الأحـد الثالث للرسـل

الأحـد الثالث للرسـل

  2015.06.07

يُتلى علينا اليوم إنجيل -::< لو10: 25-27 >::- ويقُّصُ علينا مثلَ السامري الصالح. الخبرُ معروفٌ. أما هنا فنود أن نتأمل في بعض النقاط التي يمُّرُ بها القارئ دون أن يُرَّكزَ عليها، أو ترُّن في آذان السامع دون أن يُمَّيزَ لحنها. بطلُ الروايةِ ” أحدُ علماءِ الشريعة”. يسـألُ كي ” يُحرِجَ ” يسوع لا كي يتعَّلمَ. ولمَّا أحرَجَه يسوع أخذَ ” يُبَّررُ ” نفسَه متظاهرًا أنه يريد أن يتعَّلمَ. ولما فضَحَه يسوع بمثل السامري الصالح إنخرَسَ وآلتزمَ الصمتَ أمامَ الدرس الذي لقَّنه إيّاه

أحبِبْ قريبَك كنفسِك

نُذّكرُ بالقصة لنتأمل ابعادها. يهوديٌ ساقط في الطريق جرَّحه لصوصٌ وسلبوه وتركوه بين حّي ومَّيت. يمُّرُ به كاهنٌ يهودي مُكَّرَسٌ لله وحارسٌ للشريعة ونموذجٌ لحفظها وهي تأمُرُ بـ ” أَحبِبْ قريبَكَ كما تُحّبُ نفسَكَ “(أح19: 18)، ولم يُبالِ بالقريبِ المنكوب. مرَّ بعدَه لاويٌ مُخَّصَصٌ لخدمةِ الله في الهيكل ومطلوبٌ أن يُقَّدسَ ذاته بتطبيق الشريعة ، وهي أمرتْ ” لا تنتقم ولا تحقد على أبناء شعبِك، بل أحبب قريبكَ ” أي كل يهودي قريبٌ لك،”حتى الغريب النزيل بينكم ليكن كالأصيل، فأحبوه مثل أنفسكم”(أح19: 34)، لكنه لمْ يبالِ بدورهِ بالقريب. مرَّ أخيرًا سامريٌ لا يؤمنُ بالله ولا يعرفُ شريعَته ، وبينه وبين اليهود كُرهٌ عميق وحِقدٌ دفين وعِداءٌ مُعلَنٌ ، ولما رأى إنسانا متأَّلمًا وفي ضيق وبحاجة الى مساعدة هرعَ إلى نجدتِه وآهتَّمَ به فداوى جروحَه ونقله الى أقرب مركزٍ حيثُ يمكن متابعة الأهتمام به ، ضامنا كلَّ مصاريفِ العلاج

ليُجَّــربَه … ويُزَّكيَ نفسَه

كان هذا مثلا فقط رواهُ يسوع لمعلم الشريعة الذي سأله ” ماذا أعملُ لأرثَ الحياة الأبدية “. ولما سأله يسوع: ماذا تقول الشريعة ؟ وأجابه ذاك” أحبب الله وأحبب القريب “، قال له : “إعمل هذا تحيَ”. فشلَ المعلم لأنه بدا وكأنه لا يفهم الشريعة بل يُرَّدِدُها فقط عن ظهر قلبه. لكنه لم يستسلم. لم يعترفْ بالفشل لأنه لم يسأل أصلا حتى يتعَّلم. سألَ فقط ليُجَّربَ يسوع و يُحرجَه ، وربما ليبديَ تفَّوُقَه عليه. فلعقَ جراحَه وبادرَ الى هجوم ثانٍ ليُزَّكيَ نفسَه أى يثأرَ لِكرَامَتِه ويستعيدَ خسارَتَه. منذ أن خُلقَ الأنسانُ لا يكّلُ ابليس عن محاربتِهِ والكيدِ له ليُوقعَه عن كرامتِه ويُخسِرَهُ نعيمَه، ويُمْنى بالفشل مرة تلو الأخرى ومع ذلك لا يتراجع ولا يخزى مُـمَّنيا دوما نفسه ، مثل لاعبي القمار، بالفوز في مرةٍ تالية. هكذا لا ينوي تلاميذه و عملاؤُه أبدا أن يقُّروا بهزيمتهم أمام المسيح ويستسلموا للحق. ومنهم هذا المعَّلم الغبي

فسألَ يسوع من جديد “ليُبَّررَ” موقفَه: ” ومَن قريبي”؟. لم يخجل من نفسِه ومن شهادتِه أنه معَّلمٌ للشريعة وقد عرَّفَتْهُ بالقريب أنه “إبن شعبك”! ، بل حتى الغريب النزيل في بلدك. إنه يُعَّلمُ الشريعة لغيره ويُطالبُهم بالتقَّيدِ بها بل ويُحاسبُهم إذا خالفوها، أما لنفسِه فهو يجهَلُها

أو رُّبما يريد التنصَّلَ منها بسبب إمتيازات يحسبُها تعفيه عن تطبيقها بنفسِه. فمثلا تمنع الشريعة على اليهودي أن يختلط ويتعامل مع غيراليهود. لكن كل يهودي قريب له! أو لكونه معلم لا ينزل الى مستوى الشعب إذ يعتبرون أفرادَه “ملاعين “(يو7: 49). وقد تكون هذه الأمور مبَّررا ليبحث عن قريب من نوع آخر. وإن كان موسى قد ميَّزَ بين قريب وقريب إلا إنَّ ذلك لم يكن لمنع محبة الآخرين وخدمتهم ، بل كان لحماية الشعب اليهودي المؤمن عن الأنجراف وراء الملحدين والكفرة وتبَّني أخلاقِهم،ولإبقائهم في خانة قداسة السلوك المطلوبة منهم:” كونوا لي قديسين كما أنا الربُ قدوسٌ”(أح20: 26). أما معلمو الشريعة فقد فسَّروها

على هواهم

إذهب وآعمَلْ أنتَ أيضا مثله

سألَ المعَّلمُ يسوعَ عن ” من هو قريبُه”. نظر الى الآخرين وفكَّرَ من يستحقُ أن ينالَ حُّبَه وآهتمامه. أما يسوع فغَّيَرَ المعيارَ وقلَّبَ المقاييس. فطرَحَ بدورِه السؤالَ على المعلم: “من كان برأيِكَ، من هؤلاء الثلاثة الرجال، قريبَ الذي وقع بين أيدي اللصوص”؟. من إعتبرَ نفسَه مُلزمًا بمحَّبة المنكوب ، فأحَّبه كنفسِه وآلتزمَ بعلاجِه؟. لا يَهُّمُ من هو الآخر. المهم أنتَ أَيُّها السائل ماذا تحملُ في قلبك : أَ حُّبًا ، أم بُغضا ؟. أَ إهتمامًا أم لا مبالاة ً؟. أنت من تعتبرُ نفسَك بالنسبة الى الآخر قريبًا أم غريبًا؟. هل كان على المنكوبِ أن يُبديَ قرابتَه للمارة و يبرز لهم هويته ، أم كان على المارة أن يجسوا نبضات قلوبهم ويبحثوا عن هل لهم رأفة ورحمة تجاه هذا التعيس الحظ؟. قرأ المعلم هذه الأسئلة في عيون يسوع، وسمعها بلهجةِ  عتاب خفيف مع دعوةٍ له الى الإندماج في شعاع الحق. فأقرَّ بأَّنَ السامري، صاحب الرحمة أبدى حُّبَه وآعتبرَ نفسَه قريبا للمنكوب فعالجه. وكان جوابُ يسوع له: ” إعملْ أنتَ أيضا مثله”

مأساة معلم الشريعة أنه يدعي الأيمان، وأنه يعرف الشريعة، وأنه يفهمها، وأنه يعيشها ومع ذلك يحتاج أن يتعَّلم من وثني لا يعرف الله نظريا ولا يتبع شريعته قانونيا ، لكنه يعرف الله وشريعته في ضميره. ومنه يتعلم قائد يهودي كيف يتلقى وحي الله وكيف يمارسُ محبة القريب!. أراد أن يتعالى لكنه سقط

من حفرَ حفرة ًلأخيه وقعَ فيها ! أم 10: 8

حاول معَّلم الشريعة أن يُحرجَ يسوع. لكنه هو إنحرجَ وآضطر إلى قبول الدرس بسكوت. لا يكفي للمرء أن يعرف شريعة الله ولا أن يفتخرَ بها. عليه أن يفهمها ويُطَّبقَها. إن الله محبة. والأنسان صورة هذه المحبة. والمحبة ليست سلعة غذائية ولا تجارية. إنها روح الحياة. و الحياة تشمل كلَّ الكائنات وكل البشر. فحياة جميع الناس نفخة من حياة الله. لذا فالمحبة هي روح كل البشر. كل الناس مجبولون في عجين المحبة. والمحبة هي إنفتاح على الآخر. هي الأهتمام بالآخر. هي الشعور بأن الآخر جزءٌ منه. هذا ما أراد يسوع أن يوصله الى الناس من خلال مثله. وكأنه يقول لكل واحد : ما دمتَ إنسانا فأنتَ قريبٌ لكل الناس، ومن هو في ضيق وحاجة فأنت أقرب اليه مما لغيره. إنسانيتك توَّحدُكَ مع الكل بغَّض النظر عن هويتهم ، لونهم، لغتهم، ثقافتهم، سيرتهم. أنت فرد داخل الأسرة البشرية. وبقية أفراد الأسرة إخوتك وأخواتك شئتَ أم أبيت. أنت أخٌ بناسوتك ، وبـبنُّوتِك لله، وبدعوتك الى مشاركة خيراتِ الله الأبدية. فالقرابة المطلوبة لا تقوم لا على أساس دم أوعرق ولا على أساس إختيار أو منفعةٍ.

إنها تقوم على أساس أُبُّوةِ الله لجميع البشر وأُخُّوةِ بعضكم لبعض من خلال المسيح الذي صار أخا للكل

ولهذا لم يُطلق الله وصية محبة القريب معزولة ولا نابعة من موقف المقابل. بل جاءَت في نطاق الحديث عن العلاقة بالآخربحكم الطبيعةِ الأنسانية نفسها، وبحكم دعوتها الى الأقتداء بالله في قداسةِ السيرة (أح20: 26). فكما أحَّبَ الله البشرهكذا على البشر أن يُحبوا بعضهم بعضا،” أحبوا بعضكم بعضا كما أنا أحببتكم “(يو13: 34). جمع الله البشرية في حبه فعلى البشر ألا يعزلوا أحدًا ولا يتعاملوا خلافا للمحبة. فجاءَت وصية المحبة نورا وقوتا للعلاقة بين الناس. فقال الله :” لا تنتقم ، ولا تحقد على أبناءِ جلدتك..ولا تطمع ، ولا تشته ما لغيرك .. بل أحبب قريبك كما تحب نفسَك”(أح 19: 18؛ 20: 16-17؛ 21: 14، 18، 35). عوضًا عن أن تختلفَ مع الناس وتبتعدَ عنهم كن أنت قريبا منهم وبادر الى مساعدتهم وحن عليهم في ضيقهم ، ولا تعتبر أحدًا غريبا عنك. ليس إعتباركم في علمكم أو منصبكم. بل في محبتكم. لقد كنتم غرباء في مصر، ولا زلتم غرباء عن العالم فلا تغلبكم الأنانية ولا ينخر البغض عظامكم. أنتم أبناء الله. والله أبوكم قدوسٌ مُحّبٌ ورحوم. وقبل أن يعلنَ غيرُكم أنهم قريبٌ لك أعلن أنت أولا نفسك قريبا لهم ، و” ما تريدون أن يفعله الناس لكم إفعلوه أنتم أولا لهم. هذه هي خلاصة الشريعة وكلام الأنبياء” (متى7: 12)

القس بـول ربــان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO