الأحــد السـابع للـرسـل

الأحــد السـابع للـرسـل 

       عـيد مار توما الرسول            2015.07.05

يُتلى علينا اليوم إنجيل -::< لوقا 18: 1-14 >::- مثلان ضربهما يسوع لسامعيه من كل الأصناف ، يتحدَّثان عن مواقف متناقضة يجد الناس فيها ذواتِهم : إما هكذا أو كذلك. ولا موقف ثالث يختاره المرء. المثل الأول عن أرملة مظلومة تطالب حَّقها من قاضٍ ظالم و تلح بينما هو يُماطل : إما الأيمان أو الإلحاد. والمثل الثاني عن فرّيسيٍ معتجرف يتفاخر بأعماله ويدين غيرَه وعّشار خاطيء يطلب رحمة الله وعفوَه : إما الكبرياء أو التواضع 

روحٌ بشرية محضة 

لما نوى قائين الشرَّ حَّذره الله ونعتَ غضبه بالخطيئة الكامنة له، وقال :” وهي تتلهَّفُ إليكَ” (تك4: 7). وفي موضوع الطعام الطاهر والنجس أكَّدَ يسوع بأنَّه :” من باطن الناس ، من قلوبهم، تنبعثُ مقاصدُ السوء” (مر7: 21). أما كان بسبب ” شَّر قلوب البشر” (تك6: 5) أن حدثَ الطوفان وكادت البشرية أن تُمحى؟. نتج عن خطيئة الأبوين الأولين ضعفُ طبيعة الأنسان فلم يقوَ على مقاومة الشر الذي تحَّكم في داخله. فلما يقتنع الأنسان من رأي ، ولمَّا يتمسَّكُ برغبةٍ ولَّذة لا شيءَ يُثنيه عن التصَّرف بـ” هواه” ، ولا حتى الله يوقفُهُ حَّدُه (تك4: 8). لأنهُ يشعرُ أنه حُّرٌ في قراره، فيتخذه كما يبدو له صحيحا أو كما يحلو له ويُريحُه. هذا بجانبِ الأعتداد بنفسِه و الإفتخارِ بمواهبه وطاقاتِه كما لو كان إقتناها بذراعِه وجهدِه!. إنَّ عالمَ الحواس قد خيَّم بشّدة عليه فبرزت العاطفة وتحكّمَ العلمُ السطحي فغطَّى على الفكر السليم وعزله عن السلوك العملي. فآنجرفَ بسهولةٍ مع تيّارِ المنطق البشري الغريزي ومع متطلبات حياة الجسد فقط ، وأصبح مُقَّيدا بما تمليه عليه راحتُه الدنيوية. فقدَ حِسَّ الأيمان بخالق له أسمى منه مصدر حياتِه ونور سلوكه. فقدَ الإحساسَ بحياةٍ أسمى وبقيم وحقائق تفوقُ قواه البشرية. فلم يعرف معنًى ولا قيمة لا للحَّقِ ولا للحب

هكذا تصَّرفَ قاضي الظلم الذي لم يجد منفعة في إعادة الحق الى الأرملة فلم يهتم بما تعانيه هي أو يحُّقُ لها. بل همَّهُ فقط أن يكتسب مالا لأداءِ خدمةٍ لها، وإذ لم يأملْ ذلك أهملَها بل و  تنَّصلَ حتى عن أداءِ واجبِه. ولم يحقَّقَ لها حقًا بل طلب راحة نفسِه فقط “لئلا توجعَ رأسَه”!. هكذا ما زالَ البشرُ يتصَّرفون. و هكذا أيضا فعلَ الفريّسي في صلاتِه. فعوضًا عن أنْ يمَّجدَ اللهَ ويُسَّبحُه ، مدحَ نفسَه أمام الله وأدان غيرَه. تكَّبرَ معتبرًا نفسَه ذا قيمةٍ وكادَ أن يقولَ لله أنه مديونٌ للفريسي على فضلِه!. وكأنه في معركةٍ إنتخابية يُعَّددُ مناقبَه ويكيل المديحَ لأمجادِه معتبرا نفسَه أفضل واحد يستحق التقدير، مُنَّدِدًا بمنافسيه ومُشَّوهًا سمعتهم. هذه هي الروح الأنسانية التي لا تبحثُ إلا عن الأنانية ، ولا تهتَّم أو تطلبُ غير المظاهر. والأنا والمظهر ليستا سوى ” حرف الحياة”. أما جوهرُ الحياةِ فبـ “الروح”. الأنا من التراب و المظهر في زوال. أما البقاءُ والراحة فللروح الذي هو من نفخة الخالق. والخالقُ أدان موقفَ القاضي والفرّيسي معا. ورفض مار بولس إسناد إيماننا الى حكمةِ الناس (1كور2: 5). فكم علينا أن نتجَّنبَ التصرف بمنطق البشر وكما يفعلُ كل الناس، لأننا ” نحن لنا فكرُ المسيح ” (1كور2: 16). وكم علينا أن نقتديَ بالمسيح نفسه (يو13: 15)، وأن نتعَّلمَ ذلك من الرسل أنفسهم (1كور11: 1؛ 1طيم1: 16)

روح الله حّالٌ فيكم  !  1كور3: 16

أما وقد تجَّسدَ الله فحتى يعلمَّ الناس أنهم ليسوا فقد ” جسدًا” ولا يعيشون فقط على الأرض. بل إنهم صورة الله ، فهم روح، ومدعوون أن يعيشوا للأبد في فردوسه ليشاركوه حياته وخيراته من مجدٍ وراحةٍ وهناء، فهم مواطنو السماء أكثر من الأرض. فليس الأنسان روحا بشرية فقط ولا يُؤَّبدُ في الحياةِ الزمنية على الأرض، فلا يليقُ به أن يتصَّرفَ كذلك فقط. و بطاعته وصموده في الحق كَّفرَ المسيحُ عن خطيئة الأنسان ونال له الغفران. وأعادَ بذلك خِلقَة الأنسان وجعَلهُ جديدا إذ أفاضَ عليه من روحه. لقد نفخَ فيه في الخلقِ الأول من حياتِه (تك2: 7) ، وها هو الآن ينفخُ فيه ، بعد القيامة ، من روحه الآلهي (يو20: 22) ليُفَّكرَ كالله ويتصَّرفَ مثله. أى أن يسلك سبيل الحَّق والبر، ألا يميل الى الشر ولا يتكاسل أو يهمل طلبَ الحق ، وأن يتوب سريعا إذا ما أخطأ واثقًا برحمةِ الله ومُتَّكِلاً على أُبُّـوَتِه 

لذا أقامَ يسوع ، مقابل القاضي والفريسي المتحَّلين بالروح البشرية المحضة فقط ، الأرملة المؤمنة و الصامدة في الحق مع العَّشار المتواضع والتائب، ويتحَّلان هكذا بروح الله. أما العَّشار فآعترفَ بذنبِه و تراجعَ عنه مثل زكا ( لو19: 8) ومتى (متى9: 9-11). أما الأرملة فآمنت مثل مريم (لو1: 45) ومثل قائد المئة (متى8: 10). ولم تشك في الحق بل أصَّرت على المطالبة به بإلحاح (لو11: 8-10)، ومن “دون ملل” (آية1) أو شك (متى 14 : 31). لقد أمن العشار بعدالةٍ الله وبرحمتِه فطلب منه أن يرحمَه معترفا بخطاياه :” اللهم ارحمني أنا خاطيء” كما فعل الأبن الضال الذي قَّدرَ أبوه صراحته وتواضعَه بإقرارِه بذنبِه وبثقته برحمته فطلبِ صفحِه. إعترفَ العَّشارُ بالواقع و تصَّرفَ كما كان ينبغي أن يفعل. وآمنت الأرملة بالحق و صمدت فيه. يريد الله أن يكون الأنسان مثله نورا للحق وملحا للبر (متى5: 13-14). ويُطالبُه ألا يسمحَ لنفسِه فتميل وتلتوي مع كل شهوات جسدية أو تتبعَ كلَّ فكر عالمي. الله هو مصدرُ الأنسان و هدفُه. واللهُ حَّـقٌ ومنه كل خير وعطية صالحة (يع1: 17).

يعرفُ الله أنَّ الحياة الأجتماعية ليست كلها مفروشة بورود الحق والمحبة والعدالةِ والرحمة. كما يعرفُ أنْ ليس كل الناس مستعدين لسلوك الأخلاق المثالية المفروضة. لذا أعطى مثال هاتين الفئتين من الناس ليدلنا أين الخلل والشر لنتجَّنبه ، وبالمقابل أين طريق الحق لنسلكه. يتناقض الحق مع الضلال ، والبر مع الشر، والعدل مع الظلم ، والكبرياء مع التواضع ، و الثقة مع اليأس ، والغرور مع التوبة. ويدعونا يسوع الى عدم خلط الأوراق ، والى التمييز بينها، والى التحلي بالشجاعة في آتباع الحق مهما كلف الأمر 

القس بـول ربــان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO