الأحـد الـرابع للـرســل

الأحـد الـرابع للـرســل

    2015.06.14

يتلى علينا اليوم إنجـيل -::< لوقا 6 : 12-38 >::- وهو يتحدَّثُ عن إختيار الرسل الأثني عشر(آية12-16)، وإلتفاف الناس حول يسوع لسماع أقواله التي تنعشهم ومشاهدة أعماله التي تبهرهم ولاسيما الألتجاء الى قوته للشفاءِ من أمراضهم الجسدية والنفسية والروحية ، حتى إذا لم يستطيعوا محاورته يحاولون لمسه فيبرأون من كل سوء حال أو مرض(آية17-19). تليها الموعظه على الجبل وقد قسمها لوقا الى أربع تطويبات تقابلها اربع ويلات(آية 20-26)، وينتهي بالدعوة الى محبة القريب في كل أبعادها على طريقة الله حتى تبلغ محبة الأعداءِ أنفسهم ، وهكذا يبرهن المؤمن أنه حَّقًـا ابن الله العلي

أحَّــبوا أعـداءَكم

كلُّ شيء يمتازُ بخصوصية ينفردُ بها. وكل جمعية تتمَّيزُ عن غيرها بشعارها وهدفها. وكل إنسان يختلفُ عن غيره بشخصيتِه. وهكذا كل تعليم ودين يُعرَفُ بما يُمَّيزُه عن غيره. ومنذ بدء رسالته إختلفَ يسوع عن بقية الأنبياء والآلهةِ والمعلمين حتى أصغى اليه الناس بآرتياح وآندهاش لأنه ” كان يعَّلمُ كمن له سلطان” (متى7: 29). ولم يتردد في أن يُصَّرحَ ،” سمعتم أنه قيل.. أما أنا فأقولُ لكم” (متى5: 21…) مُعلنا إختلاف تعليمه ، جذريًا أو جزئيًا، عن تعليم من سبقه. ولاسيما عن الأنبياء الكذبة الذين سيلحقونه (متى24: 5-11). وسينفرد في تعليم ٍ قوامُه :” سمعتم أنه قيل : أحبِبْ قريبَك وأبغِض عدُّوَك. أما أنا فأقول لكم : أَحِبُّوا أعداءَكم ، وآدعوا لمُضطهديكم ، فتكونوا بني أبيكم الذي في السماوات” (متى5: 43-44). لمْ يُسمَعْ من قبلُ بمثل هذا. وسيضيف:” أحببْ قريبَك كنفسك “(متى22: 39). وجعل العدوَ بذلك قريبًا لا غريبًا ولا غريما. المحبة تنبع من انسان وتتوجه لآنسان وتليق به وحدَه دون جميع الخلائق الأخرى. إنها تفاعلٌ طبيعي لا عاطفي ولا غريزي

الأنسان كائنٌ من طبعِه مُحِبٌ على صورة خالقِه. لكن الشهوة والعاطفة تدفعانِه أحيانا الى الكُرهِ عندما يلقى من الآخر الهوان والذل والظلم والعذاب. فيثورُ غريزيا وينقلب من الحب الى الحقد والعنف. يبقى ذلك ردَّ فعل غريزي يقود الى الدمار،لا سلوكا عقلانيا يُنعشُ الحياة . يدعوه مار بولس” سلوكَ سبيل الجسد…والجسد ينزع الى الموت” (رم7: 5-6). أما الحُّبُ فهو سلوكٌ منطقيٌ وروحاني وحيوي، وهو” سبيل الروح الذي ينزع الى الحياةِ والسلام…و من ينقادون الى روح الله يكونون حقا أبناء الله”(رم 7: 5-6، 14). والله كله محبة (1يو4: 8)،ولا عِداءَ له مع أحد بل” يُطلعُ شمسَه على الأشرار والأخيار، ويُنزلُ غيثَه على الأبرار والفجار”(متى5: 45). وقال مار بولس ” إقتدوا بالله { في اللطف والشفقةِ والغفران } مثل أبناءٍ أحّباء. وسيروا في المحبة كالمسيح..”(أف5: 1-2). ومن هنا تأخذ ” محبةُ الأعداء” بُعدَها وقوَّتها، مُبَّررَها وسندَها، وحتى بريقَها والراحَةَ التي تضفي على من يحياها. الأنسانُ صورةُ الله ومدعُّوٌ أن يشُّعَ هذه الصورة في سلوكه اليومي، ويكون كاملاً مثله”(متى5: 48)

من ضربك إعرض له خدَّك الآخر

وهذا هو الكمال. الله ثالوث في الصفات لكنه واحد في الحياة: في المحبة التي تُحيي الداخل، وفي الفعل الذي يشُّعُ في الخارج. والأنسان ثنائي الأبعاد، روح وجسد لكنه واحد في الحياة: في المحبة التي تحييه ، وفي الفعل الذي يُعَّبرُ به عن ذاتِه. والحب الذي فيه يجب أن يسموَ الى نوعية حب الله ومستواه ،” أحبوا بعضكم كما أنا أحببتكم “(يو13: 34)، الذي ينطلق من الذات ويُعَّبرُ عنها ويتجه نحو الجميع ودون منفعة ،وليس الذي يحصُد من الآخر وينتفعُ به؛ ” فإنْ أحببتم من يُحّبُكم.. أو من يُحسنُ إليكم ..أو من يساعدكم ، فأيُّ فضل لكم ؟ الخطأةُ أيضا يفعلون ذلك ..”(لو6: 32-34). الكمال أن يتحدَّى المُحّبُ مشاعره الخاصة و سيرةَ المقابل حتى السيئة ليتصرف معه بإخاءٍ وموَّدة. الكمال ألا يُحاسبَ المؤمنُ الآخرَ، و ألا يتعامل معه على أساس التعادل بالفعل والتقابل بالمثل ، بل أن ينطلق من ذاتِه ومن الدعوة التي يدعوه الله اليها. الكمال هو أيضا ألا يقابلَ سوءَ غيره بسوءٍ من عنده. لأنه يُدَّنسُ عندئذٍ نفسَه. بل أن يسموَ المؤمن على مساوئ الآخر ويتعَّدى أخطاءَه ويغُّضَ الطرفَ عن تقصيره ، تماما كما يفعل الله كلَّ يوم مع الخطأة الذين يُهينون قداسته، ويسامحَه من كل قلبِه

ليس الضربُ إهانةً ولا ذُلاً، ولا يقَّللُ من كرامة الأنسان. الذي يضرب هو المُهان لأنه لم يعرفْ إحترامَ صنع الله ولا قدَّرَ قيمة نفسِه. وليس عدمُ الرَّدِ على الظلم حقارَةً أوخسارةً أو ضُعفًا و جُبْنًا. بل الرد بالمثل هو الجهل والضعفُ لأنه نزول الى مستوى الأحساس ورفضُ الأرتفاع الى مستوى الروح فالمحبة. الضرب ، الظلمُ ،الإساءة ،الإزدراءُ وكلُ ما يعتبره المرءُ تعَّديا وشَّرًا يكون خطيئة ويجب الأبتعاد عنه. وما يدينُه المرءُ في الآخر لا يليقُ به أن يُمارسَه. كما قال الشاعر:” لا تنهَ عنْ خُلُق ٍوتأتيَ مثلَهُ :عارٌ عليكَ ، إذا فعلتَ، عظيمُ “!. بأيجاز الأنسانُ إناءٌ للحب فلا يحُّقُ لنا أن نملأَه بغير الحب!. لا يليق بالأنسان أنْ يدَعَ فيُعَّمرَ قلبَه غيرُ حُّبِ العطاء، دائما ، وفي كل مكان ، ومع جميع أنواع الناس. لا يسمح لغير الحب أن يُنَّجسَ قلبَه ويُدَّنسَ بالتالي حياتَه.  لأنَّ لأبناءِ الله حياةَ اللهِ وقلبَه وحُّبَه

تكـونون أبنــاءَ العـلـي

نحن أبناءُ الله. هكذا ندعوه في صلاتنا :” أبانا الذي في السماوات”. بل ليس لنا أبٌ حقيقيٌ آخر غيره ، كما قال الرب نفسُه :” لا تَدعوا أحدًا أبًا لكم على الأرض. لأنَّ لكم أبًا واحدًا هو الآبُ السماوي “(متى23: 9). وهدفُ محبةِ الأعداء ألا نشَّوهَ صورة أبينا السماوي، بل أن نمَّجدها فنكون كاملين. والدعوة الى الكمال هدفها أن نحَّققَ تلك الصورةَ ونحيا فينا حياة الله كما يحياها هو. حياتنا نفخة من حياتِه. وقد أعطاها لنا لنُقَّدسَها لا لنُدَّنسَها (1 تس4: 7).  وحتى لما دنسناها عاد فآشترانا وطهرنا و دفع عنا الثمن بدم الأبن الحبيب حتى لم نَعُدْ بَعْدُ مُلكَ أنفسِنا بل ملكه تعالى (1كور6: 19-20). لسنا بعدُ أبناءَ آدم الأنسان الخاطئ فقط ، بل نحن أبناءُ المسيح البارالذي قدَّسَ ذاته من أجلنا حتى نكون نحن أيضا مقَّدَسين في الحق (يو 17: 19). ونحن إخوة يسوع ،وهو بكرنا في بُنُّـوةِ الله ، وقد قبلنا مثله روح الله وننقادُ اليه وندعوه ” أبانا “

لقد قَبِلَنا الله بالعماد أبناءَ له وثَّبتَنا بروحه القدوس. بقي علينا أن نُثَّبِتَ نحن ذلك بسيرتنا. و سيرتنا تكون الهية إذا عرفنا أن نقتديَ بسيرة الله التي تجلت لنا فرأينا نموذَجَها في يسوع المسيح ، وقد دعانا حرفيا الى الأقتداء به (يو 13: 15). وكما حبُ الله هو” أبوي” هكذا يجب أن يكون حبُّنا ” بنويا “، فنقتديَ به ” كأبناء أحّباء ” (أف5: 1)، وينعكسُ على الناس ” أخويا ” لأنهم أيضا أبناءُ الله وبالتالي إخوتُنا!. وإحدى علامات بُنوَّتِنا لله هي أنْ ” نُحّبَ الأعداء “، فلا نتذمرُ منهم، ولا نكرههم، ولا نحقد عليهم، ولا ننتقمُ منهم، بل نحسنُ اليهم مثل الله أبينا، فـ ” نلطُفُ بهم ، ونرحمُهم، ونغفرُ لهم ونعينهم “(لو6: 35-38)

القس بـول ربــان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO