الأحد الأول للرسل : العنصرة

الأحد الأول للرسل : العنصرة 

   2015.05.24

  عــيد حـلــول الروح القدس

يُتلى علينا اليوم إنجـيل -::< يوحنا 16: 1-15 >::- وينقل حديث يسوع الأخير مع تلاميذه قبل آلامه وقد حواه وصَّيته الأخيرة لهم وخطابه الوداعي. بدأت وصيته بإنبائِهم بأنهم سوف يلقون الأضطهاد بسبب رسالتهم، ويؤكد أنْ ليس سببُ ذلك نقصُ وجريمةٌ فيهم. بل هو جهل أهل العالم بالحق لأنهم لم يعرفوا الله حقًا ولا عرفوا من هو يسوع الذي سيشهدون لتعليمه. إيمان أهل العالم عقيم وشريعتهم سقيمة. سيواجه الرسل هذا الوضع التعيس والخطير. و يزدادُ سوءًا وعنفا لأن يسوع يفارقهم فيشعرون بفراغ وضعف. ولكي لا ينالَ هذا العِداءُ من عزيمتهم يذكِّرُهم بما وعدهم به، أى يُرسلُ لهم عونه الألهي: الروح القدس. بحضور الروح  سوف تنكسرُ شوكة مقاومة العالم. وعليهم سيضفي الروحُ معرفة وقُّوة ً يغلبون بها أعداءَهم و يزيحون الموانع من طريقهم في سبيل البشارة

لئلا يضعَفَ إيمانُـكم 

بينما يسوعُ في طريقه الى مكان الصلب حاملا الصليبَ وجروحَ الجلد وإكليلَ الشوك مَّزقَ المنظرُ فؤادَ النساء حتى ” كُنَّ يضربن صدورهن وينحن عليه” لشدةِ وجعهن عليه. عَّزاهن يسوع ودعاهن الى الأستعداد للمحنةِ التالية وتكون مأساتها عليهن قاسية جدا ، قال: ” إنْ كانوا يفعلون هذا بالعود الرطب، فكيفَ يكون حالُ العودِ اليابس “؟ (لو23: 31). يسوعُ هو العود الرطب الذي لا يشتعل بسهولة. لأنه بريءٌ وقُدّوسٌ حتى لم تتَّفِقْ عليه ولو شهادة زور واحدة تكون عِلَّة ليتهموه بها ويدينوه بالموت (متى26: 59-60)؛ وقوي لأنه الله ، وسبق فغلب ابليس والعالم (يو16: 33)

أما الرسل والتلاميذ وكلُ المؤمنين به فقد أخطأوا كثيرا. هناك من خان ومن نكر والباقون كلهم إنهزموا تاركين رمز الحق والبر وحده في الساحة يناضلُ ويواجه سلطان الظلام. وما أشبه أتباعُ اليوم بتلاميذ الأمس! إنهم قصبة مرضوضة، وعودُ يابس الذي يأخذ النار سريعا ويحترق. “ستنالون الشِّدَة في العالم” أنبأهم يسوع. لن يتوقَّفَ العالم عن مقاومة الحق والبر. وأضاف ،” سيعتقدُ أهل العالم أنهم يُقَّربون لله ذبيحة محرقةٍ ، بقتلكم وتعذيبكم”. ولن يعرفوا المحبة ولا يمارسون االرحمة ولا يحترمون الأنسان لأنهم لم يعرفوا الخالق. هوذا إرهابيو اليوم مثل أسلافهم عملاء الشيطان لا يكَّذبون الخبر، وقد رفعوا السيف على شهود الحَّق ، ودعاةِ المحَّبة ، و رسلِ السلام. دنسوا الكنائس والمعابد بآسم الله. قتَّلوا وشَّردوا و نهبوا وسلبوا ؛ وحتى علامات الحضارة البشرية حطَّموها بآسم الأيمان. لقد خطفوا وباعوا البشر في سوق النخاسة، ولا يكفون يحاربون القيم الألهية ويبيحون كل إثم وفساد ، وكل هذا بأمرٍ من إلَـهِهم ” الكذاب وأبو الكذب”

عرفَ يسوع كل هذا. ولم يُرِدْ للرسل شرفا وغيرَة ًعلى الحق أقلَّ مما أظهرَه بنفسه ، فنَّبَهَهم  من أنَّ هذا سيقع لهم و لكل المؤمنين على مدى الأجيال من بعدهم. محنتُهم لن تكون أقلَ من محنتِه ، ولآ أقوى منها أيضا. ومجدهم التالي ايضا لن يكون أقل من مجده لأنهم سيشاركونه مجده هو (يو17: 22). وأكدَ لهم أنه سيكون معهم بل فيهم ليسندَ جهادَهم فلا يخذلوا ؛ وأنه كما غلب سيجعلهم يغلبون إذْ يحميهم ، وسيحملُ عنهم الصليبَ والعارَ والسُخرية. يريدُ يسوع أنْ يعرف تلميذه أنَّ مجدَه في أن يتشبه به. ومجد الله هو الحق والبر. ولا يثبتُ شيءٌ أمام مجد الله. ولا شيء يوازيه او يعلو عليه. فعلى التلميذ أن يتذكرَ ذلك و يؤمن به ، وأن يطلبَ الحق والبر ويصمُدَ فيهما ولا يخاف ولا يقلق ولا يتزعزع. بل يتابع حملَ صليبه ليرتقي جبل المجد

إعترفَ يسوع أن تلاميذه قد عرفوه وآمنوا به (يو17: 7-8). ولا يريد أن يتزعزع إيمانهم

ولا أن يضعفَ. بل يريده إيمانا مثل إيمانه. و يريد أن يكون إيمانُ كل الشهود ، و في كل

الأزمنة و الأمكنة ، قويا يتأسَّسُ على الحق ويتقَّدَسُ به ، ويشع الفرح والمحبة. يتمنى لهم إيمانا لا يكون سطحيا نفاقيا ولا نفعيا أنانيا، بل حياة تنبع من الله وتتدفقُ رحمة ولُطفًا نحو الآخرين. إيمانا يعرف أن يتفوَّقَ على صغائر الآخرين ونقائصهم وأخطائِهم، وأن يُشِّعَ عليهم نورَ الله الحق. يريد منهم أن يعرفوا الله كما عرفهم هو(1كور13: 12؛ غل4: 9) ، وأن تكون حياتهم نسخة من حياة المسيح بحيث يكون ” المسيح يحيا فيهم “(غل2: 20). كما كانت العلاقة بين الآب والأبن هكذا يريد أن تكون العلاقة بين الله والمؤمن بحيث من يرى المؤمن يعرفُ الله

لأ يريد المسيح لأتباعه إيمانا يضعف وينهار أمام أول جلدةٍ أو تفلةٍ أو جرح يسيل دمًا. ولا إيمانا يثأرُ لأول ظلم وآعتداء. ولا إيمانا يُطالب بحقوقٍ زمنية إنسانية ناسيًا واجباته الألهية ومهمِلا إلتزاماته تجاه الحياة الأبدية. ولا إيمانا يبحث عن الراحةِ والمكافأة متناسيًا حاجة الآخرين اليه وآنتظارَهم منه أن يؤّديَ دوره ” كعبد بطَّال” (لو17: 10)على أحسن ما يمكن فيكون نموذجا وضياءًا يقودُ خُطاهُم. يريد يسوع من تلاميذه إيمانًا مُشّعًا يتلألأ في القمة،” أنتم نور العالم” (متى5: 14؛ يو8: 12)، لا ينطفئُ بتاتًـا ولا يسقط على الأرض أبدًا. ومثلُ هذا الأيمان يضُّخه فقط الروح القدس ويُغَّذيه وحدَه القربان

القس بـول ربــان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO