العذراء مريم بين البشارة وحب الثالوث

العذراء مريم بين البشارة وحب الثالوث

لقد أهدى الله العلي للعالم والبشرية والكنيسة بشكل خاص أماً حنونة عطوفة هي العذراء مريم،ولقد أهدت مريم العذراء البشرية وللعالم وللكنيسة شخص يسوع المسيح الإله المتجسد المخلص والفادي.

والحديث عن قيمة الهدية المعطاة من قبل الاثنين لا يوصف بالكلام ولا توجد لغة على الأرض تستطيع أن تعبر عن قيمة الهدية المعطاة لنا سواء من قبل العذراء للعالم أو من قبل الله للعالم.

والكتاب المقدس به نصوص قليلة تتحدث عن العذراء مريم ولكننا نشتم رائحتها في كل تعليم أو تصرف ينبع من المسيح،  كما نرى تأثيرها في شخصية الرسل الاطهار ، وفوق ذلك علينا أن نكتشف الكثير من هذا القليل، لأن هذا القليل يحوي في طياته الكثير من المعاني.

  البشارة بحسب لوقا 26:1-32

البشارة هي خلاصة فكر طويل وعميق من قبل الثالوث الأقدس، لحظة ناتجة عن تفكير أزلي بين الأقانيم الثلاثة، وبعد هذا جاءت لحظة تنفيذ خطة الله الخلاصية بالتجسد، وحينئذ كان لابد من إرسال الملاك ليبشر العذراء.

البشارة هي خلاصة واكتمال الزمان

أن البشارة بهذا الشكل لم تكن وليدة اللحظة أو الساعة ولم تأت بشكل عشوائي، ولكنها جاءت في زمن النضوج والاكتمال الذي رآه الثالوث الأقدس.

“ولما جاء ملء الزمان أرسل الله أبنه مولوداً من امرأة ليكون تحت الناموس ”   غلا 4:4.

معنى هذه الآية هي أن البشارة جاءت في زمن مناسب ومعين ومحدد من قبل الثالوث الأقدس، جاءت في زمن نافع لعمل الخلاص، وعلينا أن ندرك أن الله لا يُفرض وقتاً معيناً، لأنه يرى الوقت والزمن المناسب والذي يختاره ويحدده للقيام بأعماله العظيمة لأجل الإنسان،

البشارة هي ناتجة عن اختيار.

حقيقة أن مبدأ الاختيار هو مبدأ كتابي لا شك فيه فالله اختار إبراهيم وليس غيره، ونسله من بعده أختار موسى، إيليا، يعقوب، وأشعياء الخ.

أختار الله من بقية الباقية أسرة حنة ويواقيم التي تأتي منها العذراء مريم أم الخلق أجمعين .

لا نتسرع ونلوم الله لأنه لديه مبدأ الاختيار، لأنه لم يحرم أحد ولم يمنع أحد من أتباعه أو أن يكون ضمن المختارين.

وكما أن إبراهيم دُعيّ أبو المؤمنين لأنه آمن بوعد الله فالعذراء مريم هي أم المؤمنينفطوبى للتي آمنت أن يتم ما قيل لها من قبل الرب “( لوقا 1/ 45 ) ولأنه فيها تحقق وعد الله والقديس بولس يوضح لنا مبدأ الاختيار فيقول :

“أولئك الذين دعاهم حسب قصده، فالذين سبق فأختارهم سبق فعينهم ليكونوا على مثال صورة أبنه حتى يكون الأبن بكراً لأخوة كثيرين” رو 28:8-29.

البشارة تُظهر مدى ومقدار محبة الثالوث للعذراء.

(لو 1: 35): فَأَجَابَ الْمَلاَكُ وَقَالَ لَها: «اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ، وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ، فَلِذلِكَ أَيْضًا الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ.”  فالآب استخدم قدرته والتي هي قدرة الحب، وقوة الحب، والروح القدس، استخدم قداسته  ونعمته ليجعلا من العذراء مريم مسكناً طاهراً نقياً لائقاً بالإله المتجسد ولكي تصير مريم السماء الثانية للمسيح.

الثالوث يهتم بالعذراء مريم ويُظهر لها حبه منذ اللحظة الأولى من الحبل وليجعلها سماء ثانية تليق بالأقنوم الثاني المتجسد الذي هو المسيح، فحبل بها بلا دنس، فالعذراء ليست مجرد فردوس أرضي، بل سماء ثانية حقيقية هي وطن حقيقي لله لأنها تحتوي في أحشائها أبن الله الحي. السماء تعني في تفكيرنا هي المكان المتسامي اللائق بالحضرة الإلهية وهكذا العذراء مريم تكون بنفس المفهوم لأنها موضع أبن الله المتجسد.

البشارة تُظهر لنا مدى الحرية التي منحها الثالوث للعذراء.

رغم اهتمام الله بها اهتماماً خاصاً وجيداً فجعلها بريئة من الخطيئة الأصلية، ولكن هذا لم يمنع أبداً من احترام الله للإرادة والحرية لمريم وذلك إذا أرادت مريم أن تقول لا  تقول.

الحب يتسم دائماً بالاحترام والتقدير لشخص وكيان الآخر وهذا ما يتسم به الله لأنه محبة، ولا إكراه في المحبة، قد لا تكون مريم حرة الاختيار فيما صارت عليه من براءة وطهارة ونقاء وقداسة، ولكنها حرة الاختيار في أن تكون أماً للمسيح أم لا، والقديس أغسطينوس قد عبر عن هذا المبدأ في قضية متشابهة وهي أن الذي خلقك بدون إرادتك لا يستطيع أن يخلصك إلا بإرادتك .

البشارة تُظهر لنا دور العذراء مريم الحقيقي.

إن دور العذراء مريم في البشارة مزدوج، فهي تتخذ جانب الله لأنها تعمل معه بقبولها هدية تجسد المسيح منها، وفي نفس الوقت تمثل الجانب البشري، حيث أن البشرية جمعاء تصرخ متألمة منتظرة الخلاص والتي لابد أن تساهم من جانبها بشيء لأجل خلاصنا.

إن مريم أعطت الإجابة التي كان يجب على كل إنسان أن يعطيها، أن العذراء مريم ظهرت في الوقت الذي كان فيه الإنسان لا يستطيع أو يقدر أو أن يفهم ماذا يريد؟  وماذا يرفض؟ وما قيمة هذا الشيء المفروض أو المطلوب من قبل الله؟

يجب أن نحترم ونكرم ونطوب طوال الاجيال العذراء مريم لأنها باسمنا تحدثت مع الله وباسمنا أعطت الإجابة المطلوبة منا لله. وكأن الله كان يعرض مساعدته على بشرية يائسة غارقة في أوحال الخطيئة والظلمات ويعرض عليه ذاته هل محتاجين إلىّ أم لا؟ هل تقبلوني لديكم أم لا؟

البشارة هي أن المصالحة بين الله والإنسان تمت في أحشاء العذراء مريم قبل أن تتم على الصليب.

 

الاب / بيوس فرح ادمون

 

 

الموضوع الثاني

  1. العذراء مريم وتجاوبها مع البشارة

العذراء مريم تعد حقيقة أم المؤمنين،لأنها هي أول إنسانة وأول شخص وضعت في مواقف إيمانية صعبة، وكان يجب عليها أن تتخذ موقفاً أو تعطي جواباً، كل موقف للعذراء يعبر عن عمق حياتها الإيمانية وهذا ما يجعلنا أن نضعها فوق جميع المؤمنين كافة في العهد القديم والعهد الجديد على السواء ومن سيأتون فيما بعد وإلى النهاية.

أولاً : البشارة عدلت أو غيرت من خطة حياتها.

كانت حياة العذراء مريم تسير سيراً طبيعياً  كسائر البشر، وكانت مقبلة على خطوة مصيرية لحياتها كفتاة مخطوبة على أبواب الزواج، وفجأة تظهر لها ظروف وموقف ليبدل ويغير منهجية حياتها الطبيعية العادية، ولنا أن نضع أنفسنا في مكان العذراء مريم فماذا يكون موقفنا؟

لنا أن تخيل هذا الإنسان الذي لم يكن متوقعاً ما هو جديد، ولم يفكر فيما يطرأ عليه، وفجأة يجد نفسه في هذا الموقف الجديد مع المتطلبات الجديدة ماذا يكون موقف هذا الإنسان؟

هكذا وضعت العذراء مريم وهي التي كانت مخطوبة ليوسف النجار، وهي في حكم المتزوجة مع إيقاف التنفيذ وفجأة يظهر في حياتها الملاك جبرائيل لبلغها ويبشرها بالوضع الجديد، وفي نفس الوقت مطلوب منها أن تعطي جواباً للملاك، هل من السهل على العذراء مريم أن تعطي جواباً في مثل هذا الموقف؟ هل من السهل على الإنسان أن يبدل ويغير من حياته بهذا الشكل؟ ربما كانت رغبة العذراء مريم قبل ظهور يوسف في حياتها  هي أن تعيش حياة التكريس في الهيكل متعبدة لله، ولكن الواقع يقول أن مريم صارت مخطوبة بل ومرتبطة بزواج مقرر غير مكتمل في حكم القانون الكنسي الآن، هل من السهل على فتاة شرقية، يهودية، يتيمة، صغيرة السن وتحت الوصايا، أن تبدل موقفها وتعطي جواباً. أليس هذا في حد ذاته يتطلب إيماناً عميقاً وثقة وشجاعة فائقة وهذه هي العذراء مريم.

ثانياً : لسماع صوت الله لابد من التمييز.

هل كل صوت في داخلنا هو من الله؟ وهل كل كائن أو مخلوق عجيب أو غريب عنا يصبح ملاكاً من قبل الله؟ فالموضوع في حد ذاته يحتاج إلى إيمان لكي يميز الإنسان بحكمة ووعي صوت الله ورسالة الله. فلا تستعجب أن العذراء مريم تسأل الملاك هذا السؤال الواضح وهو كيف يكون هذا وأنا لا أعرف رجلاً إن هذا السئوال له أهميته الخاصة في الحياة الروحية وذلك لكي تصل العذراء مريم إلى تمييز حقيقي بأن هذا المخلوق أو الكائن العجيب هو من الله، وليس من ذاته، وليس من آخر؟ وخاصة أن الملاك بدأ يمدحها وبإلقاء سلام خاص على مريم هو في حد ذاته جديداً عليها، من المؤكد أن لدى مريم العذراء نعمة خاصة وفريدة لكي تسأل مثل هذا السؤال للملاك وأن تستجوبه إن جاز ليّ التعبير وذلك لأنه مفيد جداً في الحياة الروحية للأجيال المقبلة بعدها، لأجل تمييز صوت الله عن الأصوات الأخرى وخاصة أن إبليس يستطيع أن يعطي رسالة وأن ينطق بأشياء فيها وعود وفيها أحلام وطموحات ليخدع بها البشر.

لا جدال في هذا الأمر وهو أن العذراء مريم لديها نعمة خاصة وفريدة حتى تفهم رسالة الملاك أو تثق في كلامه وتؤمن بأنه مرسل من قبل الله، ولكي نفهم عمق إيمان أمنا العذراء مريم، علينا أن نضع أنفسنا موضع العذراء ونتخيل فجأة ظهور الملاك في حياتنا ليبلغنا بشيء غير عادي يحدث في حياتنا، ولكي أزيد من الصعوبة في الموقف هو أننا لا ندري أن هذا الشخص هو الملاك بل مخلوقاً عجيباً له طبعاً مغايراً لطبعنا فماذا يكون موقفنا؟

ثالثاً : موضوع البشارة يحتاج للإيمان.

لا تخافي يا مريم نلت خطوة عند الله، فستحبلين وتلدين أبناً تسميته يسوع، فيكون عظيماً وابن الله العلي يدعى، ويعطيه الرب الإله عرش أبيه داود، ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد، ولا يكون لملكه نهاية.

موضوع البشارة في حد ذاته يشكل صعوبة كبيرة في فهمه ليس فقط بالنسبة للعذراء مريم ولكن بالنسبة لنا أيضاً فبالرغم من رؤيتنا ولمسنا لما تحقق من هذه الأحداث فكم بالأحرى الصعوبة بالنسبة لفتاة في مثل سن مريم العذراء ووضعها. لقد كان مفهوماً لدى مريم هذه التعبيرات “عرض داود بيت يعقوب، ملكه لا نهاية له لأنه ملك” فهذه عبارات تقليدية للشعب اليهودي والعذراء هي واحدة من هذا الشعب ولكن كيف تفهم مريم باقي المضمون الأساسي والجوهري في الرسالة.

“ستحبلين وتلدين أبنًا اسمه يسوع، فيكون عظيماً وابن الله يدعى ” كيف تفهم مريم مثل هذا الكلام؟

كيف تفهمه وهي لا تفكر ولا تظن بأنها المختارة من قبل الله لتكون أم المسيح؟ كيف تفهمه وهي التي وضعت نفسها في موضع عدم الاستحقاق لأنها فقيرة ويتيمة وصغيرة ومجهولة في عالمها؟ أليس الموضوع في حد ذاته يحتاج إلى إيمان عظيم من قبل مرين؟ حديث الملاك إلى مريم في حد ذاته يشكل صعوبة أكثر ويتطلب منها مزيداً من الإيمان.

“الروح القدس يحل عليك، وقدرة العلي تظللك، لذلك فالقدوس الذي يولد منك يدعى أبن الله”

لم يعطها الملاك إجابة واضحة أو تفسيراً لمعنى البشارة بل أضاف إليها ما يحتاج منها إلى المزيد من الإيمان، وخاصة أن مريم قد تفهم معنى كلمة الله لأنها تؤمن بالتوحيد المطلق لله، ولكن ماذا يعني لها؟ وماذا يكون بالنسبة لها الأبن والروح القدس، الملاك يدرك تماماً أن العذراء مريم لا تفهم كل هذا الكلام وبالتالي كل محتوى ومضمون الرسالة. ولكي يعطيها تمييزاً ووضوحاً أكثر وتفسيراً أكثر للأمر العجيب الذي يحدث لها أعطاها علاقة بسرده لها قصة حبل أليصابات زوجة زكريا العاقر، والتي لم تلد بسبب عقرها وشيخوختها.

إن الإيمان الحقيقي ليس هو الذي يستطيع أن يحتويه العقل، وليس هو الذي يقدر أن يخضعه العقل له، لأنه في مثل هذه الحالة يصبح العقل أكبر من الإيمان، وبالتالي لا يصبح الإيمان إيماناً لأنه محتوى داخل العقل ومن ناحية أخرى ليس الإيمان هو بالشيء الغامض والمجهول والبعيد المنال، بل يمكن للإنسان اختباره وتذوقه ويمكن للإنسان الاستدلال عليه بالعقل، ولكن دون أن يحتويه بالعقل، وهذا بالفعل مضمون الإيمان ورسالة الإيمان من خلال قصة البشارة.

العذراء مريم آمنت بمضمون البشارة وهي لا تفهم كاملة المضمون أو شموليته، آمنت وخضعت لكلمة الله وأسلمت ذاتها تسليماً مطلقاً بين يدي الله.

رابعاً العذراء مريم أول من آمنت واختبرت الثالوث الأقدس وذلك من خلال البشارة:

“الروح القدس يحل عليك”اختيار أقنوم الروح القدس بالأمتلائية منذ اللحظة الأولى من الحبل بها كما أنها تختبره بما يُحدثه في حياتها بشكل خاص في لحظة الحبل بالمسيح وفي سائر حياتها.

“وقدرة العلي تظللك ” الله الآب القدير الخالق، هذه هي القدرة التي تعمل فيك لأجل الإنجاب كما عملت فيك في لحظة خلقك، والله لا يصعب عليه شيء ولا مستحيل لديه، ومريم تختبر قدرة الله الضابط الكل بقوة في حياتها.

“لذلك القدوس الذي يولد منك يدعى أبن الله” تختبر مريم أقنوم الأبن الذي يسكن في داخلها ويولد منها بل وتكون هي وهو كيان واحد، ويكون هو كل حياتها وكيانها، العذراء مريم تختبر نضوج الإيمان المسيحي الذي لم تختبره كاملة، ولذا فهي عن جدارة تستحق أن تدعى أم المؤمنين. أم الكنيسة، وهي التي دائماً تقول “أنا خادمة الرب، فليكن ليّ كما تقول”.

 

 

الموضع الثالث

  1. زيارة مريم إلى اليصابات تعبر عن خطوات المؤمن.

لقد كان لقاء العذراء مريم مع الملاك بمثابة اللقاء مع الله وبالتالي منه تنطلق العذراء إلى خطوات يريدها الله منها، ونحن كثيراً ما نلتقي بالله في صلواتنا فهل نعرف ما هو مطلوب منا؟

أولاً : أقدام وإسراع :

عندما سمعت مريم من الملاك عن وضع اليصابات الجديد وأنها حامل، والعذراء تعرف تماماً مشقات اليصابات وصعوباتها الخاصة بشيخوختها فانطلقت مريم مسرعة، انطلقت بين الجبال والتلال، ويعني هذا أن انطلاقها لم يكن سهلاً، لأنها انطلقت في طريق محاط بالمتاعب والمخاطر.

ونحن أيضاً مطالبون بالانطلاق والإسراع من دائرة الذات، دائرة الطائفة، دائرة الدين، دائرة العائلة، دائرة الوطن الخ.

الله يطالبنا بأن نتجاوب ونتحرك معه، وأن نكف عن السلبية الموجودة في حياتنا.

الله يعلم أن في الانطلاق مشقات ومتاعب  ويعلم أن الانطلاقة مكلفة ولكنه يريدنا أن ننطلق ونتجاوز كل شيء لأنه معنا وفي داخلنا كما كان مع العذراء.

ثانياً : دخول واندماج :

دخلت مريم بيت اليصابات، لأن الانطلاقة هي لأجل الدخول في بيت الآخرين والاندماج والتعايش معهم في وسطهم، المؤمن دعوته لأجل غيره وليس لأجل ذاته، وأن يكون في الأعماق وفي كيان الناس وفي قدس أقداسهم وفي ظروف حياتهم المختلفة، وبشكل خاص في بيت الآخرين ليتعرف على أسلوب معيشتهم وحياتهم حتى يشعر أنه بالقرب منهم وليس بعيداً عنهم.

ثالثاً : سلام وأمان :

العذراء سلمت على اليصابات، وحن علينا أن نحمل السلام الذي أخذناه من الله للآخرين، علينا أن نقبل على الآخرين، ونمنحهم السلام والأمان دون أن نعلم مسبقاً إذا كانوا من أبناء السلام أو الحرب إن دخول المؤمن بيت الآخرين وهو حامل لهم سلام كما حمله المسيح حينما دخل العالم البيت الكبير للبشرية وكما حملته العذراء مريم لأليصابات في بيت زكريا.

رابعاً : الامتلاك بالإيمان :

المؤمن هو ذلك الشخص الممتلئ بحضور الله في حياته وذلك من خلال لقاءاته المستمرة مع الله، والمؤمن هو ذلك الشخص الذي حمل في كيانه شخص المسيح كما حبلت وحملته العذراء مريم ودخلت به بيت اليصابات، المؤمن هو الشخص الذي يعطي مما له كما حدث في اللقاء الذي تم بين مريم واليصابات أثناء الزيارة حيث شعرت اليصابات بقوة الروح القدس وبارتكاض الجنين في داخلها.

المؤمن الممتلئ يعمل على إملاء غيره، وأن يعطي غيره من روحه وكيانه وقلبه وحياته، كما حدث بين مريم واليصابات.

خامساً : هناء وسرور :

المؤمن يحمل للآخرين رسالة فرح وسرور وهناء وعليه أن يبث هذا الفرح في قلوب الناس وبيوتهم. “امتلأت اليصابات من الروح القدس .. وتهللت فرحاً وبهجة” لقد صار الفرح والسرور وكأنهما بالعملة الصعبة فهل يحمل المؤمن معه ما يفرح به قلوب الآخرين ويأسرهم بالسعادة ولأجل السعادة كما حدث في لقاء مريم واليصابات.

سادساً : خدمة وانسكاب :

“مريم مكثت ثلاث شهور لدى اليصابات” جلست العذراء مريم بل أقامت ثلاث شهور لدلى اليصابات في بيت زكريا لتخدمها، وتهتم بشئون المنزل والمعيشة، وخاصة في هذه الفترة الحرجة من حياة اليصابات حيث أن ظروفها الصحية لا تسمح لها بالوضع الجديد وهو الحمل وهكذا دعوة المؤمن في الانسحاق والانسكاب والتفاني في خدمة الآخرين ولأجلهم، العذراء مريم في بيت اليصابات، لا تقص حكايات وروايات عن الآخرين، لا تتسلى، لا تتنده ولا تنم، لا تسبب ثقل وحمل على اليصابات، بل تقوم بخدمتها وتتحمل مسئوليتها ومسئولية شئون إدارة حياتها في ذلك الوقت وهكذا يجب أن يكون المؤمن في حياتها مع الآخرين.

سابعاً : العودة لحضن الآب.

“وعادت مريم إلى بيتها” بعد خدمة الثلاث شهور التي قامت بها مريم في بيت اليصابات عادت إلى بيتها، وبيتها هو الهيكل، هو حضن الله حيث الصلاة والالتقاء بالله الآب، خدمة وعمل ونشاط ولكن لم تنسى مريم نفسها أو ذاتها منهمكة أو مشغولة في الخدمة، بل عادت إلى الصلاة وهكذا المؤمن لا يترك ذاته مشغولة بأمور كثيرة ومنها خدمة الله ذاته دون أن يلتقي بالله ذاته والرجوع إليه وإلغاء الذات في حضن هذا الآب.

ثامناً : تفاهم وانسجام.

اليصابات فرحة ومنسجمة وسعيدة بحضور ووجود العذراء مريم معها ليس لأنها تخدمها بل لأنها تصلي معها ولأنها تعاملها معاملة حسنة، ورأت اليصابات في مريم ما لم تراه في أحد من قبل، ولذا شعرت اليصابات بأنها غير مستحقة أو جديرة بحضور مريم في بيتها، المؤمن بالمقدار الذي يصليه يستطيع أن يحب وبالمقدار الذي يحب به يستطيع أن يخدم وبنفس المقدار يستطيع أن يحقق التفاهم والانسجام مع الآخرين.

 

 

الموضوع الرابع

  1. زيارة العذراء لأليصابات هي بمثابة اللقاء الذي يتم بين المؤمنين.

إن للمؤمنين لقاء أخوي وإيماني متميز في الكيفية والنوعية عن اللقاءات الأخرى التي تتم بين سائر الناس. ليس لأنهم أفضل من غيرهم، بل لأنهم متميزين عن غيرهم بحكم ما نالوه وما وُهب لهم من قبل الله.

إن لقاء المؤمن بالمؤمن الأخر مهم جداً في هذه الأيام وخاصة أن يعد هذا اللقاء شهادة حقيقية لله، فعلينا أن نعطي إلى لقاءاتنا أهمية خاصة.

أهم الصفات التي تميز لقاءات المؤمنين

أولاً : الاستقبال والترحاب.

لقد وجدت العذراء مريم ترحاباً حاراً من قبل اليصابات وفي بيت زكريا الكاهن، وجدت العذراء استقبالاً حاراً من الأعزاء والأشقاء، يعبر عن الإيمان وليس مجرد القرابة الجسدية أو العائلية التي تربط بين العذراء وأسرة زكريا واليصابات، الاستقبال كان بين مؤمنين أكثر منه استقبالاً عائلياً أو لمعرفة بشرية.

ثانياً : تحية وسلام فرح وبهجة.

للمؤمنين لغة يعبر بها عن تحيتهم وسلامهم وهذه اللغة تميزهم عن سائر الناس، واللغة أيضاً هي أسلوب وسلوك وليست كاملاً فقط، يعبر الواحد للآخر عن ما يكنه للآخر  وبين المؤمنين تسرع الروح لتقابل الروح والقلب للقبل قبل أن تتقابل الأيادي تتعانق الأرواح والقلوب أو يتعانق القلب والروح.

“وامتلأت اليصابات من الروح القدس، فهتفت بأعلى صوتها “مباركة أنت في النساء، ومبارك أبنك ثمرة بطنك” لو 41:1-42.

ثالثاً: شوق ورغبة الشخص نحو الآخر ومعاً :

يعبر كل واحد للآخر عن شوقه ورغبته لأنهما أبناء الإيمان الواحد والمعمودية الواحدة والمسيح الواحد وهياكل للروح الواحد وأصحاب الاختبار الإيمان الواحد مما يشكل من المؤمنين عائلة واحدة هي الكنيسة والكنيسة هي عائلة الله، لا يوجد ملل أو سأم بين المؤمنين وبعض، بل اشتياق ورغبة للالتقاء والتمتع بجمال الروح الساكن في كل واحد. هذا اللقاء الجميل عبر عنه في لقاءهن  العذراء مريم واليصابات أجل تعبيراً لما يكون عليه لقاءات المؤمنين داخل الكنيسة.

رابعاً : المؤمنين يلتقيان مع الله.

المؤمن يلتقي بالمؤمن لأن الله يريد هذا اللقاء بينهما ولأن الله يجمعهما بالروح القدس في لقاء واحد، ولأن كل واحد منهم يقدم للآخر اختباره وشركته مع الله يقدم الله يقدم المسيح للآخر.

المؤمن حينما يلتقي بالمؤمن لا يتحدان معاً مع الآخر أو عن أنفسهما بل حديثهما الأساسي الذي يجمعهما حول الله الذي يجمعهم بالروح القدس.

العذراء مريم تقدم اختبارها الروحي كأم المسيح الحاملة في أحشائها كلمة الله الحي بالروح القدس تلتقي بأليصابات التي تختبر الله أيضاً بطريقة متميزة وفريدة حيث أنها حاملة في أحشائها بيوحنا المعمدان بقدرة ورحمة من الله. فالاختبار الروحي والعلاقة مع الله هي الأساس والجوهر لكل لقاء يتم بين المؤمنين.

خامساً : كلمة الله هي التي تجمع.

المؤمن والمؤمن يلتقيان معاً حول مائدة كلمة الله ويوجد على هذه المائدة والافخارستيا الكتاب المقدس، ومعاً يتبادلان الخبرة الروحية النابعة من كلمة الله، كلمة الله تجمع بينهما، وفي اللقاء يحدث الفرح الحقيقي من قبل الله بما يراه يحدث بين الأبناء والأخوة حول المائدة الحقيقية التي أعدها بذاته لهما.

بكل تأكيد العذراء مريم تذكر لأليصابات بعض المقاطع من العهد القديم عن المسيا وعمل الله العظيم في تاريخ شعب الله، وبكل تأكيد تذكر اليصابات بعض الشخصيات الموجودة في العهد القديم وخاصة اللواتي كن في وضعهن مثل اليصابات كحنة أم صموئيل وسارة الخ وهكذا تلمس اليصابات عن كثب قدرة عمل الله في حياتها.

سادساً : الصلاة تجمعها.

قبل الخوض في الحديث عن المشاكل والأتعاب التي يجدها الإنسان في حياته الإيمانية والروحية أو في مسيرته الأرضية نحو الأبدية، لابد أن تكون هناك شركة في صلاة عميقة، يسكب فيها الواحد ذاته أمام الله والآخر، ويشترك هذا الإنسان مع الآخرين في انسكاب عميق أمام الله ومن هنا يصبح حديثنا عن مشاكل الصلاة، لا تعد كمشاكل لأنها ستصبح مادة حية لصلاة التسليم لله.

سابعاً : لقاء تشجيع وتعضيد .

أن زيارة مريم لنسيبتها اليصابات هي لهدف خدمتها ولكن أيضاً لتشجيعها وتعضيدها هذا الهدف نكشفه من خلال حديث اليصابات مع العذراء مريم حينما استقبلتها .

“هنيئاً لك يا من آمنت بأن ما جاءها من عند الرب سيتم” لو 45:1.

مريم ذهبت لتشجيع وتعضيد وخدمة اليصابات واليصابات تشجع وتعضد مريم وتلقن ثقتها فيها وفي كلمة الله المتجسد في أحشائها .

إن لقاء العذراء مريم واليصابات، لقاء مشجع ومعزي، لكي يجعل الإنسان يتخذ خطوة نحو الله ولا يتراجع أبداً عنه، وعلى هذا المنوال يجب أن تكون لقاءات المؤمنين وأن نتخلى عن لقاءاتنا السلبية ببعض والتي تحمل في بعض الأحيان كلامات التقليل من شأن الآخر وتحطيمه معنوياً الخ.

ثامناً : لقاء يتسم بالتواضع.

أن اللقاء الذي يحضره المسيح، أو أن يكون حاضراً فيه المسيح في الوسط، لابد أن يتسم بالتواضع والذي قال عنه نفسه : “تعلموا مني أني وديع ومتواضع القلب” مت 29:11. وبالتالي يحضره أيضاً روح الله القدوس وقالت اليصابات هذه العبارة : “من أنا حتى تأتي إليّ أم ربي وإلهي”؛ هكذا انطلقت القديسة اليصابات بكل تواضع ووقار وفي نفس الوقت علينا أن نتذكر أن العذراء مريم ذهبت لتقوم على خدمة اليصابات والسهر على راحتها والاهتمام بها وبأسرتها، وهذا ما يعبر عن شدة أتضاعها.

أن لقاء المؤمنين لمعمدين باسم المسيح المشتركين معه في الموت والقيامة يتم هذا اللقاء بين العذراء مريم واليصابات. وعلى هذا الضوء علينا نفحص جيداً لقاءاتنا داخل الكنيسة أو المنزل الخ.

 

 

 

الموضوع الخامس

  1. العذراء مريم والنشيد

المقدمة :

النشيد الذي نطقت به  مريم العذراء في زيارتها إلى اليصابات يعكس لنا عدة أشياء مهمة منها بعض الأمور عن حياة العذراء مريم وعن المجتمع  التي تعيش فيه.

أولاً : مريم متعبدة ومصلية ابنة الصلاة.

كلمات النشيد تعكس لنا نفسية وروحانية إنسانة تعيش حياة الصلاة، وتمضي وقتاً كافياً في العبادة لله، وهذا ليس غريباً عن العذراء مريم، التي هي ابنة الهيكل قبل كل شيء فهي لم تعرف لها بيتاً آخر غير الهيكل، والنفس المتعبدة والتي تعرف أن تصلي هي وحدها التي تستطيع أن تعبر عن الصلاة بالصلاة. الصلاة بالنسبة للعذراء كانت تشكل لها أهمية كبرى فهي غذاءها وطعامها وشرابها، هي والديها وأحباءها هي كل شيء بالنسبة للعذراء.

ثانياً : مريم قارئة الكتاب المقدس.

إن الصلاة الموجودة والنشيد الذي نطق على لسان مريم وهما شيئاً واحداً لأنه عبارة عن صلاة في إطار نشيد، ونشيد في إطار صلاة أو بأسلوب صلاة هذه الصلاة تعكس لنا إطار العهد القديم والصلوات التي كانت تقام في العهد القديم وبشكل خاص من حنة أم صموئيل، وهذا يعني أن صلاة العذراء مريم تأتي في إطار كتابي، وليست من خارج الكتاب المقدس.

ومن هنا نكتشف أن العذراء مريم معرفة وخبرة كتابية وعلاقة شخصية بالكتاب المقدس وبالتالي بالتقليد اليهودي وبأشخاصه،  فهي ليست غريبة عنهم، لأنها واحدة منهم، وعلينا أن نضع في قائمتين متوازنين، صلاة حنة أم النبي صموئيل (صموئيل الأول 1:2-11) وصلاة العذراء مريم (لو 46:1-56). حتى نكتشف العلاقة بينهما أو التشابه بينهما.

ثالثاً : مريم وخبراتها الشخصية.

إن العذراء مريم تختبر على المستوى شخصي جداً شخص الله الحبيب وعمل الله في ذاتها وفي شخصها، فهي ليست قارئة للكتاب المقدس ولكن لها خبرة شخصية أيضاً بالله، هذه العلاقة الشخصية بالله عبرت عنها مريم بقولها “تعظم نفسي الرب” وكلمة نفسي هنا تعبر عن خبراتها الذاتية واختيارها لشخص الله، لا يفهم من كلمة تعظم نفسي، تعظيم الذات بالافتخار والكبرياء بل هي تعظم الله وتعلن ذلك من خلال خبرتها لعمل الله في داخلها، تعلن عن عظمة عمل الله وقدرته في حياتها الشخصية، الشخص الذي يختبر الله عليه أن يعبر ببساطة عن مدى عمل الله في حياته ويعلن عظائمه كشهادة لله الحي، ولا يقدر الإنسان على إعلان ما لم يلمسه أو يختبره حتى لا يكون كاذباً، وغير مقنعاً، والعذراء مريم بهذا الشكل تعلن عن أمجاد وأفضال الله عليها وفي حياتها من خلال صلاة النشيد والتسبيح.

أن العذراء مريم تعلن وتكشف في صلاتها وتسبيحها المنقاد بالروح القدس عن ماهية الله وشخصية الله في حد ذاته وذلك من خلال صفاته، فهي تعلن عن مدى عظمته وقدرته، ورحمته، وقداسته. وتعلن أنه المخلص وتعلن أنه دائماً المبادر بالمحبة والعناية والاهتمام وهو الذي افتقد برحمته عبدته مريم فهي تعلن عن ذراعيه الرفيعة القديرة بقدرة حية والقوية بالرحمة والعدالة والتي ترفع الفقراء والضعفاء، وتنزل الأغنياء والأقوياء عن الكرسي، هؤلاء المتعظمين على البشر وعلى الله ذاته.

فالعذراء مريم تعلن عن الله من خلال ثلاثة أشياء مهمة جداً وهي

  • ¨ اختبارها الشخصي في حياتها لعمل الله.

  • ¨ إعلانها عن شخص الله وعمله في التاريخ المقدس.

  • ¨ حديثها عن الله في حد ذاته كقدرة حب ورحمة وعدل.

هذه هي شهادة مريم عن الله والتي لا يجب علينا أن ننساها أبداً، بل علينا أن نبني خبراتنا  الروحية على هذا المثال العظيم، علينا أن نبني شهاداتنا الروحية على منوال شهادة العذراء مريم.

رابعاً : مريم وتطويبها وتهيئتها كتحصيل حاصل لعمل الله.

أن الإنسان من شدة فرحه بنجاحه يفكر بتلقائية بأن الآخرين سوف يحسدونه على هذا النجاح. والعذراء مريم التي لمست بقوة حنان الله وافتقاده، وهي التي أُعلمت من قبل الملاك بأنها منقادة بالروح القدس المستقر فيها، ولأنها مكلفة بأمر عظيم من قبل الله الآب لأجل خلاص العالم، أو هناك عملاً عظيماً مقبلة عليه لأجل جميع الناس، ولذا بكل تلقائية وبساطة وفرح شديد بعمل نعمة الله فيها تنطق بما يجيش أو يحدث في داخلها، وضمن هذه الأشياء هي أن جميع الناس سوف يطوبونها ويهنؤنها على هذا الصنيع الحسن وعلى عمل الله فيها واختياره لها، فليس من قبيل الكبرياء أن تقول العذراء مريم : “أن جميع الأجيال سوف تطوبني” كان هذا الإعلان من قبل الروح القدس في داخلها وعلى صعيد آخر هو إعلان نابع وناتج عن عمل الله في داخلها وأن الناس سوف يفرحون بها ومعها ولها ويطوبونها لأن بعملها هذا حدث لهم الخلاص الأبدي وبمعنى آخر بتلبية العذراء مريم لنداء الله واستجابتها لعمل النعمة يتم الخلاص لك الخليقة، والخليقة تكرم وتطوب العذراء مريم لأنها ساعدت على خلاصهم، والتاريخ يثبت هذا الكلام والأجيال اللاحقة تلمس معاني هذا الكلام التي نطقت به العذراء مريم.

خامساً : أتضاع العذراء مريم .

أن العذراء مريم لم تكن منكرة أبداً، ولم تكن تتوقع هذا الأمر إطلاقاً، ولم تعلن عن استحقاقها لهذا الأمر الذي كانت تنتظره كثيرات غيرها من فتيات إسرائيل كالأغنياء والنبلاء، بل نجد أن النشيد التي نطقت به يعد معرفتها بالأمر المقبلة عليه، يعكس لنا أتضاع مريم وإعلانها عدم استحقاقها لهذا الأمر العظيم.

وفي زيارتها لأليصابات لم تقل في النشيد أنها صارت أم الله أو أم أبن الله أو أم المسيح المخلص الفادي، ولم تستخدم تعبيرات البشارة التي نطق بها الملاك، ولكننا نجد أنها تعلن أنها آمة أو خادمة للرب لتعكس لنا أتضاعها وانسجامها ولم تقل لأنه نظر إلى استحقاقي، لأن الاتضاع هو من عمل النعمة في الإنسان، من عمل روح الله، وكلما كبر الإنسان في علاقاته بالله وازداد ترابطه وإمتلأته بالنعمة، كان الاتضاع علامة لذلك، فالاتضاع هو العلامة الأولى لوجود الإنسان في حالة النعمة.

ويعكس الكبرياء حالة الذي فقد النعمة ويصبح في حالة تمرد وكبرياء وعناد وتسلط وغرور.

سادساً : العذراء مريم هي واحدة من بنات مجتمعها وبيئتها .

تعكس صلاة العذراء مريم عن أنها واحدة من طبقات الشعب الفقير الذي لا حول له ولا قوة،والذي ليس له اعتماد إلا على حفظ الشريعة والناموس والوصايا والثقة في الله.

تكشف عن نظام الاستبداد والقوة في مجتمع بشري متعب ولهم اليد الطولي أو العليا في المجتمع لأنهم أقوياء وأصحاب سلطة أو أصحاب مال وجاه ويحتقرون ويستضعفون ويرزلون البعض الآخر في المجتمع.

تكشف عن نفسية المرأة الشرقية والتي كانت مستضعفة وليس لها كياناً متميزاً تتميز به كالرجال.

تكشف عن الأفكار الرجعية السائدة في مجتمع لا يعطي للنساء إحرامهن كخليقة لله وكسائر البشر، مبررين ذلك بأن المرأة هي خليقة للشيطان ترزحه أسفله الخليقة .

والعذراء مريم باختيار الله لها وباستجاباتها لنداء وطلب الله منها كأنها تقول للبشر كما أن الخطيئة الأولى دخلت بحواء هكذا الخلاص بالعذراء يتم بقبول حواء الثانية ويتم التجديد والخلاص للبشر على أيدي المرأة حواء الثانية أم كل حي وخليقة جديدة، مريم هو نشيد كل سيدة وامرأة وفتاة ينبغي أن تنشده وترنمه وتعلنه بصوت جهوري لأنه يعلن عن احترام وتقدير الله لجنس النساء، ولذا أختارهن واختار واحدة منهن ليتم الفداء والخلاص.

 

 

الموضوع السادس

  1. صلاة ونشيد العذراء يعبران عن النضوج الروحي أي صلاة الملء بالروح

نموذج لصلاة الكنيسة.

المقدمة :

إن صلاة العذراء مريم أو نشيدها يُعد نموذجاً للصلاة الحقيقية والتي تأتي من الأعماق وتعبر عن الحياة الروحية العميقة والملء الروحي.

هذه الصلاة تعد نموذجاً للصلاة التي يجب على الكنيسة أن تصليها بصفة مستمرة.

وهذه الصلاة لا يستطيع كل إنسان أن يصليها بالرغم من الدعوة الموجهة للجميع لكي يصليها، فليست صلاة المبتدئ في الحياة الروحية كالذي أبحر فيها ودخل الأعماق ، فمن على الشاطئ لا يكون كما الذي أبحر في أعماق البحر، والذي يتعلم السير أو طريقة المشي كالطفل لا يكون مثل الذي يجري ويخطو خطوات سريعة وصلاة النضوج الروحي والملء الروحي تتميز فمن عمقها عن صلاة الشخص الذي بدأ الخطوة الأولى في طريق النضج الروحي.

أهم مميزات صلاة العذراء مريم.

1 صلاة فيض :

ليس كل إنسان لديه مثل هذا الفيض العظيم الذي لدى العذراء مريم، وإن كان مدعو لهذا الامتلاء والفيض ـأيضاً لأن العذراء مريم حينما خاطبها الملاك قال لها “السلام عليك، يا من أنعم الله عليها، (يا ممتلئة نعمة) الرب معك”. لو 28:1.

“لا تخافي يا مريم، نلتي خطوة عند الله”لو 30:1.

“الروح القدس يحل عليك، وقدرة العلي، تظللك، لذلك فالقدوس الذي يولد منك يدعى أبن الله”لو 35:1.

الإنسان الممتلئ بشخص الله ذاته، ولذا فهي تفيض وتعطي وتمنح الله ذاته ونعمته على الآخرين “أفيض روحي على كل بشر” يؤيل 1:3. الله يمنح روحه لأنه يملكه، وهكذا العذراء مريم تمنح المسيح لأنها تحمل المسيح، تفيض بالنعمة لأنها ممتلئة نعمة، لقد نطقت القديسة اليصابات زوجة زكريا الكاهن عندما استقبلت العذراء فقالت :

“وامتلأت اليصابات من الروح القدس، فهتفت بأعلى صوتها، مباركة أنت في النساء ومباركاً أبنك ثمرة بطنك ! من أنا حتى تجيء إليّ أم ربي” لو 41:1-45.

إن تحية اليصابات ومديحها نشيدها حينما استقبلت العذراء مريم يعد شهادة حقيقية وصادقة عن حياة الملأ التي تعيشها العذراء مريم.

العذراء مريم ممتلئة بالنعمة وبشخص الله ونحن أبناء مريم بمن نملئ ؟ وبمن نفيض؟ أو بماذا نفيض على الآخرين؟

2 صلاة تعظيم وتسبيح :

إن صلاة العذراء مريم هي صلاة تعظيم لله، لأنه يليق بالله التمجيد والتعظيم والتسبيح، وذلك لأنه لا مثل له بين الآلهة، ولأنه الوحيد الذي يستحق ذلك، والعظيم تليق به العظمة، ويليق به التسبيح.

فصلاة مريم هي صلاة تسبيح وتمجيد لعظمة الله ولأن مريم ممتلئة بالله وبعظمته، ولأنه له الأولوية في حياتها، ولذا فهي تنطق بما لديها وفي أعماقها وتختبره وتشعر به.

“وقالت مريم تعظم نفسي الرب .. لو 46:1. باركي يا نفسي الرب، و يا كل أحشائي أسمه القدوس، باركي يا نفسي الرب ولا تنسي جميع حسناته ” مز 103 (102) 1-2. باركوا الرب يا ملائكته أيها المتقدرون المطيعون أمره عند سماع صوت كلامه.

باركوا الرب يا جميع جنده يا خدامه العاملين ما يرضيه، باركي الرب يا جميع أعماله في كل مواضع سلطانه، باركي يا نفسي الرب. مز 103 (102). 20-22.

“باركي يا نفسي الرب، أيها الرب إلهي ما أعظمك جلالاً وبهاءً لبست”. مز 104 (103) 1.

“احمدوا الرب وادعوا باسمه، وعرفوا في الشعوب بأعماله، أنشدوا للرب ورتلوا له” مز 105 (104) 1-2.

“احمدوا الرب لأنه صالح لأن إلى الأبد رحمته” مز 106 (105)-1.

“هللوا يا عبيد الرب هللوا لاسم الرب ليكن اسم الرب مباركاً من الآن وإلى الأبد، من مشرق الشمس إلى مغربها ليهلل البشر لاسم الرب”.

“الرب متعال على الأمم وفوق السموات مجده من مثل الرب إلهنا، ذاك المقيم في الأعالي” مز 113 (112) 1-5.

3 صلاة بهجة وفرح.

“وتبتهج روحي بالله مخلصي” لو 47:1.

الإنسان الممتلئ بحضور الله عليه أن يفرح دائماً بهذا الإله، وهكذا العذراء مريم هي تابوت العهد الجديد وقسط المن الحقيقي النازل من السماء، والتي يوجد في داخلها وكيانها الله، أو بمعنى آخر أن لله حضوراً دائماً في كيان العذراء مريم، وخاصة أنها بريئة من عيب وكل خطيئة وممتلئة نعمة، والنفس التي لا يوجد فيها مكاناً أو موضعاً للخطيئة أو الشر، هي نفس دائمة الحضور لله ودائمة الاستعداد لسماع صوت الله، كما أن الله يكون دائم الحضور فيها وله مجالاً واسعاً معها.

هذه النفس يصبح لها شعاعها وفرحها وبهجتها لها صفاءها وشفافيتها وخاصة في ابتسامتها وفرحتها وفي دموعها وآلامها، إن النفس الحرة من براثن الخطيئة تكون متفتحة كالأزهار في الربيع على ضؤ الشمس والماء الذي هو يسوع المسيح بالنسبة للنفس، تمتلئ من البر والقداسة لتشع على الآخرين وللآخرين كما أن للأزهار رائحتها وألوانها الجميلة التي تسعد بها الآخرين.

سأل أحدهم أحد الأشخاص عن سر بهجته وفرحه الدائم فأجاب هذا الشخص قائلاً أن النفس التي يرضى عنها الله، ويتفضل الروح القدس بالسكن فيها وهي تختبر المسيح في كل لحظة وتعيش معه، لا تنتظر من هذه النفس إلا الرضا والفرح والبهجة الدائمة.

إن الذي يسلب من الإنسان فرحه هو إبليس عن طريق الخطيئة وفعل الشر وبإعطاء الفرصة للأهواء والشهوات والرغبات تتزاحم في حياة الإنسان وداخل النفس، لكن متى تحررت النفس من كل هذه الأشياء صارت فوق كل هذه وعليها أن تفرح بالذي حررها .

والعذراء مريم هي النفس الممتلئة بالنعمة والقداسة بل وبحضور الله ذاته، وهي حرة من كل خطيئة ومتحررة عن كل رغبة لها أو فيها، ولذا فهي تبتهج بالله مخلصها وتبتهج روحها بالروح القدس.

“اعبدوا الرب بالفرح، تعالوا أمامه مرنمين” مز 100 (99)-2.

“هنيئاً لمن يخاف الرب ويسر بوصاياه جداً يكون نسله قوياً في الأرض، فالمستقيمون يباركهم الرب مز 112 (111) 1-2.

“الصديق لا يخاف من خبر السوء، وبقلب ثابت يتكل على الرب، قلبه راسخ فلا يخاف حينما يرى خصومه” مز 112 (111) 7-8.

“هنيئاً للسائرين في الكمال للسالكين في شريعة الرب” مز 119 (118) 10.

“افرحوا دائماً في الرب، وأقول لكم أيضاً افرحوا” فيلبي 4:4.

4 صلاة اعتراف .

كلمة اعتراف مفهومها صارت لها مفهوماً سلبياً بمعنى أنه يجب الاعتراف بالخطيئة والشر الذي ارتكبناه في حق الله والآخرين.

ولكن أيضاً لكلمة اعتراف مفهوماً أكثر عمقاً وقوة وهو يجب أن نعترف لله بأعماله العظيمة والإشادة برحمته معنا، يجب أن نقر ونشيد بقدرة وحب الله وعمله العظيم في حياتنا.

كثيراً ينسى الإنسان الاعتراف لله بحسب الصنيع معه، ينسى الإنسان فضل الله عليه، وأن كل خير يتمتع به الإنسان هو من فضل الله عليه لكن الشخص الممتلئ بحضور الله لا عليه إلا أن يقر ويعترف ويشهد علانية بصنيع الله الحسن معه ويحدث بنعمة الله لتمجيد اسمه الحي بين الأمم والشعوب.

“إلى الله العلي أصرخ، إلى الله المفضل عليّ يرسل من السماء ويخلصني ويعادي الذين يعدونني الله يرسل رحمته وحقه” مز 57 (56 )3-4.

“إلى الله ترتاح نفسي، ومنه وحده خلاصي خالقي هو ومخلصي، وملجأي فلا أتزعزع” مز 62 (61) 2-3.

“خير من الحياة رحمتك، شفتاي تسبحان لك، ومدى حياتي أباركك وباسمك أرفع للصلاة كفي، تشبعني كما من طعام شهي فترنم شفتاي ويهلل فمي.

“إذا ذكرتك على فراشي، وفي الليالي لهيت لك ولأنك كنت نصيراً لي، وفي ظل جناحيك أرنم، تعلقت نفسي بك، فيمينك تسندني” مز 63 (62) 4-6.

“جميع الأرض تسجد لك ترتل لك ترتل لاسمك تعالوا انظروا أعمال الله، ما أرهب صنائعه للبشر” مز66 (65) 4-5.

“ما أحسن الحمد للرب والترتيل لاسمك أيها العلي أُعلن رحمتك في الصباح وأمانتك في الليالي على عود بعشرة أوتار وقيثارة شجية الألحان أنت يا رب فرحتي بفضلك لأعمال يديك أرنم ما أعظم أعمالك يا رب وما أعمق أفكارك” مز 92 (91) 1-6.

“انشدوا للرب نشيداً جديداً لأن الرب صنع عجائب، يمينه وذراعه المقدسة أحرزتا لنا الخلاص، الرب أعلن خلاصه ولعيون الأمم تجلى عدله، نذكر رحمته وأمانته لبيت إسرائيل شعبه، فرأت جميع الشعوب الأراضي إلى أقاصيها خلاص إلهنا” مز98 (99) 1-3.

5 صلاة تحتوي الآخرين.

إن العذراء مريم هي ابنة عصرها وجيلها ولا تستطيع أن تتخلى عنه، أو أن تعيش حياة منعزلة عن الآخرين، بحجة أنها الممتلئة نعمة. فليست معنى الحياة الروحية أو حياة الملىّ هو التنكر للآخرين والابتعاد عنهم وفقدان الإحساس بهم فالحياة الروحية لا توجد فيها أنانية أو احتقار للآخرين، إن الحياة الروحية هي حياة متفتحة على الآخرين ومشاكلهم وحملهم في الأعماق والكيان وليس الابتعاد عنهم .

كيف يعيش الإنسان حياة روحية صادقة وحقيقية مع الله، دون أن ينطلق من ذاته ليتقابل أيضاً مع الآخرين أو قريب؟

كيف يتم اللقاء مع الله دون الالتقاء مع الإنسان الآخر؟

إن الحياة الروحية ليست وهماً أو خيالاً، ليست انفصالاً أو انعزالاً عن احتياجات وطلبات ومعاشرة الناس والمجتمع الذي نعيش فيه.

الحياة الروحية هي نعمة خاصة للحياة مع الله للتعايش مع الواقع بطريقة ملتزمة ومسئولة، والتي يحمل الإنسان الروحاني هذا الواقع في كيانه وصلاته، لكي يتقدس هذا الواقع وهذا المجتمع وهؤلاء يتقدس هذا الواقع وهذا المجتمع وهؤلاء الآخرين، دون أن يفقد هذا الإنسان الروحاني خواصه الروحية.

فالعذراء مريم كانت تضع في صلاتها مجتمعها وأبناء عصرها ومشاكل الحياة وظروف الواقع، وذلك في صلاتها الشخصية أو الجماعية.

ومازالت العذراء مريم على مدار الأجيال تضع الإنسان وكل إنسان، وكل عصر وجيل بمشاكله واحتياجاته في صلاتها أمام العرش الإلهي، فالعذراء مريم تعايش كل جيل وكل عصر بما يعانيه، وتصلي معنا ولأجلنا وتتشفع فينا، أمام أبنها الحبيب يسوع المسيح.

ومن هنا نفهم أن الصلاة والاختلاء والابتعاد عن ضجيج العالم، ليعيش المصلي في هدوء وسكينة مع الله ليس معنى هذا هو نسيان الآخرين أو الناس أو الواقع. الإنسان أبن الصلاة يعمل على تحويل هذا المجتمع إلى مجتمع مقدس، ممسوح بالنعمة عن طريق صلاته.

الإنسان الذي يصلي يحتوي جميع فئات البشر في صلاته وفي كيانه وعقله ويرفعهم لله.

في صلاة العذراء لم تنسى اليتيم ولم تتجاهل المسكين والفقير، والأرملة، والمسحوق والمرزول الضعيف، الشريد، المغترب، المتألم ..الخ.  فهي تصلي من أجلنا وتشعر بنا وتشفع فينا عند أبنها .

ورحمته من جيل إلى جيل الذين يخافون أظهر شدة ساعده فبدد المتكبرين في قلوبهم، أنزل الجبابرة عن عروشهم ورفع المتضعين.

“أشبع الجياع من خيراته وصرف الأغنياء فارغين أعان عبده إسرائيل فتذكر رحمته” لو 50:1-54.

“وربما قال أحدكم : “أنت لك إيمان وأنا لي أعمال .. فأقول له : “أريني كيف يكون إيمانك من غير أعمالي، أنا أريك كيف يكون إيماني بأعمالي، فكما أن الجسد بلا روح ميت، فكذلك الإيمان بلا أعمال ميت” يعقوب 18:2-26.

“فلا تعجبوا أيها الأخوة إذا أبغضكم العالم، نحن نعرف أننا انتقلنا من الموت إلى الحياة،لأننا نحب أخواتنا، من لا يجب بقي في الموت، من أبغض أخاه فهو قاتل وأنتم تعرفون أن القاتل لا تثبت الحياة الأبدية فيه، ونحن عرفنا المحبة حين ضحى المسيح بنفسه لأجلنا، فعلينا أن نضحي بنفوسنا لأجل أخواتنا. من كانت له خيرات العالم ورأى أخاه محتاجاً فأغلق قلبه عنه، فكيف تثبت محبة الله فيه”.

“يا أبنائي، لا تكن محبتنا بالكلام أو باللسان بل بالعمل والحق” يو 11:3-18.

6 صلاة تتسم بالثقة.

“لأن القدير صنع لي عظائم، قدوس أسمه” لوقا 49:1.

الثقة تأتي من المعرفة، والمعرفة من العشرة، والعشرة اختيار حقيقي وتلامس حقيقي مع شخص حي.

كيف لا تثق العذراء في الله، وثمرة حبه وأعماله العظيمة في أحشائها؟

إن الثقة لا تأتي من الفراغ أو العدم والعذراء مريم تتحدث عن عظيم الصنع معها أي عن اختبارها لهذا الشخص، وتتوقع من الله أن يفعل أكثر، وذلك لأنها تلامست مع هذا الشخص، وعرفت من هو وأعماله العظيمة معها.

عرفت أنه لا شيء مستحيل عليه، عرفت أنه يعد ويفي، ويقول ويفعل ، ولحظة النطق هي لحظة الفعل، الصلاة التي لا توجد فيها ثقة في الله، فلماذا هي صلاة؟

وبمقدار عظمة الثقة، كلما نال الإنسان كل ما يطلبه

“لذلك أقول لكم، اسألوا تنالوا، اطلبوا تجدوا، دقوا الباب يفتح لكم، فمن يسأل ينل، ومن يطلب يجد، ومن يدق الباب يفتح له” لو 9:11-10.

7- صلاة تتسم بالتواضع.

“لأنه نظر إليّ، أنا خادمته الوضعية” لو 48:1.

أن أهم عنصر للصلاة الحقيقية هو تواضع المصلي والإحساس بالتواضع أمام الله.

قديماً صلى إبراهيم وقال الله

“فأجاب إبراهيم : ما بالي أكلم سيدي هذا الكلام وأنا تراب ورماد” تك 27:18.

“وأما العشار فوقف بعيداً لا يجرؤ أن يرفع عينيه نحو السماء، بل كان يدق على صدره ويقول ارحمني يا الله، أنا الخاطئ” لو 13:18.

وخرج العشار مبرراً من جميع خطاياه بسبب تواضعه وانسحاقه أمام الله.

بعض الملحوظات المهمة وهي

أ إحساس إبراهيم بالتواضع والانسحاق هذا يرجع إلى أنه إنسان ومخلوق من تراب ورماد، وفي نفس الوقت هو يقف أمام الله الخالق، أمام الله العظيم المتسامي، وهذا الإحساس بالتواضع هو إحساساً طبيعياً في مثل ذلك الوقت وفي هذا التواضع.

ب إحساس العشار أو جابي الضرائب بالتواضع والانسحاق هذا يرجع إلى إحساسه بالخطيئة وأنه خاطئ وليس بالفعل مستحقاً أن يقف أمام عظمة الله وهو في هذا الوضع.

ج فالنموذج الأول في التواضع يرجع إلى اختلاف أو إلى الفارق في الطبيعتين بين طبيعة وضع الله، وطبيعة ووضع إبراهيم والنموذج الثاني لتواضع العشار فهو يرجع إلى الفارق بين النقاوة والقداسة الدنس والشوائب، أو بين النور والظلام أو بين الحق والضلال، فهذا إحساس طبيعي من العشار أمام قداسة وعظمة الله. أما نموذج العذراء مريم في الاتضاع فهو متميز عن الاثنين .

فقد تتفق العذراء مريم مع أبونا إبراهيم في إحساسها البشري ولكنها لا تتفق مع العشار فهي متميزة عن وضع الخطيئة، إن إحساس العذراء مريم بالاتضاع هو الشعور والإحساس النابع من الامتلاء بالنعمة والنمو في النعمة، النعمة والحياة الروحية، وكلما كان إحساس الإنسان بالنعمة، كلما كان أكثر اتضاعاً. وكلما كبر شأن الإنسان في الحيلة الروحية كلما كان أكثر اتضاعاً وانسحاقاً .

والعذراء مريم رغم معرفتها بأنها تحمل في أحشائها من له شأن عظيم، وأنها موضوع اهتمام عظيم من قبل الله، وبرغم معرفتها بأنها ستكون أماً لله ولكنها نطقت بقولها “أنا آمة الرب” ولم تستخدم تعبيراً آخر مثل “ها أنا أمة لله”.

وهكذا حياة العشرة والعلاقة مع الله تتميز بحياة البساطة الاتضاع، وكلما صلى الإنسان صلاة حقيقية، كلما ازداد اتضاعاً.

لأن الإنسان الذي يصلي يلتقي بشخص المسيح، والذي يصلي يلتقي بالمسيح يرغب في التشبه بالمسيح والتعلم منها والاقتداء به،  وشخص المسيح هو قمة حياة الاتضاع.

“تعالوا إليّ يا جميع المتعبين والرازحين تحت أثقالكم وأنا أريحكم، احملوا نيري وتعلموا مني تجدوا الراحة لنفوسكم، فأنا وديع متواضع القلب، ونيري هين وحملي خفيف” مت 28:11-30.

8- صلاة تتسم بالإعلان.

“جميع الأجيال ستهنئني” لو 48:1.

:ورحمته من جيل إلى جيل للذين يخافونه” لو 5:1.

“السيد الرب لا يفعل شيئاً إلا إذا كشف سره لعبيده الأنبياء” عاموس 7:3.

طبيعة العلاقة القائمة بين المؤمن والله أو بين الله والمؤمن، وخاصة حينما تكون هذه العلاقة تتسم بالقوة والعمق، وتجعل الله أكثر مشاركة لهذا المؤمن فيما يخصه أن أجمل علاقة بين اثنين من الأصدقاء هي حينما يتبادلا معاً مكنونات القلب الواحد للآخر ويكشف الواحد للآخر عما يكنه ويحمله من مشاعر وأحاسيس وأسرار خاصة به.

إن قمة العلاقة بين اثنين هي التي تصل بالواحد أن يتحدث مع الآخر عما يخصه ويؤتمن هذا الآخر على أسراره. ولقد قدمت العذراء مريم بهذه العلاقة الحميمة القوية مع الله.

لقد اختيرت العذراء مريم من قبل الله لتشاركه مشروعاته الخلاصية نحو البشر والخليقة جمعاء. لقد ائتمنها الله على مشاريعه ومخططاته المصيرية بالنسبة لسائر البشر.

لقد ائتمن الله العذراء مريم على أن تحمل في أحشائها شخص المسيح الأبن  الحبيب وتتحمل مسئوليته ورعايته.

وهو الابن الغالي والحبيب لدى الآب ولذا فهو رأى العذراء  مريم مخزوناً ومستودعاً لإيداع الأسرار وكشف لها كل الإعلانات المهمة الخاصة به ولم يندم على ذلك.

كل إنسان يعيش حياة نوعية مع الله يكشف له الله عن طريق الروح القدس بعض الإعلانات التي يظهر بها الله اهتمامه بهذا الشخص ومقدار حبه لهذا الشخص.

الله شخص متفتح وواضح ويبحث عن مثل هذا الإنسان الذي يرى فيه الوضوح والصراحة والانفتاح على عمل النعمة والاستجابة لنداء الروح.

الله يبحث عن هذا القلب الطاهر النقي الشفاف الذي يستطيع أن يميز صوته ويعرف مشيئته ويقيم مشاريعه ومخططاته، وهذا ما وجده الله في شخص العذراء مريم.

“فدخل إليها الملاك وقال لها : السلام عليك يا من أنعم الله عليها فقال لها الملاك لا تخافي يا مريم، بلت خطوة عند الله : فستحبلين وتلدين أبناً تسميه يسوع، فيكون عظيماً وابن الله العلي يدعى، ويعطيه الرب الإله عرش داود، ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد، ولا يكون لملكه نهاية” لو 28:1-33.

“الروح القدس يحل عليك، وقدرة العلي تظللك لذلك فالقدوس الذي يولد منك يدعى ابن الله، ها قريبتك اليصابات حبلة بابن في شيخوختها، وهذا هو شهرها السادس وهي التي دعاها الناس عاقراً، فما من شيء غير ممكن عند الله” لو 35:1-37.

هذه النصوص أو الآيات يكشف فيها الله عن طريق الملاك خطته الخلاصية للعذراء مريم ويكشف لها عن دورها في مخطط الخلاص، وإطلاعها على الكيفية التي يستخدمها الله معها ويكشف لها أيضاً عن الحالة التي عليها اليصابات، وهكذا العذراء من جيل إلى جيل هي موضوع اهتمام الله وهي التي يكشف لها الله عن أسرار كثيرة، وذلك لأن الله يعتز بالدور والمسئولية التي قامت بها مريم في تاريخ الخلاص.

 

 

 

الموضوع السابع

  1. انعكاس الحياة الروحية على الحياة بأكملها

أولاً : اهتمامات الله.

أن نشيد العذراء مريم لا يعد نشيداً روحياً فقط بل يعبر عن الثورة الحياتية والاجتماعية النابعة من هذا التجديد الروحي أو الافتقاد الروحي.

فالحياة الروحية أن لم تنعكس على الحياة العملية تظل حياة عقيمة بلا ثمر.

والحياة الروحية الناضجة هي التي تنعكس على الحياة في مختلف المجالات.

إن الحياة الروحية تعمل على تجديد أو تغيير نمط الحياة وأسلوبها من خلال الأفراد أو الأشخاص أو طبقات المجتمع المختلفة، فالنشيد المريمي لا يعكس إطاراً روحياً فقط بل يكشف عن منهج الله العملي والحياتي، فالله يهمه أن يحدث تغييراً وتجديداً في العلاقات الاجتماعية والإنسانية يهمه أن يرى هذا التجديد والتغيير ليتحقق من التجديد والتغيير الروحي الحقيقي والملموس على كافة المستويات المادية والمعنوية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

ثانياً : تساؤلات الناس.

النشيد يعطي جواباً على التساؤلات المختلفة للناس والذين يظنون أن الله تهمه الحياة الروحية دون الاعتبار لجوانب الحياة المختلفة والمعطيات المختلفة الموجودة في الحياة.

  • ¨ البعض يظن أن الله يتجاهل البعد الإنساني والاجتماعي والمادي للبشر، وأنه لا تهمه حياة الإنسان بشكل عام، وهذا ناتج عن خطيئة الإنسان وتمرده على الله.

  • ¨ أن وجود الطبقة في المجتمع الإنساني، وبشكل خاص الطبقات العاملة والكادحة، والذين هم على هامش المجتمع، لا يهمون الله أو لا يجدون اهتماماً من الله، هكذا البعض يفكر نتيجة لقسوة الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية عليهم.

  • ¨ البعض يظن أن الله يطالبنا بالعشرة معه وبالأمانة له، دون أن يفعل شيئاً من أجلنا.

  • ¨ الله يسكن في السماء ويتمتع بها وبمن حوله ومن معه ولا يبالي بما يحدث للبشر على الأرض وكأن الله في وادي، والبشر في وادي آخر، ويرجحون هذا أو يرحبون هذا بأنه طبيعي لأن لله حياته وطبيعته الخاصة المتميزة. وللبشر حياتهم وطبيعتهم، فما الداعي لوجود علاقة أو ترابط بين الاثنين.؟

تساؤلات كثيرة عديدة  موجودة في عقل الإنسان وفي ذهن البشر، كما أن هذه التساؤلات ليست قديمة موجودة في العقلية القديمة للإنسان في زمن قديم، ولكنها أسئلة وتساؤلات حالية، حاضرة في ذهن البعض في هذا العصر.

ثالثاُ : النشيد المريمي يجيب على التساؤلات البشرية.

إن العذراء مريم تجيب على كل هذه التساؤلات من واقع خبراتها ومن خلال صلاتها ونشيدها، وذلك لأن صلاتها تعلن عن عمل الله ومنهجية لأجل البشر وليس فقط للعذراء مريم.

أن افتقاد الله لمريم معناه هو افتقاد الله ذاته لأمثال مريم، ومعنى اختيار الله لمريم هو أنه يعمل في البشر ومع البشر أمثالها وعلى هذا المنوال المريمي.

أن حياة مريم معروفة لدي الجميع والعامة وعلى مستوى شعبي بأنها هي تلك الفتاة الفقيرة البسيطة اليتيمة ألب والأم والتي تعيش في كنف زكريا الكاهن وزوجته اليصابات، وكانت فتاة مجهولة وتعيش حياة الخفية.

رابعاً : البعد الاجتماعي في النشيد المريمي.

“ورحمته من جيل إلى جيل للذين يخافونه، أظهر شدة ساعده فبدد المتكبرين في قلوبهم” لوق 50:1-51.

إن الله في كل زمن وكل جيل ودائماً يدافع عن خائفيه المظلومين في المجتمع، ولم يأت زمناً تخلى فيه الله عن شعبه، ولقد وعد إبراهيم ونسله للأبد، بهذه المعيشة أي أن يكون معهم للأبد ومع كل المرذولين والمرفوضين والمظلومين في المجتمع.

جميع البشر هم خليقة الله وأبناء له وهو (الله لا يصمت أمام ظلم الإنسان لأخيه الإنسان، لا يصمت أمام جبروت الإنسان على أخيه الإنسان، وهذا لا يعني أن الله يسحق الظالم سحقاً بل يترأف عليه أيضاً لأنه هو أيضاً يكون ابناً له.

وأسلوب الله في التعامل مع هذا الإنسان يختلف عن أسلوب البشر أو الإنسان في معالجة الأمر. فالإنسان المتعظم والمتشامخ روحياً ونفسياً ومادياً، والذي يعتمد على ذاته ويتجاهل حضور ووجود الله الحي، والذي يتعالى على الآخرين بحجة أنه أعظم وأفضل من غيره أو منهم.

هذا الإنسان في احتياج إلى معالجة وإلى دواء لإنقاذه من ذاته وشفاءه من مرضه، الذي يجعله يشعر بالأنا الفائقة وبالعظمة، ومن هنا يتدخل الله لينقذ مثل هذا الإنسان من ذاته ويضعه في حجمه الطبيعي، وحتى لا يخسر حياته نهائياً وللأبد.

خامساً : البعد السياسي في النشيد المريمي.

“أنزل الجبابرة عن عروشهم ورفع المتضعين” لوقا 52:1.

الجبابرة الذين على العروش هم أصحاب السلطة والسيادة، والذين يتعظمون على غيرهم ولا يبالون باحتياجاتهم، ولا يقدرون ضعف غيرهم، الذين يستغلون وضعهم ويستفيدون من ذلك في استغلال الآخرين، وفي الاستفادة المادية، مستخدمين في ذلك سلطتهم وجبروتهم. فالسلطة لم تعد لأجل خدمة الآخرين بل في استغلال المصالح الذاتية فوق كل اعتبار وكل شيء ، هؤلاء أيضاً نفوس مريضة وفي احتياج للدواء والمعالجة لشفائهم من داء السلطة والعظمة والاستغلال والانتهازية، وسحق الآخرين كالحشرات، ولهذا السبب يتدخل الله وينزلهم عن عروشهم، ليس لعقابهم وإذلالهم بل لمعالجتهم وشفاءهم ويضع مكانهم المتضعين والبسطاء. والذين يمتازون أو يتصفون بالرحمة، والرحمة بالآخرين.

سادساً : البعد الاقتصادي في النشيد المريمي.

“اشبع الجياع من خيراته وصرف الأغنياء فارغين” لو 53:1.

الجياع هم الذين يعانون من الأزمة الاقتصادية والمادية، والذين لا يستطيعون توفير القوت الضروري لحياتهم، والذين بسبب قلة المادة وجوعهم المادي تتحطم معنوياتهم، ويفقدون كرامتهم، هؤلاء يشبعهم الله ويرفعهم ليرجع إليهم كرامتهم ويشفي جراحاتهم النفسية، أما الأغنياء والذين يعتمدون على ثروتهم وأموالهم وممتلكاتهم، ويعيشون حياتهم بترف وبذخ متجاهلين الآخرين واحتياجاتهم.

هؤلاء الذين يزدادون قسوة يوماً بعد يوم مع ازدياد ثروتهم وممتلكاتهم.

هؤلاء الذين يعيشون حياة الأنانية دون التفكير في غيرهم، لأجل هؤلاء يتدخل الله. لا يتدخل الله فقط لأجل الفقراء والمعوزين بل يتدخل أيضاً لأجل الأنبياء أنفسهم.

“هؤلاء الذين يقبضون على الريح ويحصدون الهواء، هؤلاء الذين يكسبون فيربحون العالم ويخسرون أنفسهم” “ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه”.

سابعاً : منهج الله العام في هذا النشيد المريمي.

الله يهتم بالجسد كما يهتم بالروح، ويهتم بالشئون المادية والاحتياج المادي للإنسان، كما يهتم بالشئون الروحية له.

الله يريد مجتمع مثالي على مثال مجتمع الثالوث فيه العدالة والمساواة والإخاء والحرية والحب.

الله يعالج أمراض الإنسان الحقيقية ورغباته ونزعاته المتطرفة كالأنانية والشهوات وحب العظمة والتسيد الخ، لأنه ضد الإنسان لئلا يحب الإنسان، وخوفاً على الإنسان لئلا يفقد ويخسر حياته للأبد.

من خلال النشيد نجد أن الله اختار جانب الهامشين في المجتمع وأرسل أبنه ليصير واحداً منهم، واختار له أماً من بين هؤلاء المجهولين، ولا ننسى أن معاناة المسيح دائماً هي لأنه مع هؤلاء المنبوذين والمرفوضين في المجتمع، ورفضه التعاون مع عظماء القوم ورفضه الصمت عن التجبر والقسوة والظلم .

هذه هي ثورة الحب والتجديد الروحي والاجتماعي، والاقتصادي والسياسي، هذه الثورة التي تُرجع للإنسان كرامته الإنسانية المفقودة أو المهانة والمجروحة من قبل الخطيئة وإبليس وأعوانه.

والعذراء مريم هي خير شاهده على هذه الثورة وذلك من خلال نشيدها المبارك.

 

 

 

الموضوع الثامن

  1. إنجيل البشارة بحسب إنجيل لوقا هو إنجيل العذراء أم المؤمنين.

المقدمة :

العذراء مريم تعد حقيقة أم المؤمنين،لأنها هي أول من آمن بشخص المسيح في العهد الجديد وأول من وُضعت في مواقف إيمانية صعبة، وكان عليها أن تعطي جواباً في كل موقف، كل موقف إيماني للعذراء مريم كان يعبر عن عمق حياتها الإيمانية، فهي أول من احتكت احتكاكاً مباشراً مع حياة الإيمان، ولذا نضعها فوق جميع المؤمنين قديماً كانوا أو حديثاً، ومن سيأتون إلى نهاية الدهر.

أولاً : البشارة عدلت من خطة حياتها.

لكي تتعرف على هذه الخطوة جيداً، علينا أن نتخيل شخصاً ما تسير حياته عادية وطبيعية جداً، بل وأكثر من ذلك كان مقبلاً على خطوة مصيرية بكل جدية لتحديد مستقبل حياته، وفجأة تظهر له ظروف أو مواقف طارئة ليبدل ويغير من منهجية حياته، فماذا يكون موقفه؟ لم يكن هذا الشخص متوقعاً لما هو جديد وطرأ عليه؟

وفجأة وجد ذاته يواجه هذا الموقف الجديد والمتطلبات الجديدة، ماذا يكون موقف هذا الشخص؟

هكذا وُضعت العذراء مريم في هذا الموقف الغريب أو العجيب الذي لم تكن تتوقعه ولم تفكر مسبقاً فيه.

“أرسل الملاك جبرائيل إلى بلدة في الجليل اسمها الناصرة إلى عذراء اسمها مريم، كانت مخطوبة لرجل من بيت داود اسمه يوسف” لو 26:1-27.

كانت العذراء مريم مخطوبة لرجل اسمه يوسف حينما أُرسل لها الملاك لبشرها بالوضع الجديد ولكن علينا أن نعرف أن المخطوبة في العهد القديم أو تحت حكم الشريعة هي في حكم المتزوجة، بمعنى أن الخطوبة في ذلك الزمان تختلف أو تتميز عن الخطوبة في عصرنا الحالي، لأن الخطوبة في العهد القديم تجعل المخطوبين في حكم المتزوجين وليس مجرد مخطوبين عاديين وبمعنى أنه يوجد ارتباط مصيري بين الاثنين عن طريق هذه الخطوبة.

هل من السهل على العذراء مريم أن تعطي جواباً للملاك في مثل هذا الموقف؟ هل من السهل على الإنسان أن يبدل ويغير من حياته بهذا الشكل وبهذه السهولة؟ ربما كانت أمنية العذراء مريم أن تعيش مكرسة لله في الهيكل وكان هذا قبل ظهور شخص يوسف في حياتها، وقبل أن تصير مخطوبة له أو في حكم الزواج المكرر غير مكتمل، هل من السهل على فتاة يهودية شرقية، يتيمة صغيرة السن، وتحت الوصايا، ومرتبطة بزواج شرعي مع إيقاف التنفيذ، أن تعطي إجابة أو جواب للملاك المرسل من الله؟ أليس هذا يتطلب إيماناً عميقاً وثقة وشجاعة فائقة؟!

ثانياً: شخصية الملاك في حد ذاتها محتاجة إلى الإيمان :

من يكون هذا الشخص الواقف أمام العذراء مريم؟ من يكون هذا الكائن العجيب والذي ينطق بكلام عجيب أو أعجب؟ من يكون هذا الشخص الذي يبلغها هذه الرسالة؟ وجدالً لم يكن هناك شخص لبشر العذراء مريم بالرسالة وكان صوتً داخلياً أو هاتفياً من الله في داخل القلب أو من داخل الكيان وفي كل الأحوال والظروف، يحتاج من العذراء مريم إيمان عميق لمعرفة مصدر هذا الصوت هل هو من الله أم لا؟

فالموضوع يحتاج لتمييز وحكمة، فلا تستعجب ا، العذراء مريم تسأل الملاك سؤلاً واضحاً عن كيفية حدوث هذا الشيء معها خاصة أنها لا تعرف رجلاً.
ربما لتصل العذراء مريم بحكمة وبدافع البراءة وحالة النعمة التي تعيشها إلى تمييز واضح بأن هذا المخلوق أو الكائن هو من الله حقاً، وليس من ذاته أو من آخر. وخاصة أنه يمدحها بسلام وتحية لم تكن تتوقعها أو تنتظرها، وربما لم تسمعها من قبل، كما أننا لا ننسى أن إبليس أحياناً يستخدم أسلوب المدح لأغراء وجذب الآخرين في صفه أو نحوه، من المؤكد أن لدى مريم نعمة خاصة وفريدة جداً لتسأل مثل هذا السؤال للملاك وأن تستجوبه، وذلك لأنه مفيد جداً للأجيال القادمة والمقبلة، لأجل تمييز صوت الله عن الأصوات الأخرى، وخاصة أن إبليس يستطيع أن يرتدي ثوب الملاك النوراني لخداع الناس، ويستطيع أن يعطي رسالة وأن ينطق بأشياء فيها بعض الوعود والأحلام والطموحات ليخدع بها البشر. ومن المؤكد أن العذراء مريم لديها نعمة خاصة وفريدة جداً في كل هذه الأحداث مع الملاك، ولكي تؤمن برسالة الملاك القادمة من قبل الله.

ولكي تفهم هذا الشيء العجيب، علينا أن نضع أنفسنا موضع العذراء مريم، ونتخيل أن فجأة ظهر في حياتنا شخصاً ما وبشكل غير مألوف لنا أو غير عادي لينطق برسالة لم تكن تتوقعها أو تنتظرها، فماذا يكون موقفنا؟

ثالثاً : موضوع البشارة محتاج لإيمان.

“لا تخافي يا مريم، نلت خطوة عند الله، فستحبلين وتلدين أبناً تسمينه يسوع، فيكون عظيماً وابن الله العلي يُدعى، ويعطيه الرب الإله عرش أبيه داود، ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد، ولا يكون لملكه نهاية”.

موضوع البشارة في حد ذاته يشكل صعوبة كبيرة في فهمه ليس فقط بالنسبة لمريم، ولكن بالنسبة لنا أبناء هذا الجيل بالرغم من رؤيتنا ولمسنا لما تحقق من هذه الأحداث، ولكن كم تكون الصعوبة بالنسبة لفتاة مثل مريم العذراء.

قد يكون مفهوم لدى مريم، عرش داود بيت يعقوب، وملكه الذي لا نهاية له لأنه ملك هذه العبارة تفهمها العذراء مريم لأنها واحدة من أبناء الشعب اليهودي وتفهم المصطلحات التقليدية لليهود، ولكن كيف تفهم العذراء المباركة بقية المضمون : “وستحبلين وتلدين ابناً تسمينه يسوع، ويكون عظيماً وابن الله العلي يدعى”.

كيف تفهم مريم العذراء هذا الكلام؟

بدون شك موضوع الرسالة في حد ذاته محتاج إلى إيمان عظيم من قبل مريم.

وحينما سألت العذراء الملاك عن الكيفية التي يتم بها الحبل، أجابها الملاك بإجابة في حد ذاتها تحتاج إلى قوة إيمان أكثر.

“الروح القدس يحل عليك وقدرة العلي تظللك لذلك القدوس الذي يولد منك، يدعى ابن الله”.

لأم يعطيها الملاك إجابة أو توضيحاً أ, تفسيراً  لمعنى البشارة بل على العكس تماماً ازدادت غموضاً وصعوبة، كيف هذا؟ هذا لأن عقلية العذراء مريم قد تفهم معنى كلمة الله لأنها تؤمن بالله الواحد الوحيد أي تؤمن بالتوحيد المطلق لله.

ولكن ماذا يعني أو كيف تفهم معنى الأبن والروح القدس؟ الملاك يدرك تماماً أن العذراء مري لا تفهم تماماً هذا الكلام، ولا كل مضمون الرسالة، ولكن تفهم أكثر ويساعدها على الفهم والتمييز لما هي مقبلة عليه أعطاها علامة أو تبسيط للأحداث بسرده لها قصة اليصابات زوجة زكريا العاقرة التي لم تلد بسبب عقرها وشيخوختها .

ومن هنا لنا ملحوظة بسيطة وهي : أن الإيمان الحقيقي ليس هو الإيمان الذي يحتويه عقل، وليس هو الإيمان الذي يخضعه العقل له، وذلك لأنه في مثل هذه الحالة يصبح العقل أكبر من الإيمان، ولا يصبح الإيمان إيماناً لأنه مُحتوى من العقل، ومن ناحية أخرى ليس الإيمان هو بالشيء الغامض المجهول والبعد المنازل، بل يمكن للإنسان اختياره وتزوقه، ويمكن للعقل الاستدلال عليه بالنور الإلهي، ولكن دون أن يحتويه كلياً ومطلقاً.

وهذا بالفعل ما تفهمه من خلال أحداث البشارة والتي تشرح لنا الإيمان المريمي، والتي آمنت بمضمون الرسالة وهي لا تفهم كلية مضمون الرسالة أو شموليتها، ولكنها آمنت وخضعت وأسلمت ذاتها تسليماً مطلقاً لله.

رابعاً : العذراء مريم هي أول  من اختبرت الثالوث الأقدس في حياتها.

أ اختبار أقنوم الروح القدس والامتلاء به كليةً، وذلك منذ اللحظة الأولى من الحبل لها لتكون بريئة من الدنس والعيب ولكن بشكل خاص حينما جاءت لحظة قبولها لسر التجسد الإلهي.

      “الروح القدس يحل عليك”

      فالحبل المريمي يقم بقوة  الروح القدس وليس بتدخل بشري.

ب اختبار أقنوم الآب، وذلك عن طريق قدرة الحب وقدرة الخلق والإبداع، قدرة الاختيار والانتخاب لمريم دون سائر نساء العالمين، تلك القدرة التي تعمل في مريم ليتم حملها أو حبلها بشخص المسيح والآب لا يصعب عليه شيء ولا يستحيل لديه شيء، والعذراء مريم تختبر قدرة الضابط الكل في حياتها وقدرة العلي تظللك

ج اختبار أقنوم الأبن الذي جاء وتجسد منها  أو فيها أخذاً من لحمها ودمها ومليّ كل كيانها وحياتها .. لذلك فالقدوس الذي يولد منك يدعى أبن الله العذراء مريم تختبر نضوج الإيمان المسيحي الذي لم نختبره نحن كاملة، ولذا فهي عن جدارة تستحق أن تدعى أم المؤمنين وأم الكنيسة في العهد الجديد، وهي النموذج الحي والأصيل للإيمان الحقيقي داخل الكنيسة.

      ويظل الإيمان هو موقف العذراء في كل حياتها ويصبح ملازمها في كل خطوة من خطواتها، وعلينا أن نجد في البحث لاكتشاف عظة الإيمان المريمي على صفحات الكتاب المقدس بل في كل شيء الخ.

 

 

الموضوع التاسع

  1. العلاقة بين يوسف النجار والعذراء مريم.

المقدمة :

“وهذه سيرة ميلاد يسوع المسيح، كانت أمه مريم مخطوبة ليوسف، فتبين قبل أن تسكن معه أنها حُبلى من الروح القدس، وكان يوسف رجلاً صالحاً فما أراد أن يكشف أمرها، فعزم على أن يتركها سراً” مت 18:1-19.

في هذا المقطع من الإنجيل يكشف لنا الوحي المقدس عن بداية الصعوبات والمشاكل التي تواجهها العذراء مريم بعد الحبل الإلهي بشخص يسوع المسيح.

المقطع يكشف لنا عن شخصية يوسف النجار الرجل الصديق البار  خطيبها، والذي يحبها حباً عظيماً، وتمنى من صميم قلبه أن يجتمع مع مريم خطيبته أو زوجته في بيت واحد، ليعيش معاً كزوج وزوجة حياة طبيعية.

ولا ننسى أن الذي يحب يتمنى من أعماقه للحظة التي يلتقي فيها بمن يحبه للأبد، ويرغب في الحياة معه للأبد ودون أن يفترقا عن بعض أباً. ومن هنا تكمن المشكلة الحقيقية والأولى في حياة مريم.

أولاً : بين الحب والكرامة أيهما ينتصر.

المشكلة الأولى التي تواجهها العذراء هي نظرة الشك من أول شخص أحبته وأقرب من غيره من البشر إلى قلبها وكذلك نفس المشكلة يواجهها يوسف البار، إذ يعيش الصراع بين حبه للعذراء مريم وبين الشرف والكرامة، التي يجب أن يدافع عنهما، حينما اكتشف أن العذراء حامل أو حبلى دون أن يلتقي بها .

كيف يرتبط بهذه الفتاة للأبد وهي حامل ولم يعلم مصدر الحمل، ولماذا وافقت وقبلت الارتباط بيّ، إذ هي على علاقة بآخر أو أنها تريد آخر غيري؟

هل يكشف يوسف الأمر لعامة الناس ولمجمعها ولرجال الدين ليعلم الجميع من تكون هذه الفتاة التي تتظاهر بالبراءة والقداسة، هل ينتقم لذاته منها وفي شخصها، هل يتحنن عليها ويتركها لحال سبيلها في صمت؟

حقيقة أن الوضع الذي فيه مريم هو وضع مشين ليوسف وكرامته، حقيقة أن الوضع الذي فيه مريم جعل يوسف يشك في سلوك مريم التي اعتبرها مثالاً للشرف والأخلاق والطهارة.

من الواضح من تصرفا يوسف مع العذراء مريم يجعلنا  نستبعد عن يوسف بأنه رجلاً عجوزاً أو متقدم في السن لأن العجوز لا يحتمل مثل هذا التصرف وهذا الوضع، ولأن العجوز يكون شديد الغيرة أي أعمى في حبه ويكون أميناً في تطبيق حرفية الشريعة في مثل هذه الحالة دون مراعاة وعواطف ومشاعر وأحاسيس إنسانية العجوز، نظرته محدودة وضيقة وهذا يرجع إلى حكم السن ومقدار المصاب أو المشكلة التي يواجهها.

أما يوسف البار النجار هو شاب أحب فتاة أو صبية اسمها مريم وكان حبه شديداً لها، أحبها من قلبه ولذا لم يشأ أن يتصرف تصرفاً أو يسلك سلوكاً لا يرضى الحب عنه. الذي يحب يتصرف بإلهام من الحب.

ثانياً : صفات الحب الحقيقي والعفيف الذي جمع بين يوسف ومريم.

أن أصعب موقف تواجهه العذراء مريم هو نظرة الشك التي تراها في عيني الشخص الذي أحبها حباً عميقاً ومن صميم قلبه، إنه أصعب الواقف وأحرج لحظة في تاريخ حياة الإنسان هي التي يرى فيها نظرة الشك والحيرة في عيون الأحباء وفي نفس الوقت لا يستطيع مثل هذا الإنسان.

أن يعطي جواباً محدداً لإزالة هذا الشك وإخراج الذين يحبونه من الحيرة. لقد اتخذت مريم موقف الصمت ولم تدافع عن ذاتها أمام الشخص الذي تحبه حباً عظيماً، والذي احبها بصدق وإخلاص وأراد أن يعوضها عن زمن المرارة واليتم التي عاشتهما.

أ الذي يحب يحمي من يحبه، من صفات الحب الحقيقي.

وهذا يعني أنه أراد ألا يكشف أمرها لئلا يفتضح أمرها لعلماء الشريعة والمجتمع اليهودي، هو أنه اتخذ موقفاً واضحاً نابعاً من الحب وهو : “أراد أن يتخلى عنها سراً”. وهذا يعني أنه أراد أن لا يكشف أمرها لئلا يفتضح أمرها، وتتعرض حياتها للخطر، وهذا في حد ذاته موقف إنساني ورجولي ويعبر عن شهامة يوسف البار ويعبر عن عظمة حبه للعذراء مريم.

 قد يعتبر البعض أن هذا الموقف الذي اتخذه يوسف يعبر عن سلبية، وقد يستطيع اتخاذه آخر غير يوسف ولكن الحقيقة هو أن هذا الموقف يعبر عن قيمة الإيجابية .. لماذا؟ لأنه حينما أراد يوسف أن يتخلى عنها سراً، هذا يعني أن حقيقة الأمر مستوراً وخفياً عن الجميع إلا يوسف ذاته والعذراء، وطبيعياً في المجتمع وأمام الآخرين سيكون المولود هو ابن يوسف ومريم لأنهما في حكم المتزوجين، وبالتالي لا توجد مشاكل أو شكوك في هذا الأمر.

من هذا الموقف يجب أن نتعلم حقيقة مهمة جداً وهي أن الذي يحب حقيقة عليه أن يحافظ على شخص المحبوب وأن يصونه كشخص يصون أسراره، فلا داعي أن يتحدث عن عيوب وسلبيات الآخر. لا داعي حول إثارة الشبهات حول شخص المحبوب هذا هو الحب الذي يجب أن نتعلمه. إن هذا الحب الذي أظهره يوسف لم يكن بعد ظهور الملاك له بل قبل ظهور الملاك وتوضيح الأمر له ولم تكن العذراء مريم تحدثت معه في هذا الأمر لتدافع عن نفسها،  وحتى تقنعه بحبه ليغير رأيه، ولكن كان هذا موقف يوسف النابع من قلبه ومن حبه وشخصه في زمن معروف عنه بالتشدد القانوني في مثل هذه الحالات.

ب الذي يحب يتمنى من قلبه سعادة المحبوب.

إن الحب للآخر يعني البحث عن سعادة الآخر والعمل على إسعاده، فالحب لا يكون البحث عن السعادة الشخصية دون التفكير في سعادة الآخر، والذي يحب يبحث بجد ويعمل بقوة على إسعاد الشخص الآخر.

في بعض الأحيان يظن البعض أنه يريد ويرغب في سعادة الآخر والواقع أنهم يريدون فرض سعادة خاصة بهم وحسب مزاجهم على الآخرين، وتكون هذه السعادة لا توافق الآخرين، هل مثل هذه الحالة تسمى حباً؟ يتمسك الواحد بالآخر بكل قوته مبرراً ذلك بالحب دون مراعاة استعداد وقبول الآخر لهذا الحب، في الواقع وقي مثل هذه الحالة الإنسان يتمسك بالآخر، ولأجل سعادته الشخصية التي يبحث عنه بأنانية شخصية ودفاع الإنسان في مثل هذه الحالة لا يكون دفاعاً أو حب لسعادة الآخر، بل هو دفاعاً عن سعادة شخصية وليس دفاعاً عن الحب.

الحب هو العمل على سعادة الشخص الآخر حقيقة بطريقة تفتح شخص الآخر على الحب والسعادة، دون أن يشعر بأنها سعادة مفروضة عليه أو مجبوراً عليها أو اختارها له آخر.

والخطوة الأكثر عمقاً في هذا المجال هو اكتشاف السعادة التي يريدها الله للأشخاص، وليس السعادة التي يختارها الأشخاص لأنفسهم وبحسب أهوائهم. السعادة تتحقق حينما نكتشف إرادة الله لنا، ونتقبل منه ما يريده لنا عن رضى وحب.

فلا تكمن السعادة فيما نختاره لأنفسنا لأنه يوافقنا أو ما يختاره لنا الآخرين لأنه يناسبنا ويوافقنا بل السعادة تكمن فيما نقبله دائماً من بين يدي الله، وإن كان لا يوافق إرادتنا ومشيئتنا، ولم يكن حسب رؤيتنا، وهذا بالفعل الحب والذي يسمى بالحب، مريم تريد يوسف وخاصة أنه صار بينهما خطوبة وارتباط شرعي، ويوسف يرغب ويريد مريم وخاصة أنها تمتاز عن غيرها بصفات وسمات فريدة ويكفي أنه يحبها وهي تحبه للارتباط. ولكن عندما بشرها الملاك بإرادة الله ورغبته تخلت عن أحلامها وطموحاتها في الزواج بيوسف وقبلت مشيئة الله بالرغم من صعوبتها ومشاكلها.

ج الذي يحب يترك الآخر حراً .

الحب لا يعني مطاردة الآخر، وحصاره، وتهديده أو الخناق على الآخر، أو إغراءه. الحب من طبعه يحب الحرية، ومناخ الحرية، لكي ينم ويكبر، لا نعتبر أنه قواعد للحب أو أصول، بل العكس له قواعده وله حدوده التي ينمو فيها الحب، والحب لا يأتي بالحيال، ولا بالعقاب، بل هو شعور طبيعي وتلقائي داخل الإنسان، وفي الآن ذاته يجد المحبين راحة طبيعية تأتي من عند الله في قلبيهما. الحب هو أن لا تقيد الآخر بأنانيتك وقناعتك الشخصية، دون أن تترك الفرصة للآخر بأن يحب بأن يختار، بأن يقتنع بهذا الحب.

لكي يضمن المحبين حرية الحب عليهما الإصغاء دائماً لصوت الله لمعرفة إرادته ومشيئته، في مشيئة الله لهما تكمن الحرية، يكمن الحب بعيداً عن المزاحمة الشخصية والأهواء والميول الشخصية.

كان هناك رباط بين مريم ويوسف، ولكن حينما علم يوسف بقناعة العذراء مريم برغبتها الجديدة ودعوتها الجديدة، ومشيئة الله لها، لم يقف في طريقها، ولم يحد من حريتها بل صار مقتنعاً أكثر بالحب ويتركها لتعمل مشيئة الله، ولكي يلتقيان معاً في حب عظيم وبحسب مشيئة الله.

د الذي يحب يعطي ويعطي الأفضل.

يوسف أحب مريم وهي أفضل شخصية لديه، ولذا قدمها هدية لله، لأن الذي يحب يمنح أغلى ما لديه وأفضل ما عنده للذي يحبه، ولا توجد أفضل وأغلى من العذراء مريم ليقدمها هدية لله.

أن يوسف كان مقتنعاً تماماً أنه الله، ولله وحده أحق بمريم العذراء أكثر منه، ويعلم يوسف أن سعادة مريم تكمن في اختيار الله لها، ولذا يقدمها بكل فرح وسعادة.

الحب ليس أنانية، ليس امتلاك، ليس رغبة، ليس عاطفة، الحب عطاء بذل وسخاء، الحب هو القدرة على العطاء، وهذا يوسف النجار الذي عرف معنى الحب الحقيقي والأصيل.

ثالثاً : على ضؤ حب يوسف ومريم يقيم الحب البشري.

أن يوسف أحب حباً إنساني قوي، لأنه لا يوجد الحب في قلب يوسف لامتلكته مشاعر الانتقام من مريم، بدون التفكير في أي شيء آخر.

من يوسف أيضاً نتعلم أن الحب الإنساني مهم ومفيد وبناء، ولكنه يتعرض أحياناً للاهتزاز، للشك، للصدمات، والحب الإنساني وحده لا يستطيع الصمود أمام التجارب إن لم يوجد له المعين والمقوي، لقد قضي يوسف البار ليلة في حالة من القلق والحيرة والانزعاج، وكاد حبه الإنساني ينتهي عند أول محك أو اختبار له.

وهكذا الحب بين الناس إذا اعتمد على أنه مجرد مشاعر وعواطف إنسانية محضة، قد يتعرض لاهتزازات.

نتعلم من خلال قصة يوسف والعذراء مريم هو أن الحياة لا تبنى على العواطف البشرية، ولكن على كلمة الله وإرادة الله، لأنه يرتبط الإنسان عاطفياً بشخص ما أو جماعة ما، ولكن هذا الارتباط ليس موافق لمشيئة الله ولمجده، أو هذا الارتباط ليس فيه خير الكنيسة أو الجماعة أو الأشخاص. فعلى الإنسان أن يصغي دائماً لصوت الله ومعرفة مشيئته، إن مقياس الحياة ليس مرتبطاً دائماً بالعواطف البشرية، ولكن بكلمة الله ومشيئته والتي هي فوق كل شيء.

 

 

 

الموضوع العاشر

  1. الحوار مع الله ينمي وطور الحب.

مقدمة :

لابد من لقاء روحي بين النفس التي تحب والله، لابد من وجود اختبار روحي قوي، لكي يقوي هذا الحب ويغذيه، ويجعله فوق صدمات الحياة وتجاربها.

ومن خلال حوار الملاك مع يوسف يقودنا إلى اختبار حقيقي من هذا النوع.

أولاً : مرحلة الصراع والشك والتردد.

“فعزم على أن يتركها سراً” مت 19:1.

أن القديس يوسف هو إنسان كسائر البشر، ولا يوجد إنسان من بني البشر، إلا وهو معرض للتجربة، ومعرض لمواجهة ضعفه ونقصه في اختبار حقيقي في الحياة العملية والروحية، ومرحلة الصراع والشك والتردد التي عاشها القديس يوسف تُعد مرحلة طبيعية وواقعية جداً في طريق القداسة. ولا نظن أن حياة العذراء تحول دون السقوط في لحظات من الشك أو الضعف أو التردد، إن حياة القداسة تساعد الشخص على النهوض،  وعلى الثقة في رحمة ومحبة الله وتشجيعها في طريقها نحو الله، ولكنها لا تمنع إطلاقاً المواجهة بين الشخص وضعفاته ونقائصه.

لا نلوم القديس يوسف النجار على شكه وتردده وحيرته، فهناك أمور كثيرة في حياة القديس صغيرة جداً، ولكنها تجذبه وتدفعه للشك والحيرة وسوء الظن، أما وضع القديس يوسف فليس بالأمر السهل والعادي لكي يتقبله بسهولة، ولا ننسى أن القديس يوسف النجار هو إنسان وضع في ظروف غامضة ووضع غامض لم يجد له تفسيراً، أو مبرراً عند مريم العذراء ولا من غيرها .

الصراع داخل يوسف النجار بين عدة أشياء مهمة هي صراعه بين قلبه الذي يحب، وعقله الذي يفكر، صراعه بين حبه لمريم وبين ذاته المخدوعة فيها، صراعه بين ذاته وبين أفكاره والخير الذي يريده أن يستمر في وضع الشك.

من من بين البشر لم يختبر مثل هذا الصراع الواقعي الحقيقي؟ وإن لم يكن أختيره أحد، فعليه أن يجسد شخصية يوسف أمامه ليعطيه خبرته عن هذه المرحلة.

ثانياً : مرحلة التطهير والتحرير من الخوف والشك.

وبينما هو يفكر في هذا الأمر، ظهر له ملاك الرب في الحلم وقال له “يا يوسف ابن داود، لا تخف أن تأخذ مريم امرأة لك، فهي حبلى من الروح القدس” متى 20:1.

الذي يطلع من السماء ويعرف معاناة الإنسان وصراعه مع ذاته، ومع عدو الخير، لأجل الوصول للحقيقية، ولمعرفة الحق، أرسل ملاكه إلى يوسف.

لا نظن أن موقف الله يكون سلبياً إزاء الإنسان الصادق والمخلص في البحث عن الحقيقية والحق، والذي لا يستسلم للضعف والنقص. الله يسرع لإنقاذ مثل هذا الإنسان ويطلقه حراً ويخلصه من دائرة الحصار الذاتي أو الشك، علينا أن نثق في معونة الله في مواقف حياتنا المختلفة.

لقد أرسل الله ملاكه ليوسف، لكي يوضح له الأمر ويكشف له السر، وذلك ليحرره من الخوف والشك ويحرره من سوء الظن فمن هي أطهر نساء العالمين أجمعين وأقدسهم السيدة مريم العذراء.

إن الخبرة تقول أن الله يختار من البشر من يتعلم معهم ويكلفهم ببعض المهام، والإنسان الذي يخطو خطواته مع الله لابد أن يشعر بالأمان والطمأنينة، لأن خطوات الله والتي تأتي من عند ليس فيها خوف. ففي بداية الأمر قد لا يفهم الإنسان المفهوم الحقيقي لمعنى دعوته، ولكنه يشعر بالأمان والهدوء والاستقرار والارتياح إزاء هذه الدعوة أو الخطوة المقبل عليها. إن الذي يميز عمل الله داخل النفس عن غيره هو الإحساس بالسلام الداخلي والهدوء الباطني، بالرغم من عدم قدرة الإنسان على فهم محتوى كل الأمور.

لا تخف أيها الإنسان المدعو من الله دعوة حقيقية لا نخف من خطواتك المخجلة والتي تبدو لك مجهولة وغير مفهومة. لأن الله الذي اختار مريم العذراء وجعلها في مثل هذا الوضع والذي أثار حولها نظرة الشك من قبل أحب الناس إليها هو نفسه الله الذي تولى الدفاع عنها وهي صامته لم تفتح فاها لتبرر أو تدافع عن ذاتها .

إن الله الذي اختار يوسف لدعوة معينة أو مهمة في تاريخ الخلاص، لم يتركه هكذا في شكه وحيرته وصراعه مع فكره، بل أرسل ملاكه ليساعده على أن يتحرر من الخوف والشك وسوء الظن، ويمنحه الطمأنينة، ويكشف له عن سر العذراء. قد يكون السر أكبر من يفهمه يوسف النجار، ولكن الله يكشف أسراره لأبنائه الأبرار وعبيده الأنبياء .

 

ثالثاً : المسئولية الكبرى المعروضة على يوسف.

“لا تخف أن تأخذ مريم امرأة لك” متى 20:1.

إن الشخص الذي ينمو في الحب، والذي يحب حباً ناضجاً يعلم تماماً أن الحب مسئولية وليس تلاعب بالألفاظ أو المشاعر التي للآخر.

إن الحب الذي ينغرس في قلب إنسان في حياة الصلاة، يقود هذا الإنسان إلى تحمل المسئولية لأن الصلاة تجعل من حبه حباً ناضجاً.

في حديث الملاك مع يوسف، نجده يلقي على كتفي يوسف بمسئولية ورعاية واهتمام بالعذراء مريم وبجنينها أو ثمرة أحشائها. وكأن الملاك يقول ليوسف أنت من الآن وصاعداً مسئولاً أكثر عن حياة العذراء وطفلها، وكأنه يقول أيضاً أن العذراء في احتياج إليك الآن أكثر من أي وقت مضى.

إن يوسف الذي فكر نتيجة لشكه وصراعه الفكري أو العقلي أن يترك مريم ويبعد عنها هو يوسف ذاته الذي بعد أن التقى بملاك الرب تحمل المسئولية الكاملة الخاصة بمريم وبثمرة بطنها.

إن الحب الحقيقي والناضج يعرف من خلال المواقف وتحمل المسئولية في وقت الشدة والضيق والتجارب، وذلك لأن الحب ليس بالتسلية عن طريق المغازلة والمجاملة الكلامية في جمال ومحاسن الآخر أو بمشاعره.

لن يقدر يوسف على التخلي عن مريم العذراء لأنه يحبها حباً ناضجاً كاملاً في حضور الله ولأنها صارت جزءاً حقيقياً من كيانه بل كل كيانه وعمره وحياته ومستقبله.

رابعاً : يوسف أول من أكرم العذراء وأول من تعبد للطفل يسوع.

أعتقد أن يوسف البار، أخذ يتأمل في عظمة وقيمة النعمة المعطاة له من قبل الله، ويتأمل في قيمة الشرف والكرامة في أ، يعيش في بيت واحد وتحت سقف واحد مع واحدة مختارة ومملوءة بكل نعمة وبركة وقداسة بل وتحمل في أحشائها القدوس البار الذي لا تحده سماء ولا تحتويه أرض.

لقد أمضى يوسف حياته وهو يتأمل، ويفكر في عظمة هذه النعمة، ويخدم ويرعى بأمانة العذراء مريم والطفل يسوع، وهو يرى ذاته أنه غير جدير وغير مستحق أن يخاطب العذراء باسمها أو يلامس الطفل يسوع، لقد أمضى حياته مأخوذاً بقداسة وبجمال العذراء مريم وبعبادة الإله المتجسد الطفل يسوع.

“فلما قام يوسف من النوم، عمل بما أمره ملاك الرب، فجاء بامرأته إلى بيته، ولكنه ما عرفها حتى ولدت ابنها فسماه يسوع” متى 24:1-25.

 

Text-to-speech function is limited to 100 characters

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO