الأحـد السـادس للقـيامة

الأحـد السـادس للقـيامة

~~~~~~<>~~~~~~                                            2015.05.10

يُتلى علينا اليوم إنجيل -::< يوحنا 17: 1-26 >::- ويُدعى هذا الفصل بـ ” صلاة يسوع الكهنوتية “، رفعها الى الآب بعدَ أن أنهى إعطاءَ توصياته الأخيرة الوداعية للرسل لتقوية معنوياتهم حتى يواجهوا المحنة القادمة بإيمان وثقة وصبر، وقبل أن يدخل مباشرة معركة الحسم النهائية مع عدو الأنسان، ولأعلاء شأن محبة الآب وطاعته ، فصَّلى من أجل تلاميذه الأعزاء ، ومن أجل كل من يؤمنون به على يدهم ، كي يحميَهم الآب من كل أذيةٍ روحيةٍ أو جسدية ، ويُدخلهم جزءًا في الوحدة القائمة بينه وبين الآب ، فيكونوا معه ويقودَ هو جهادهم ويُثَّبتَ خطواتِهم. وقبلَ أن يرفعَ طلبَه قدَّمَ له بهذه الآية : ” يا أبتِ قد أتت الساعة: مَّجِدْ ابنَكَ لكي يُمَّجِدَكَ ابنُك “. نتأملُ بها قليلا

  • أتت الســاعةُ

لقد ذكر الأنجيل، يوحنا خاصّة، كثيرا عن ساعة يسوع. بينما ذكرت الرسائلُ عن ” الزمان” الذي دبَّرَه الله وحدده لتحقيق خلاص البشرية وتحريرها من قيود الشر. لقد جاءَ ذلك الزمان مع يسوع المسيح(أف1: 9-11). ولما ” تمَّ الزمان أرسل الله ابنَه مولودا من إمرأة .. ليفتديَ الذين هم في حكم الشريعة “(غل4: 4-5). والفداءُ كان في ” أنْ يحفظَ كلَّ شيء بقوةِ كلامه الألهي، ويُطَّهر العالم من الخطايا “، ثم يتمجد بأن يجلس عن يمين الجلالة والقدرة في العلى (مر16: 19؛ عب1: 3-4)

وها هو يسوع يتحدث الآن عن مجيء ساعته ليتمجَّد. بينما لما بدأ رسالته ودُعيَ الى عرس قانا ونفذ خمرُ العرس وطلبت اليه أمه مريم أن يتدَّخل أجابَها :” لمْ تأتِ ساعتي بعدُ “(يو2: 4). قبل تناول عشاء الفصح أخبر يسوع أنَّ ساعته قد إقتربت (متى26: 18)، وهي ساعة إنتقاله” الى أبيه عن هذه الدنيا…وقد أحَّبَ خاصته…الى أقصى الحدود” (يو13: 1)، فأطاع ” حتى الموت، الموت على الصليب “(في2: 8). وفي بستان الزيتون ، و بعد أن أجهد في الصلاة استعدادا للمحنة، صرَّح لتلاميذه :” قد إقتربت الساعة التي فيها يسَّلمُ أبن الأنسان الى أيدي الخاطئين “(متى26: 45؛ مر14: 41). ساعة يسوع هي إذن بدء مخاض الفـداء. إنها ساعة الآلام، ساعة مجابهةِ سلطان الشر. ولتلك الساعة أيضا شأن مع من يُشرفون على تلك آلام المسيح وصلبِه. هذا ما صَّرحه يسوع للأحبار وقادة حرس الهيكل والشيوخ الذين هجموا مثل عصابة ليقبضوا عليه ، فقال:” أ  على لصٍ خرجتم تحملون السيوفَ والعصي؟. .. تلك ساعتكم!. وهذا سلطان الظلام “(لو22: 53)

لقد حاول اليهود قبل ذلك مرارا عديدة أن يمسكوا يسوع ويقتلوه (لو20: 19-20) ، لكن يسوع كان يتخلص منهم لأن ” ساعته لم تكن قد حانت بعد “(يو7: 30 ؛ 8: 20). ومن جهة أخرى كانت تلك الساعة رهيبة وقاسية جدا جدا حتى عرق بسببها دما، فطلبَ يسوع من الآب أن يُعفيَه منها إنْ كان ممكنا. لكنه إستطرد حالا ” لا تكن مشيئتي بل مشيئتك ” (لو22: 42-44). إنها ساعة النزال الأخير مع الشر. إنها ساعة الفصل لطاعة الله حُّبًا بالبشر. وهذا ما أقَّر به يسوع :” أنقِذني من الساعة القادمة عليَّ. لا. أنا من أجل هذه الساعة قد أتيتُ “(يو12: 37

  • ســاعة المـــجد   

هذه ساعة الظلام والألم ستنقلبُ الى ساعة المجد، كما إنقلبت ألام يوسف الصّديق وسجنه الى ساعة المجد إذ عن طريقها دخل سبيل المجد فأصبح ملك مصر بعد الفرعون. أخبرَ الأنجيل أنَّ يسوعَ أظهر في معجزة قانا مجدَه فآمن به تلاميذه (يو2: 11). لكنه لم يكن مجدا بكل أبعاده حتى يملأ كلَّ كيان التلاميذ فلا يشكوا فيه. صرَّح يسوع أنَّ ما فعله قطرةٌ فقط

من غيث وأنه سيعقبه ما هو أعظم منه (يو1: 50)

أما الآن فهو يُصَّرحُ أنَّ ساعتَه تلك قد حانت. وقد سبقَ فحَّدد ماذا يحدثُ في تلك الساعة و أكَّدَ عنها أنها ساعة مجدِه. وسألَ الآب أنّْ يُمَّجدَه. سيخوضُ يسوع بآسم الأنسانية معركته الأخيرة لـ ” يسحقَ رأسَ الذي أغوى رأسَ البشرية ” و يستعيد مجد كرامتها المفقود. إنها ساعة مجد الطاعة لله والتنازل عن الذات لكسر طوق الكبرياء ورفع غطاء الجهل فيعرف الناس الله كما يعرفُهم هو(آية7-8). إنها ساعة إعلان مجدِ يسوع الأزلي ،” المجدِ الذي كان لي عندك قبل إنشاء العالم” (آية 5). وهي ايضا ساعة المجدِ المُعَّدِ للمسيح، الكلمة المتجسد ، بآنتصاره على الشرير وتحرير البشرية  من قبضته. تصَّور ابليس أنه  سينتصر أخيرا  بالقضاء على يسوع. لكنه خابَ فألاً لأن موت يسوع، بسبب الثبات على الحق والطاعة لله ، كان إنتصارًا على الخطيئة ودينونة لأبليس (يو16: 11). وهذا مصدرُفخرٍ ومَبْعَث مجدٍ. لأنَّ الموتَ تليه القيامةُ وبعدَها مجدُ الصعود الى عند الآب والجلوس عن يمينه. هكذا رآه اسطيفانوس :” فرأى مجدَ اللهِ و يسوع واقفا عن يمين الله “(أع7: 55)

فالأنسانُ المطرودُ من الفردوس الأرضي قد أصبح سَّيدَ السماء وسلطان الكون والحياة و الموت (يو5: 22-26).  وحَّبةُ الحنطة الواحدةُ أصبحت سنابلَ تحملُ مئات الحبوب. لا يستوعبُ العالمُ كيف تكون الآلامُ مجدًا ، أو كيف يُبنى المجدُ على العذاب والتضحية ؟. مع ذلك يفهم العالم كيف تزول آلامُ المرأة بعد لحظات من الولادة. تزول بفرحة ولادة كائن جديد. تزول بفخر الأم لأنها تعاونت مع الله فمَّدد الحياة وأثمرها بواسطتها. إنه فخرٌ ومجدٌ لا يحُّس بوزنه إلا من يُحرَمُ منه

  • وســاعتنا نحن ، متى تحين ؟

لقد حانت من زمان. مع ساعة التجَّسد دقت ساعة تألُّه الأنسان. ومع ساعة القبض على يسوع دقت ساعة تحرير الأنسان من سطوةِ ابليس ومن قيودِ شهواتِه الجسدية. ومع حمل الصليب إرتفع نير الخطيئة عن أكتاف الأنسان. ومع دق المسامير في يدي المخلص دُقَّت المساميرفي نعش الشيطان. ومع موت الفادي عادت الحياة الى الراقدين المنتظرين الخلاص .  فـ ” القبور تفتحت وقام كثير من أجساد القديسين”!. ومع أضواء القيامة إنفجرت الحياة الجديدة وآكتملت ساعة المجد فصعد الأبن عند” أبيه وأبينا ” لينال المُلك ويُخزيَ ويدحرَ من كان الى ذلك الحين سيدًّا للعالم

العالم قد دين وسَّيدُه قد نُبذَ لأنه حُكم عليه ، وسلاحه قد دُمّر لأنَّ شوكة الخطيئة قد كُسرت. لقد دقَّت ساعة الحرية لأبناء الله ، وبعد قليل سيخرجون الى الساحات والميادين ليعلنوا أنَّ يسوعَ مسيحٌ وربٌ وأنهم حمَلةُ رايته وناشروا لوائه ليعلم العالم أن لا خلاصَ الا به. وقد بلغت الراية حدودنا وموقعنا لنحملها الى الأمام بإيمان وثقة و محبة

مجدنا نحن أيضا يمُرُّ أولا بالصليب الذي نحمله براحةٍ و فرح. وصليبنا في نكران ذواتنا والتطَّوع لأتمام مشيئة الله. مجدنا أن نسلك طريق يسوع ونشهد له بحياتنا ” حاملين عاره “(عب 13:13) لنتوشَّحَ بمجده ” المزمع أن يتجلى فينا “(رم8: 18) ونحن واثقون بأنَّ الله نفسَه ” يقودُنا في موكب نصرِه الدائم في المسيح ، وينشُرُ بنا في كل مكان عبيرَ معرفتِه ” (2كور2: 14

  القس بـول ربــان

Text-to-speech function is limited to 100 characters

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO