عــيـد الصـــعـود

عــيـد الصـــعـود

  2015.05.14

يُتلى علينا اليوم إنجيلُ -::< لوقا 24: 36-53 >::- ويقُّصُ علينا خبر ظهور يسوع لتلاميذه يوم القيامة مُـبَّددًا شكوكَهم وأوهامَهم إذ إعتبروه خيالا ومؤَّكدا لهم من الكتب بأن موته و قيامته حقيقة تطابقُ مشيئة الله. ثم فتح أذهانهم وعلمهم كيف يفهموا ما أوحاه الله في الكتاب المقدس ، كما أقامهم شهودًا على حياتهِ ، أقواله وأعماله ، في العالم كله. وينتهي بخبر صعود يسوع الى السماء و جلوسه عن يمين الله ومساندته لبشارة الكنيسة بالآيات

وما صعدَ.. إلا أنه نزل أولا  

قد يتصوَّر البعضُ صعودَ يسوع مثل آرتقاءٍ من مستوىً أدنى الى أعلى منه، كمن باحةِ الدار الى سطح البناية، أى من الأرض الى فوق. يتصورُ الأنسانُ الأمورَ ويقيسها بقامتِه و وضع جسمه. فالفوق والأعلى، وبالتالي الصعود، هو بآتجاه الرأس وأبعد منه. والأسفل و الأدنى، وبالتالي النزول، هو بآتجاه الرجلين. لكن الصعود يُستعملُ أيضا في سلوك الأنسان وفي مناصبه. فيقال: نجمُ فلان صاعد، أو صعد فلانُ مرتبة. على أية حال يعني الصعود أرتفاعا ” معنويا أو وضعيا بحيث يتمتع برؤية وموقع أفضل من السابق الذي كان أدنى منه ويسهلُ الآن التحَّكمُ فيه

إعتبرَ الناسُ قديما الفضاءَ ، وفيه النيراتُ ومنه النور والماء والدفىءُ ، نقيًا وجميلا وأسمى من الأرض التي فيها الترابُ والطين والشوك والظلام. فآعتبروا الفضاءَ سماءًا مقَّرا لله لأنه فوقَ الأنسان ومن عنده تنزل تلك الخيرات. فأصبحت العلاقة بين الله والأنسان نزولا ، من الله ، وصعودًا من الأنسان. فيسوع ” نزل من السماء..آتيا من عند الله” (يو6: 38،46،51) . وصلوات كورنيليوس وصدقاته ” صعدت الى الله “(أع10: 4، 31). وكذلك ” يتصاعدُ من يد الملاك دخان البخور مع صلوات القديسين أمام الله “(رؤ8: 4)

فصعد يسوع الى السماء يعني ببساطة إختفاؤُه جسديا عن أنظار تلاميذه في الفضاء الكوني. وآرتفاعه الى العلى، فوقَ رؤوسهم، لا علاقة له بالنظام الكوني. صعوده يعني نهاية مرحلة عاشها يسوع في الجسد والشقاء لتبدأ المرحلة التالية حياة الروح والمجد. لقد إنتهت رسالة المسيح بين البشر فينتقلُ الى حيثُ كان أولا، :” و ما المراد بقوله ” صعد” سوى أنه نزل أولا ..” (اف4: 9). هذا ما أكده يسوع “أتيتُ من لدن الآب وجئتُ الى العالم. والآن أترك العالم وأذهب الى الآب”(يو16: 18)

صعد… وأعطى البشر عطــايا 

وحتى ندرك عمق معنى الصعود نرجع الى الأنجيل ونقرأ أن يسوع بعد صعوده جلس عن يمين الله وأعان الرسل في بشارتهم وأيَّدهم بالآيات (آية 20). وقد فَّسره بولس بشكل أدَّق. إنَّ صعودَ يسوع يعني تحقيق الهدف الذي نشدَه. لقد كتب لأهل فيلبي بأن يسوع هو صورة الله ، وقد تخَّلى عن مجده وتواضع فنزل الى الأسفل، الى الكرة الأرضية التي نجَّسها الأنسان ، وصار إنسانا وأطاع مثل عبد صامدا في الحق حتى الموت. هذا يسوع الأنسان رفعه الله عنده، ليشهد الكون كله مجده وسلطانه (في2: 6-11). ومن السماء “أوسعَ العطايا على الناس”(أف4: 8). لقد وهب له الله ” الروحَ بغير حساب “(يو3: 34)، ومن عنده يسكب فيض مواهب الروح ليدير كنيسته على الأرض” فأعطى بعضهم أن يكونوا رسلا ، و بعضهم ..”(أف4: 11)، بحيثُ نال ” كلُ واحد موهبة يتجلى فيها الروح للخير العام .. لبنيان الكنيسة “(1كور12: 3-12)

صعد يسوع يعني بالتالي أنه ارتقى منصبا أعلى من أن يكون فقط رسولا يبلّغُ كلام الله و يعمل أعماله. بعد مجد القيامة “صعد عند أبيه وأبينا” ليمارسَ سلطة القضاء على الكون كله ، في السماء وعلى الأرض (يو5: 21) ، لا فقط كإبن الهي، بل بصفته ” ابن الأنسان” (يو 5: 27). إنه سليلُ آدم وآبنُه ، ” فنزلَ عن مجده ” كي يحمل على نفسه ذنبه ويُكَّفرَ عنه. وهو أيضا ابنُ الله. فالآن، وقد صمد في الحق طاعة للـه، وأكمل رسالته، صعد إليه لينالُ مجدَ أبيه السماوي ، ” المجد الذي كان له عنده قبل أن يكون العالم” (يو17: 5). هكذا لقد تمجَّد الأنسان في يسوع ” الجالس عن يمين الله الآب “. كما تمَّجدت الكنيسة التي استلمت منه الراية وبدأت، بآسمه ، ” تطرد الشياطين وتشفي المرضى…و تبشرُ في كل مكان بتعاليمه، وهو يعضُدُها بأنواع الآيات “(مر16: 17-20)

فإن كان اللهُ قد ” طردَ أدم وأخرجه من جنة عدن ” (تك3: 23-24)، فنَّزله عن مقامه و أبعده عنه بسبب عصيانه أمرَه وآتباعه شهوته ، فها هو الآن قد أقامَ آدمَ الثاني وأكرمه فأجلسه عن يمينه. لقد ” رفعه بيمينه – فصعد- الى السماء، ونال من الآب الروحَ القدس الموعود به وأفاضَه علينا “، وبهذا أعلنه ” أنه هو المسيح وأنه هو رَّب” (أع2: 33-36)، وهو أخونا البكر (رم8: 29)

القس بـول ربــان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO