الأحــد الثـاني للرسـل

الأحــد الثـاني للرسـل 

   2015.05.31

يتلى علينا اليوم إنجـيلُ -::< لو7: 31-50 >::- ويَروي لنا خبرَ وليمة سمعان الفريسي ليسوع ، ومجيءَ إمرأة خاطئة وقعت على أقدام يسوع تبَّلِلُها بدموعها وتنَّشِفُها بشعرها و تُقَّبِلُها ثم تدهُنهما بالعطر الطَّيب. وتدورُ أسئلة مختلفة من جهاتٍ متعَّددة أولها من الفريسي المُضَّيِفِ ، وثانيها من يسوع الضيف ، وثالثها من المدعوين الى الوليمة

من هـذه المــرأة  ؟

إستغرَبَ سمعانُ فعلَ المرأة الخاطئة وآندهشَ أكثر من موقفِ يسوع إذ سمَحَ لها أن تقتربَ منه وتخدُمَه كما فعلتْ. وفكَّرَ في نفسِه أنَّ يسوع ليس نبيًا. هل يكون حضور الخاطئة بعلم وموافقةٍ منه ـ وإلا كيفَ دخلت البيت وقاعة الطعام ؟ ولماذا لامَ يسوعَ ولم يطردِ الزانية ؟ـ حتى يجّربَ يسوع ويُسَّجل عليه ملاحظاتِه و علامات الأستفهام ؟. سأل الفريسيُّ نفسَه. لمْ تسمحْ له نفسُه المنافقة أن يكشفَ فكرَه للآخرين. لأنه لا يبدو أنه كان يبحث عن معرفة الحقيقة، بقدرما كان ربما ينصُبُ فخًّا ليسوع. لكنه على ما يبدو وقع بنفسه في الحفرة التي حفرها لغيره. أما يسوع لا فقط كان يعرفُ من هي تلك المرأة وما خبرها المشين ، بل عرفَ حتى فكرَ سمعان الخفي، ما لم يكن بوسع حتى النبي أن يقرأه. وبَيَّنَ يسوع أنه يعرفُ أفضل من مُضيفِه قواعدَ الضيافة ، و أنه يعرف أيضا خفايا تلك المرأة وأنها خاطئة لكنها تائبة. ويعرفُ أيضا لمَن يغفِرُ الخطايا و على من يُمسِكُها. فالخاطئة بَّرَرتها توبتها. أماهو الفريسي فلقد قصَّرَ أولا في واجبِه تجاهَ ضيفِه يسوع، وقصَّر بالتفكير بالسوء على يسوع وإظهار جهله بالكتاب ونقصه في الأيمان. لقد أحَّبَ قليلا وليس كما ينبغي فلا يستحّق التقديرَ الكامل على وليمتِه لأنَّ نواقصَه شوَّهتها. لا يبدو أنه دعاهُ عن محبة وتقدير وإلا كان قد أدَّى تجاهَه واجبَ الضيافة. يسوع عرفَ إذن خلل المرأة وعالجه، وعرفَ كبرياءَ الفريسي ونفاقَه فنبَّهه إليه، داعيا إيّاه أن يُبديَ في حياتِه محَّبة أكثر لله وللآخرين وسيغفرُ الله له كلَّ أخطائِه

من هو هــذا  ؟

وهذا السؤال طرحَه المدعوون على المائدة. لم يُفصح لوقا عن الجواب بل تركه للقارئ يستنتجُه بالعبارة اللاحقة:” قال يسوع للمرأة : إيمانُكِ خَّلصَكِ..”. كان لوقا قد سَّبقَها بالآية : ” غُفِرَتْ لكِ خطاياكِ”. وهذا عمل الله وسلطانه فقط. إنَّ المرأة أخطأت ضد شريعةِ الله. و تابت منها على أقدام ” ابن الله”. فالله غفرَ لها خطاياها. وعلى القاريء اللبيب أن يُتابع ويقرأ في فكرِه :” يسوع إذن هو الله”!. ولأنه الله قرأَ فكرَ سمعان الخفي، وقرأَ الأيمان في تصَّرف المرأة التي لم تخّفْ ولمْ تخجَلْ منه إذ آمنت أنه الله وأنه وحدَه قادرٌ أن يشفيَها و يغفر لها “خطاياها الكثيرة” لذا إرتمتْ على قدميه. ما لم يراه الفريسي رأته هي ، وما لم يملكه الفريسي إمتلكته هي، وما لم يفعله الفريسي فعلته هي لأنها آمنت أما هو فلم يؤمن به مثل بقية الفريسيين :” قلته لكم ولكنكم لا تؤمنون “(يو10: 25) ، و أيضا:” تروني ولا تؤمنون”(يو6: 36). بينما ” آمن به العشَّارون ( زكا، متى..) والبغايا (المجدلية وغيرها..)، وأنتم رأيتم ذلك ، ولم تندموا ولو بعد حين فتؤمنوا  “(متى21: 32). بل وحذَّرَهم من مغَّبةِ عدم الأيمان به :” إذا لم تؤمنوا أني أنا هو تموتون بخطاياكم(يو8: 24). رغم ذلك أبى الرؤساء أن يؤمنوا بيسوع أنه المسيح الأله، ونعتوا مَن آمن مِن الشعب بالرعاع والملعونين (يو7: 48). بل سيسخرون منه وهو على الصليب ، بينما يؤمن به الوثنيون (متى27: 40-44، و54). لم يعرفْ إذن سمعان اللهَ مثل أقرانِه لذا لم يتعَّرف على الله المتجَّسد ، يسوع

   المسيح (يو8: 19)، ولم يسمع المدعوون كلام يسوع بالغفران لأنهم لم يكونوا أصلا من الله

(يو8: 47)، ولم يكونوا مستعّدين أن يسمعوا لـه 

من أنتَ  ؟

لم يطرحْ يسوع هذا السؤالَ حرفيا. لكن الأنجيلي يدعونا الى قراءَتِه بين الأسطر. عندما

كشفَ يسوع زيفَ الفريسي مُظهَرًا له تفوُّقَ الزانية عليه بإيمانها وحبها ترك لنا أن نقرأ فكرَه و بدلا عنه نسألَ الفرّيسي :” من أنتَ “؟. تدَّعي الأيمان ، وتحتقر الضعفاء وتُهملُ واجباتِكَ : فـمن تعتبرُ نفسَكَ؟. سيُطلِعُنا لوقا على فكر الفرّيسي بعد أحدَ عشرَ فصلا عندما يروي لنا مَثلَ الفريسي والعشار، ونقرأُ هناكَ الجواب :” لستُ ظالما، فاسقًا، جشِعًا، ولا أنا مثل هذا العشار الخاطيء .. أنا أصومُ وأصَّلي وأدفعُ الضريبة” (لو18: 11-12). هكذا رأى الفرّيسي نفسَه عنما إزدرى بتصرف يسوع. رأى في غيرِه شيطانا وفي نفسِه ملاكًا. إعتبرَ نفسَه كريمًا وصاحبَ مقام لدى الله ونبذ الخاطئة محتقرا إيَّاها، بينما كرَّمها اللهُ ونبذّه هو. ليس الله بشرا حتى يكذبَ ويُنافق (عدد 23: 19؛ 1صم15: 29). إنه يقول الحَّق حتى لو رفضوا تصديقَه (يو8: 45). رفضوه لأنه كشفَ لهم نفسَه أنه الله (يو10: 33). وقتلوه مع أنه لا أحدَ منهم ثبَّتَ عليه خطيئة (يو8: 46). حسدوه فتخلصوا منه (مر15: 10)، لأنَّ الناسَ آمنوا به وتبعوه (يو11: 48 ؛ 12: 19)

ومن له أُذنان فليَسْمَعْ !  متى 11: 15

هذا كان الفرّيسي : أناني، متكَّبر، متعالٍ، يفتخر بنفسه، مُحتقِر لغيره ، سطحي في فكره ، عاطفي في أحكامه ، منافق في سلوكه، يُحّبُ الظهور، يدينُ الآخرين، و يؤمن بنفسه فقط لا باللـه !. فـ” من أنتَ ” لم يطرحْها يسوعُ على سمعان وحدَه. بل طرحها وما يزالُ يطرحها على فرّيسيي كل العصور ويلومُهم (متى23: 2-7،و13-36). وما أكثر فريسيو عصورنا. لأنَّ الأنجيل لمْ يُكتبْ ليلومَ فريسيي عهد يسوع. بل كُتِبَ ليُحَّذرنا من أن نسلك طريقهم ، و حتى يُعَّلمَنا السبيلَ المستقيم للحياة. فكما كُتِبَ العهدُ القديم لتنبيهنا وتعليمنا (1كور10: 11-12؛ رم15: 4) هكذا كُتِبَ العهدُ الجديد لتحذيرنا وإرشادنا :” لا تفعلوا مثل أفعالهم” (متى 23: 3)؛ و” إذا لم يفُقْ بِرُّكم بِرَّ الكتبةِ والفرّيسيين لن تدخلوا ملكوت السماوات “(متى5: 20)، ولاسيما في الصدقة والصوم والصلاة (متى6: 2، 5، 16)

فهل نظَّلُ حتى اليوم ندينُ نحن أيضا مثل سمعان الآخرين لاسيما المختلفين عنا ويميلون ظاهريا إلى الشر، ونلومُ الله لأنه يسمح بالشر ولا يُعاقبُ المخالفين حالَ إرتكابهم الشر، و نتذَّمرُ على يسوع لأنه سنَّ لنا شريعة الغفران عوض الأنتقام؟. أما يجدُرُ بنا أن نسموَ في فكرنا مثل يسوع ونتقدس في عاطفتنا ونقرأ الحقَّ على ضوء الحب ، ونتواضع فنعترفَ مثل الخاطئة بسوءِ حالنا ونعلن عنه توبتنا ؟. لقد مدحَ يسوع موقفَ المرأة التائبة بينما شجب موقف الفريسي المُلتوِ، كما سيُعيدُ حكمَه في مثل الفريسي والعشار الذي أنهاه بهذه النتيجة :” من رفعَ نفسَه وُضعَ ، ومن وضعَ نفسَه رُفِعَ” (لو18: 14). لنسمع نداء بولس الرسول الذي يدعونا الى أنْ نتطَّهَرَ من الخميرةِ القديمة .. خميرةِ الخبث والفساد” (1كور5: 8)، خميرة التشَّبث بأفكار أهل العالم وسلوكهم وتقاليدهم. لا ننسى أن المؤمن بالمسيح يعيش في العالم لكنه ليس من العالم ليخضع له (يو15: 19؛ 17: 14-16)، بل هو مُرسَلٌ الى العالم ليقَّدِسَه ويُخَّلِصَه (يو17: 18)، بالشهادةِ ليسوع (أع1: 8). ولن يستطيع أداءَ الشهادة وإتمام الرسالة الا إذا تشبَّعَ من روح يسوع الألهي وقدَّسَ أولا ذاتَه بالحق

 القس بـول ربــان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO