسهم أنهم أولا ” تلاميذ موسى” (يو9: 28) ، وثانيا يحفظون الشريعة لأنهم ” يصومون ويؤَّدون العشر” (لو18: 12). وقد سبقَ يسوعُ ونبَّههم من أنَّ ” لا أحد منكم يعملُ بأحكام الشريعة ” (يو7: 19)، وأنهم يُخالفون السبت (يو7: 23-24). وها هو الآن يفضح مخالفتهم السبت بكشفِ إنقاذِهم ، يومَ السبت ، حيوانا من الغرق ورفضهم له أن يُنقذ إنسانا في خطرالموت والهلاك ، قائلا : ” تختنون الأنسان يوم السبت لئلا تخالفوا شريعة موسى. وتغضبون علَّي لأني أبرأتُ يومَ السبت الآنسان كله. لا تحكموا على الظاهر. أُحكموا بالعدل “؟ (يو7: 24)

لقد أخطأ الفريسيون فهم مغزى الشريعة ومطلبها. تمسَّكوا بها حرفيًا دون أن يغوصوا الى أعماق روحها وهدفها. وبآسمها وبآسم الله أساؤوا كثيرا فهم الأيمان. ما طلبه الله في وصية حفظ السبت هو :” أُذكر يومَ السبت وقَّدِسْه لي” (خر20: 8). ستة أيام من كل أسبوع هي للأنسان يعمل فيها ليكسبَ قوتَه ويُوَّفرَ راحتَه ويُنَّظمَ حياتَه. اليوم السابع هو للـه. وعلى الأنسان في السبت أن يعيشَ مع الله وله. أن يعملَ ما يطلبه الله وما يقودُ البشرَ إليه. ومشيئةُ الله وعمله أن يتمتع الأنسان بالراحة والعافية ويتنعَّم بالسعادة. هكذا خلقه في جنة. ولكن طموح الأنسان وجشعه دفعاه الى إهمال الله ، بل الى تحَّديه ، فخسر نعمته. الخطيئة أبعدت الأنسان عن الله. فيريد الله إبعاد الأنسان قليلا، يوما واحدا في الأسبوع، عن التقوقع في أنانيته وملذاته الحسية وإعطائِه فرضة العودة اليه والى فردوسه المفقود. يوما واحدا يتصرف مثل الله فيهتم بالآخرين ويعمل الخير دون أن يطلبَ أجرًا. وشفاء الأنسان عمل خير يتماشى مع مشيئة الله :” لذلك يَحِلُّ عملُ الخير يومَ السبت” (متى12:12).

وكم يقتدي إنسانُ اليوم بأولئك الفريسيين. بآسم الله يقتلون ويُجَّوعون، ويتاجرون سبتًا و أحدًا، ويبخلون على الله بيوم واحد لا في الأسبوع بل في الشهر ليعيشوا في الحق؟. ربما يتظاهرون بتقديس ثلاثة أيام في السنة لله ولكن يبقى قلبهم ” بعيدا عن الله “(اش29: 13؛ مز77: 36؛ متى15: 8)

شاهدنا الحروب وكان كل طرف يلوم الآخر ويلعنه ويُعطي آية من الشريعة ليُبَّررَ موقفَه!. مع من كان الله إن كان يُثيرُ الواحدَ على الآخر؟. فهل عرفَ أمثالُ اولئك اللهَ ؟.  وقد إنقسمَ المسيحيون وكلُّ واحد يُبررُ رأيه وإيمانه مع العلم رفضَ أغلبهم سلطة وكيل المسيح على الأرض!. فهل إفتهم الجميعُ حقًّا إنجيل يسوع؟. هل هضموا جيدا شريعة المسيح ” أحبوا بعضكم بعضا كما أنا أحببتكم؟.. أحبوا أعداءَكم “، فكم بالأحرى إخوتَكم؟. هل يخصصون يوما واحدا كلَّ أسبوع ، يوم الأحد، ويُقَّدسونه لله فيتصرفون فيه كما يرضي الله؟. هل يخضعُ ” بعضنا للبعض بحب المسيح “؟ (اف5: 21)

نحن في سابوع الصيف. وهذا السابوع يدعونا الى إعادة النظر في حياتنا والى فحص الضمير على إيماننا. هل ما نعتقدُه ونتمسك به كإيمان هو هذا فعلا ما عناه الله ويريده؟. كل كائن وكل خليقة تجَّدد حياتها سنويا وتقَّلمُ “جذعها” ، كيانها من الشوائب التي تعلَّقت بها خلال مسيرة حياتها عبر أدغال الشر وغابات الفساد؟. إننا مدعوون في هذا السابوع الى تنقية مستمرة لأيماننا على ضوء تعليم الكنيسة، فلا نعلن إيمانا أو حقيقة ما لا تُقِّرُه السلطة الكنسية. آراؤُنا لتبقَ لنا ، وأما دستورنا الذي ينوّرُ دربنا فليبقَ تعليمَ الأنجيل كما تشرحه الكنيسة وليس كما تؤَّولُه وسائل الأعلام الدنيوية. ولكي يتحَّققَ ذلك يجب أن ” نتوبَ” عن تمَّسُكنا بذواتنا ، وأن نثق بالله ونحفظ كلامه ونتقَّيد بإرشاد الكنيسة

إجلسْ في المقـعد الأخير  ! آية 10       

بعد الدعوةِ الى إعادةِ النظر في ما نعتقده إيمانا وتصحيحه برفع الغبارعما تشَّوه فيه بسبب أفكارنا وقناعاتنا العالمية والمصلحية يلفتُ يسوع النظرالى تشويه آخر، هذه المرة في السلوك. فحَّذرَ من الكبرياء وحب الظهور في مرافق الحياة الأجتماعية بطلب المقام الأول وكأن شرفَ الأنسان في الجلوس على الكرسي الأول. سبق يسوع ونبَّه ضد حب الظهور لدى الفريسيين، الذين ” يُحّبون المقعد الأول في المآدب، وصدورَ المجالس في المجامع، وتلَّقيَ التحّيات في الساحات ، وأن يدعوَهم الناسُ >رابي< “(متى5:5 ؛23: 6-7). والآن يُعَّممُ يسوع هذا التحذيرعلى كل من يدّعي الأيمان بالله. وآنتهى التحذيرُ بإعلان أنَّ ” من رفعَ نفسَه وُضِع ومن وَضعَ نفسَه إرتفع “. والتواضع أو العجرفة سلوكٌ يعود الى قناعةِ المؤمن بما يتصَّورُه عن نفسه. إذا كان الأيمان بما يخُّص الله فالسلوك يدُّلُ على كيفَ يعتبر الأنسان ذاتَه. السلوكُ مِرآةُ النورُ الداخلي. وإذا ” كان النورُ الذي فيك ظلامًا، فظلامك كم يكون” ؟ (متى6: 22). إذا كان الأيمان طريق الحياة فالسلوك هو السيرعليه وعدم الخروج عنه. وإذا تكَّسرالطريقُ أو ساءَ السلوك عليه فحياة المؤمن في خطرعدم الوصول الى بَّرِ الأَمان.

وإذا كان بيننا اليومَ فريسيون يجهلون الأيمان القويم فيوجد أيضا فريسيون يُسيئون السلوك و يؤذون الأنسانية. ولذا فسابوع الصيف الذي يدعونا الى تصفية إيماننا يدعونا أيضا الى تنقية سلوكنا وغسلِ نفوسِنا بتوبة الرجوع مثل الأبن الضال الى الأخلاق المستقيمة النابعة من إيمان مستقيم. لقد إفتهم الرسل والمؤمنون الأوائل أنَّ ثمرَ الأيمان هو حياة تتطابق مع تعليم الرب يسوع الذي نقلوه الينا في الأنجيل. ولهذا صرَّح الرسول في رسالة اليوم أن ملكوتَ الله ” ليس بالكلام بل بالفعل ” تتميما لتعليم الرب القائل:” ليس من يقول لي يا رب، يا رب يدخل ملكوت السماوات، بل من يعملُ بمشيئةِ الله..”(متى7: 21)

ومشيئة الله هي قداسةُ الأنسان (أن يكون إبنا بارا ، صالحا، عادلا، محبا ، سخيا، كريما) مثل خالقه القدوس (أح 19: 2؛ 1بط1: 16). قداسة الأنسان أن يحيا من الله ومعه وله، لأنَّ كلَّ شيءٍ منه وبه وإليه “(رم11: 36)

القس بـول ربــان

 

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO