الأحــد السادس للـرسـل

الأحــد السادس للـرسـل 

2015.06.28

يُتلى علينا اليوم إنجـيل -::< لوقا 12: 57ــ 13: 9 >::- بعد الدعوة الى الحكمة والنصح بالأجتهادِ في إرضاء الخصم، يقُّصُ لوقا خبر الجليليين الذين قتلهم بيلاطس مازجا دماءَهم بدماء ذبائحهم، ويُعقِبُه بخبر الذين وقع عليهم البرج في شيلوحا وقتلهم مستنتجا بأنهم لم يكن أُولئك أخطأ الناس ليًصيبَهم هذا المصير بل أنهم درسٌ للآخرين في التوبة والأستعداد الدائم لمواجة الله. الموت مصير الكل. ولكن ليس الكل يخلصَون ولا الكل يهلكون. يخلصُ من يُصَّفي حسابه مع الله قبل الموت بالتوبة والمحبة ، ويهلك من يتجاهلُ اللهَ ويتمادى في سلوك درب الشَّر. وتنتهي القراءةُ بمثل التينة التي لم تُثمر، فيأمُرُ صاحبُ الكرم بأن تُعطى لها مهلةٌ إضافية لتثمرَ وإلا تُقطعُ حتى لا تُعَّطل الأرض

دعهـا هذه السـنة أيضا 

” كلَّمَ اللهُ آباءَنا قديمًا مرَّات كثيرة بالأنبياء.. وفي هذه الأيام الأخيرة كلَّمنا بالأبن..”(عب1:  1-2). هكذا بدأ كاتب الرسالة الى العبرانيين ليقولَ لنا بأنَّ الله رافق مسيرة الأنسان منذ أن فارقَه في الجنة. لأنَّه عرفَ أنَّ الأنسان لم يخطأ “بمعرفةٍ وسبق إصرار”. فلم يُعاقبْه الله ولا أهمَله بل أرادَه حُّرا مثل نفسه فتركه يختارُ حياتَه بعيدا عنه مُتّبعا رأيه الشخصي المتعَّرج ، مُبَّذرًا قِواهُ بجهل، مِثْلَ الأبن الضال، وذلك حتى يتعَّلمَ وينالَ خبرة يحمي بها نفسَه من الشَّر والشَّرير الذي خدَعه فأغواه. ورافقَ اللهُ الأنسان في ضياعِه فضمد كلومه وضمن حاجاته وأرشده الى سبيل العودة اليه. لم يحرم الله الأنسان من نوره ولا من خيراتِه بل سار أمامه يهديه سواءَ السبيل :” وكان الرب يسيرُ أمامهم نهارًا في عمود من سحاب ليهديهم الطريق ( ويقيهم حرارة الشمس!)، وليلاً في عمود من نار ليُضيءَ لهم ( ويقيهم بردَ القمر!)” (خر 13: 21). و لما إستقروا أيضا سكن بينهم في خيمة الأجتماع (خر29: 45)، بهيئة سحابةٍ ونار(عدد9: 15 -16). يتغاضى الله عن أخطاء الشعب ولا يُحرقُ الأبرياء بنار الأشرار، بل يتمسَّك بشعبه رغم تمَّردِه المستمر ويكرسه لنفسِه (عدد16: 40)

لقد قاد الله ابراهيم ، وقاد  موسى ، وقاد ايليا!.  لكن الشعب الذي آمن بداية ً وتبع الله فترة إنتهى دوما بالأبتعاد عنه و بالأرتماء في أحضان الحواس وإغراءاتِها. حتى نعته الله بـ ” قاسي القلب وغليظ الرقبة ” (خر32: 9) بل كاد مرَّةً أن يفنيَهم لولا تشَّفع موسى من أجلهم (عدد14: 12). تحمَّلَ الربُ جحودَ الانسان ونكرانه الجميل طويلا طويلا. وصبرَعليه مثلَ صاحب الكرم على التينةِ العقيمة وآنتظرَ ” ثلاث سنوات”(آية 7). ويقول مار بطرس بأنَّ ” يومًا واحداعند الرب كألف سنة.. “(2بط3: 8؛ مز90: 4). لقد أمهلَ اللهُ الأنسان آلاف السنين تمحورت حول “ثلاث مراحل”، هي : فترة العهد ، ثم فترة الشريعة ، وأخيرا فترة النبوة. حاول الله خلالها أن يستعيد صداقة الأنسان فأظهرَ له أولا محبَّته وعنايتَه (تك17: 6-8). ثم قدَّم له العون فأنار دربه بالوصايا والناموس ليحميَه من الشرير مثل أبٍ لآبنِه (خر4: 22-23). وأخيرا أقام فيه أصفياء وأتقياء ليسمعوا لهم ويقتدوا بسلوكهم (1مل22: 6-8). كانت فُرَصًا نالَ فيها الأنسان خبرة متزايدة ومتطورة ليقود حياته بحرية وكرامة فيكون جديرا بخالقه.

إنتظر اللهُ من الأنسان أن يبادله الحب البنوي وأن يثقَ به وأن يحفظَ كلامَه لكن الأنسان ظلَّ  يتمَّردُ عليه ويبتعد. إستمَّر يخالفُ نصائح الله ليتباهى بفكره وذراعه ويميلَ اليها شاردًا عن حظيرةِ الأيمان. إختار اللهُ شعبًا خاصًّا به ، علَّمه ودرَّبه ليسلك سبيل البر، فيكون “عهدًا للشعوب ونورا لهدايةِ الأمم” (اش42: 6)، و” خلاصًا الى أقاصي الأرض”(اش49: 6). سَّماه قُوَّتَه وجعله مُلكا له:” أنا خلقتك..أنا جبلتك..أنا إفتديتك، سمَّيتُك وجعلتك لي” (اش43: 1). أما الأنسان فحاولَ بآستمرار أن يتحَّررَ عن تلك السيادة ليقيم نفسًه سَّيدًا يحيا على هواه

فأطال عليه الرب خُلقَه ، مُوَّسِعا رحمتَه ، ومُضاعفًا عنايتَه. أمهلَه الله كثيرا. وضاعفَ

المُهَلَ ، مرةً تلو الأخرى ، غيرَ يائسٍ من عودة الأبن الضال

المهــلة  الأخــيرة 

ها هو اللهُ اليومَ يمَّددُ المهلة لآخر مرة. إنَّ فلاحي كرمه لم يُعطوه الثمارَالمرجُّوة (متى 21: 37). الأنسان المتمَّردُ يتنَّقلُ بين طموحاتِه وكبريائِه غير مهتّمٍ حتى ولا بتحذيرات الأنبياء. ويخسر فرصةً بعد أُخرى في العودةِ الى الأيمان في نور كلام الله. يعطيه الله فرصة أخيرة “دعها أيضا هذه السنة. حتى أقَّلبَ الأرضَ من حولها وأُسَّمِدَها” (آية 8). إنَّ الله أبٌ” محّبٌ، بطيءٌ عن الغضب، كثير الرحمة، غافرُ الذنب والأثم” (عدد14: 18)، يريدُ رحمةً لا ذبيحة (متى9: 13). يُعطي الأنسانَ سنة أخرى كاملة ” مرضية لدى الرب ، فيها يُبَّشَرُ المساكين،  ويُشفى منكسرو القلوب ، ويتحَّررُ المأسورون ، ويُبصرُ العميان ، ويُفَّرَجُ عن المظلومين ” (لو 4: 18-19). من عرفَ الحبَ والحنان لا يتحمَّلُ أنْ يُعاقِب. ومن أعطى الحياة لا يريد أن يموت الأحياءُ فيخسروا النعيم الأبدي. مع ذلك لن يتَهاوى مع تقاعس الفلاحين ولن يسمح لخيانتهم أن يتوقَّفَ العملُ في كرمه. صبره ورحمته لا توقفان حياته. حبه وحياته يستمران فيتدفقان عطاءًا أبديا. إختارَ له فلاحين جُدُدًا من طراز مختلف وبمقاييس مغايرة. لن يكونوا بعد حُرّاسًا فقط بل سيكونون هم مهندسو العمل وبأيديهم المبادرة، فيقَّلبون التربة و يُسَّمدونها. لن يعملوا بأُجرة بل يعيشون حياة تعلموها من الله ويشعون أبعادها و بريقها بسلوكهم ولاسيما ببذلهم مثل المعلم الجديد

يسـوع هو هو! بالأمس واليوم وللأبد  

والمهلة الأخيرة هي في يسوع المسيح نفسِه. ويسوع لا فقط مُلكُه أبدي، بل ويُقيم بين الناس . كلامه نور البشر وجسدُه طعامهم. صليبُه قُّـوتُهم وسلوكه سلاحُهم. يُشرقُ للناس حَّقَه جيلاً وراء جيل ، ويذوقون حلاوة بِرِه دهرًا بعد دهر. يوَّجهُ يسوع دعوتَه لكل إنسان ليتبعَه في ملكوت الحق ، ويمُّدُ العون لكل خاطيء يتوب. وما دام يسوع يُشرفُ على العمل في كرمه تبقى المهلة قائمة ً، وتبقى تصفية الفلاحين سارية المفعول. لقد جسَّد يسوع رحمة الله الحقيقية وأشَّعَ حُبَّه اللامتناهي وثبَّتَ العهدَ أنه لا يريدُ معاقبة الخطأة بل يخرجُ في إثر الخرافِ الضالة ، وقصبةً مرضوضة لا يكسر، بل يجبر الكسور فينعشُ النفوس. مهلته ليست فقط بقدر ما يحتاجُ إليه الخاطئ ، بل بقدر صبره الألهي الطويل و سعةِ رحمته العظيمة التي لا مثلَ لها بين البشر

إنها مهلة من نوع خاص. ليست مُحَّددَة ً بزمن ما، ولا تُقاسُ بأعمال معَّينة. إنها نسيم الحب الألهي الصافي الذي يستمر في الهبوب إلى أن تستنشقَه كل النفوس وتتعَّطر بنقائه وتغتسلَ بنـداهُ. مهلةٌ يتمتَّعُ بآمتيازها كل إنسان يولدُ من صلب آدم حتى يتمَّكن بعده من الأجتياز الى جنَّة المسيح. تحرُثُ الكنيسةُ نفسَه وتُسَّمدُ فكرَه وروحه بأن تضُّخَ إليه فكرَ المسيح وروحه فيتقَّدسَ في إتبّاع الحق ، ويعرفَ الله ويعبدَه بالروح ويناجيه بالمحّبة. هكذا خطَّطَ الله ليبقى بآستمرار بجانب الأنسان ليُعينه. ولذا يُمهِلُه الى آخر لحظة من حياتِه ولا يُهمِلُه. وعَّلمنا بذلك ألا نيأسَ أبدا في مقاومة الشر وبناء صرح الخير، فالأمهالُ ينتهي بالنصر

القس بـول ربــان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO