الأحـد الخـامس للرسـل

الأحـد الخـامس للرسـل 

يتلى علينا اليوم إنجـيل -::< لوقا 12: 16-34 >::- ويذكرنا بمثل الغني الجاهل الذي يفكر في توسيع مخازنه لآستيعاب ثروته وفي التوقف عن متابعة العمل للتفرغ للراحةِ، غير مبالٍ لا بإغاثة المحتاجين ولا بالمبادرة الى سند المشاريع الخيرية لآسعاد الأنسانية. والعلة في ذلك أنه لا عرفَ الله ولا وثق بأنَّ خيراته هي أصلا عطيَّةٌ من الله. كل فكره منصَّبٌ على نفسه وكل هَّمِهِ وجهده مرَّكزٌ على خدمة نفسه فقط. إنه نموذجُ الأنسان الملحد والأناني والجاهل. وأبلغه الله أنه سيموت في نفس الليلة التي ضمن فيها خيراته وقررَ إقامة مملكته أو دنياه الخاصة معزولاً عن بقية الكون. وإذا مات هو ماذا ستنفعه تلك الثروة المجَّمدة بين الجدران ؟. و من سيضمن له نعيم الملكوت؟. من سيعيرُ له إهتماما إذا كان هو لم يهتم في حياتِه بأحد؟. ماذا سينفعه غناه المادي إذا لم يعرف الله ولم يخزن لنفسه خيرات روحية ، أى ثمار الروح وهي: ” المحبة والفرح والسلام وطول الأناة واللطف ودماثة الأخلاق والأمانة و الوداعة والعفاف ” ؟ (غل5: 22)

لا يهُّمُكم  أمرُ العيش 

إنَّ الأنسان يشعرُ بالحاجة الى لوازم العيش الكريم كالطعام واللباس والراحة. بل ويلتَّذُ بها ويرتاح الى التمتع بها. وحاجته اليها تدفعه لا شعوريا الى التعَّلقِ بها فالإكثار من الأهتمام بها ، والأستزادة في إقتنائها ولاسيما التنَّعم بآستعمالها. إنها الشهوة التي إذا تفاقمت وفاقت حدَّها وتحَّدتْ قياسَها تُنَّسي المرءَ أنه روحٌ قبل الجسد ، وأنَّ حياتَه تمتَّدُ عبر الأبدية، وأنه لا تنفعها تلك الخيرات التي هي زائلة. وعندئذ يُهملُ حياته الروحية ولا يهتم بما بعد الموت. و بسبب إرتباط هذه الخيرات بالحواس رَّكزَالأنسان فكرَه عليها ، وضاعفَ جهدّه لآقتنائها و  الإكثار منها ظانا أنها تحمي حياته وتطيلها، وأنه هو الذي يضمن تلك الخيرات. نسيَ أنه ليس هو من يُوجدُها. بل إنها متوفرة في الطبيعة وقد أوجدها الله، وسبقَ فهيَّأَها قبل أن يخلقَ الأنسان. والأنسان ينالُ منها فقط نصيبه أي حاجته، في الصحة أو المرض. ومن طبيعتها أن تنَّمي الحياة الجسدية وتساعد على آمتدادها. لكنها لا تضمنها إلا لفترةٍ زمنية قصيرة. أما ما زاد على ذلك فلا ينفعه لأنه لا يقوى لاعلى مقاومة الأمراض ولا على ضمان حياة الأبد

الحــياة أثمن من الطعام 

لهذا دعانا الرب الى عدم القلق على حاجات الحياة. لأنه يعرف حاجتنا اليها وكفايتنا منها. و قد وفَّرَها لنا الله، ويستمرُ في توفيرها تلبية لحاجتنا : “هذه كلها تُزادُ لكم” (آية 31). يريد الله منا أن نتطلعَ الى أبعدَ من الزمن والجسد وأن ننظر الى الخيرات من زاوية أفضل. ما دامَ قد أُوجِدَت لضمان حياة الأنسان فإذن عليه أن يهتم بالحياة نفسها ، وألا يكتفيَ بتوفير حاجتها المادية فقط ، بل أن يقيس أبعاد حياتِه الروحية والأجتماعية ولاسيما الأبدية و يوَّفر لتلك الأبعاد أيضا حَّقَها ومتطلباتِها. وكما أنَّ ” الحياة أثمن من الطعام ” ولم يوجد الطعامُ إلا لأجلها، هكذا الروحُ أيضا أسمى من الجسد الذي لم يُصنع إلا لأجلها. الجسد ليس الحياة بل هو وسيلة لظهور الحياة. الجسد،”اللحم والدم”، لا يدوم للأبد (1كور15: 50). والخيرات المادية تخدم الجسد فقط. لذا على المرء أن يتطلع الى ما يُنمي فيه حياة الروح التي تدوم للأبد. تدوم حياة الأنسان للأبد لأنها نفخة من حياة الخالق نفسه التي لا نهاية لها. وحتى نخدم الحياة يجب أن نعود الى الله ونسأله :” كيفَ نصونها “؟

أطلبوا ملكوت الله 

قال يسوع :” من منكم ،إذا آهتَّمَ ، يستطيعُ أن يُضيفَ الى حياتِه مقدارَ ذراعٍ واحدة “؟. لا أحد يقدر. ولو سألنا بعضَنا ” من منا يقدرأن يصون جسده من الأمراض أو يتغلَّبَ عليها”؟. سمعنا أنْ لا أحد أيضا. بينما هناك ما نقدر أن نعمله لنصون حياتنا. نقدرُ أن نعمل أعمالَ الله. كلَّ يوم نصَّلي ونطلب ” ليأتِ ملكوتُك. لتكن مشيئتك.”. وملكوتُ الله هو أن يحيا الناس في الحق. ومشيئة الله هي أن يُحَّبَ الناسُ بعضهم وألا يُسيئوا السلوك ، بل أن يسلكوا سبيل البر. ملكوت الله هو أن يسودَ الحبُ لله ، فوقَ كل شيء، في كل قلب وأن يخضع كلُّ إنسان لمشيئةِ الله. مشيئة الله هي أن يعيش كل الناس معا في إخاءٍ وآتفاقٍ وتعاون وتسامح. ” الله يحيا روحيا في محبةٍ و بذل”. وملكوته أنْ يحيَا في الأنسان ، في فكره وضميره وقلبه ، فيستنيرَ به كل انسان ويتقوى ويقتدي. ويُصبحَ الأنسان بدورِه إلهيًا في سلوكه وإن كان مغَّلَفًا بجسد مادي و حوّاس تُلهيه عن الروح. فيدعو الله الأنسان إلى عدم الأنغراء بالملّذات وعدم الأنجرافِ الى الزمنيات. و يُحَّذرُه من مغَّبةِ الآنغواءِ بالحكمة البشرية والتعَّلق بالخيرات الزمنية ، ليُحَرّضَه بالمقابل على التشَّبثِ بفكره تعالى والتقَّمص بروحه وسلوكه

خذوا العبرة من بقية الخلائق 

الحيوانات ، الطيور، النباتات… كل الخلائق تتصَّرفُ بموجب طبيعتها. تتبعُ غريزتها التي جعلها الله فيها نورا وقوة. لا تخالفُ نظامَها أبدًا. ولا عقل لها لتدبر أمورَها بحكمةٍ و روية. إنها تحيا كما أراد الله لها ذلك. ” إعتبروا الغربان..؛ أنتم أفضل من كل طير!. إعتبروا الزنبق..؛ أنتم أولى منه… فلا تهتموا بما للجسد ولا تغتموا.. ولا تخف أيها القطيعُ الصغير” (الآيات 24-32)

إنها دعوة لنا لنتأملَ الطبيعة ونظامها ومفاتنها ومسلكها فنتعَّلم ونعطي الأهمية للحياة الباقية وليس للجسد الفاني. يدُّلنا على طريق الأيمان بالله والثقةِ به. ويُرشدنا الى خزن خيرات روحية وآقتناءِ كنوز في السماوات. وكنوز السماء لا تنبني بغير الحق والمحبة. والحق و المحبة لا تمارَسان بغير الأيمان بالله والإصغاءِ إليه والإتكال عليه. فالله وحده يعرفُ الحق، وهو وحده يُحّبُ بلا مصلحة ولا محاباة. وهو وحده قادر أن يضمن حياتنا و يمنحنا الراحة في السعادة والمجد. فهو الغنى الأوحد الذي يحتاج اليه الأنسان ومطلوبٌ منه أن يقتنيَه. لنحاولْ أن نكون أغنياء بالله (آية 21)

القس بـول ربــان   

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO