الأحــد السابع للقـيامة

الأحــد السابع للقـيامة

   2015.05.17

يُتلى علينا اليوم إنجـيل -::< مرقس16: 9- 20 >::- ويقُّصُ علينا خبر قيامة يسوع وظهوراته للمجدلية وتلميذي عماوس ثم الرسل الأحد عشر، ويُشَّددُ على عدم ثقة الرسل بشهادة النساء عن القيامة ولا برواية تلميذي عماوس. فلامهم يسوع و وبَّخَهم ” على قلةِ إيمانهم وقساوةِ قلوبهم إذ لم يُصَّدقوا الذين رأوه بعد ما قام “. ثم كلَّفهم بمتابعة رسالته ، وخوَّلهم سلطانه الألهي في التعليم وإجراء المعجزات تأييدا لمهمَّتهم. ويذكر أخيرا أن يسوع فارق تلاميذه و آنطلق عائدا الى عند الله من حيث كان قد جاءَ، وجلس عن يمينه مستلمًا زمام قيادة الكون و الحكم فيه. ويختم مرقس انجيله ذاكرا إنطلاق الكنيسة في رسالتها ومساندة المسيح لها من علياءِ سمائِه

قــلة إيمــانهم وقسـاوة قـلوبهم 

لامَ يسوع قلة إيمان الرسل بقيامته ، مع أنه سبقَ وأخبرهم بصلبه وقيامته ، وبشكل رسمي ، ثلاث مرات(متى16: 21؛ 17: 22-23؛ 20: 17-19). ربما لأن الشهود لم يكونوا من بين الرسل. ربما ظنَّ الرسل أنهم وحدهم جديرون بأن يتصل بهم يسوع ، وأنه حكرٌ عليهم أن يعرفوا حقيقة أخبار يسوع أولا بأول. ربما حصروا العلاقة مع يسوع بهم وحدَهم. لكن توما كان رسولا. وشهدَ رفاقه الرسل أنهم رأوا الرب. لكنه هو أيضا لم يُصَّدقْ حتى ولا رفاقه. لا يتعَّلقُ الأمرُ إذا بالأشخاص. بل بالحدث نفسه إذ يفوق كلَّ تصَّورأوعقل

مع ذلك لامَهم، ولامَ توما أيضا. لامهم لأنهم تلاميذه وقد قادهم في طريق المنطق والحق لا في طريق العاطفة والتقليد. لقد فتح آفاق أذهانهم على رؤية الأمور في منظار الله والحكم عليها في ميزان عدله، وعلى إحترام المرأة لأنها، مثل الرجل، جزءٌ من الأنسانية ولها دور مساوٍ له في الحياة ، وإن كان مختلفًا. المرأة رافقته في درب آلامه و وقفت تحت صليبه مخاطرة بحياتها. والآن رأينه حَّيا. فلماذا لا يُصدقوهن؟. وإن كان يسوع ظهر أولا للمجدلية فما المخالف أوالضيرفي ذلك ؟. هل كذبن عيلهم مرةً ما؟ هل تخاذلن فآنهزمن من الساحة لأنقاذ  جلدهن؟. أم هل الحقيقة هي أن يقتنع بها كل واحد حسب مزاجه؟. إنَّ هؤلاء الرسلَ هم حَّقا قسـاة القلب، وناقصي الرأي السديد. الحقيقة لا تتوسل بالأنسان حتى يقبلها. بل على الأنسان أن يفتح فكره وقلبه وآفاقَ كلِ كيانه ليقبلها ويتبعها ويستنير بها

لم يسبق للرسل أن مرَّوا بكذا أحداث مُرَّوعة. و لم يختبروا تهديدا وخيبة ً ورعبًا وآنكسارا وآضطرابا مثل مأساةِ الجمعةِ ، و لا حيرة ًوآنقساما كما في الأحد. باتوا لا يعرفون ماذا يحصلُ لهم، وماذا يجب أن يُصّدقوا، وماذا ينبغي أن يحذروا منه!. إنهم في دوامةِ قلق و رياح محنةٍ تتاعقبُ فيها أمورٌ غريبة و خفايا لم تكن في الحسبان، ولم يكونوا مستعّدين بتاتا لمواجهتها. لا يزالون سجناءَ منطقهم البشري المحض. لم يتعَّودوا بعد على حرية أبناء الله. لا يزالون يستجيبون للأحاسيس العاطفية ولم يرتقوا بعد سُّلم الحكمة والمنطق الألهيين. ما ” أعمقَ غنى الله وحكمتَه وعلمَه!، و ما أصعبَ إدراكُ أحكام الله وفهم طرقِه ” !(رم11: 33). يحتاجون الى الأيمان. والأيمان لا يُشترى من السوق بل يعرُضُه اللهُ من فوق ويُقبل ببراءة القلب  ونقاوةِ الضمير. مريم وحدَها نموذجُ هذا الأيمان. قالت للملاك ” أنا أمَةُ االرب فليكن لي كقولك”، وقالت لها اليصابات ” طوبى للتي آمنت أنَّ ما قيلَ لها من الرب سيتّمُ “(او1: 45). ومريم كانت واقفة تحت الصليب لا تبكي بل تقدّم ذبيحة قلبها مع ذبيحة إبنها للآب وهي مؤمنة أنه سيعودُ إليها، بعد موتِه، حَّيا

من لم يؤمــن يُقضى علـيه

هؤلاء الرسل سيختبرون يومًا جحودَ الشعوب التي سيبشرونها. عندئذ يفهمون عمق لوم يسوع وبُعدَه الحقيقي. يعرُضُ الله على البشر حقيقةً وحياة ً لا يمكنهم أن يحصلوا عليها من غيره. ولا يمكن أن ينالوها إلا بالأيمان بواهبِها وبالأستجابة لما يطلبه منهم ،:” جهلَ بنو اسرائيل كيفَ يُبررُ الله البشر. فسعوا الى البر على طريقتهم، ولم يخضعوا لطريقةِ الله في البر. وهي أنَّ غاية الشريعة هي المسيح… الذي به يتبررُ المؤمن “(رم10: 3)

هذه الحكمة هي أساسُ خلاص الأنسان. والرسل سيشهدون لها والربُ سيعينهم ويُـؤَّيدُ كلامَهم بالآيات (آية 20). لذا ليس مطلوبًا منهم أن ينتظروا نجاحهم أو يفرضوه قسْرًا. ولا أن يُطالبوا إعترافَ الناس بجهدهم وتضحياتِهم ومكافأتهم عليها. بل جُّلُ همِّهم يكون في أن يشهدوا للمسيح –{ أنتم شهود لي }- ويُبلغوا ما بلَّغهم به ويعملوا ما رأوه فيه ويزرعوا حبة الأيمان تاركين ثمار الحصادِ لغيرهم. هذه هي وصيته الأخيرة لهم :” إذهبوا .. وأعلنوا البشارة الى الخلقِ أجمعين “. هذه مهمتهم التي يباركها الله. هذا واجبهم الذي سيحاسبون عليه. أما ردُّ فعل السامعين للكلمة فالله وحدَه يهتم بها مباشرة : ” من آمن وآعتمد يخلص. و من لم يؤمن يُدان”

من قبل نعمة الله يقبله الله في أمجادِ السماء. ومن عرف حقيقة الله ومُرسَلِه يسوع المسيح، و رفضَ مع ذلك قبولها، فلن تتساهل معه عدالة الله. رفضٌ للحقيقة من هذا القبيل هو” تجديفُ ضد الروح القدس” الذي يُرشدُ الناس الى الحق كله. وهذا التجديفُ خطيئة. ” و أما الكفرُ ضد الروح القدس فلن يُغفَر” (متى12: 31-32). ليس الله مُجبَرًا على أن يبرهن لكل الناس بآيات باهرة تُخرسهم وتُعَّميهم حتى يؤمنوا. وليس الرسول مُلزَما أن يُقنعَ سامعيه بقدر ما هو ملزَمٌ أن يشهدَ للمسيح. أما قناعة السامع يجب أن تأتي من إعترافه بوجود الله وتساميه على الأنسان من جهة. ومن جهة ثانية أن يعترف السامع بمحدوديتِه وعدم إمتلاكه الحقيقة كلها كما هي، وبالتالي عليه أن يُصَّدقَ ما يعرضه الله عليه. وإذا رفضَ يتحمَّلُ النتيجة

لقد قال الله لقايين : ” إذا أحسنت عملا رفعتُ شأنك. وإذا لم تُحسِنْ عملا، فالخطيئة رابضةٌ بالباب و هي تتلَّهَفُ إليك ، وعليكَ أن تسودَ عليها “. وبعدما قتلَ أخاه شعرَ بفداحةِ عمله و قساوةِ قلبِه فتنَّدم ، لكنه لم يعتذر، فصرخَ” عقابي أقسى من أن يُحتملُ ” (تك4: 7-13). و يسوع أيضا نبَّه يهوذا وحَّذرَه من مغَّبةِ خيانتِه ” كان خيرًا له أنْ لا يولَد ” (متى26: 24). و هذا ايضا يكتشفُ بعدَه غباوته ودناءَة عملِه فيتندم،” أسلمتُ دمًا بريئا “، ثم ييأس فينتحر (متى 27: 4-5)

وعن أمثالهم ، الذين لم يؤمنوا إلا فقط بأنفسِهم فأهلكتهم كبرياؤُهم وأشقاهم عنادُهم ، قال  يسوع :” رَعَيتُهم ، ولم يهلك منهم أحدٌ إلا إبنُ الهلاك “(يو17: 12). لقد دانهم الله وسيدينُ كلَّ من يرفُضُونه رَّبًا. الرسل لا يدينون أحدًا. مهمتهم أن يُنَّوروا كلَّ أحد. الدينونة هي للـه

القس بـول ربــان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO