الأحــد الخـامس للقــيامة ! تذكار مار أدى رسول المشرق

الأحــد الخـامس للقــيامة ! تذكار مار أدى رسول المشرق

2015.05.03

يُتلى علينا اليوم إنجـيل ( يوحنا 21: 1-14 ) ويدور حول ظهور يسوع الثالث للرسل بعد القيامة على بحيرة طبريا في الجليل حيث قررَ بطرس أن يعود الى مهنتِه الأولى ،إذ إعتبرَ نفسَه غيرَ أهلٍ لأن يُبقيه المعلم بعدُ رئيسا ومسؤولا عن كنيستِه. يرافقهُ ستةٌ آخرون وفي قاربِ بطرس وحدَه. يحاولون الليلَ كله ويتعبون دون أن يصيدوا  سمكة واحدة

عند الصباح وقف شخصٌ مجهولٌ على الشاطيء يسألُهم إنْ كان لهم طعام. قالوا ” لا “. فنصحهم بإلقاء الشبكة الى يمين القارب وآمتلأت حالا سمكا. ورغم كثرة السمك لم تتمَّزق الشبكة!. عندها عرفوا أنه يسوع. فأسرعَ بطرس للقائِه. ولما نزلوا من القارب وأفرغوه رأوا أمام يسوع “جمرًا عليه سمكٌ ، وخبزًا “!. مع ذلك طلبَ منهم أن يُقدموا له من سمكهم. إلا أنه رغم كلِ ذلك ” أخذ يسوعُ خبزَه وناولهم إيَّاهُ ، وكذلك ناولهم من السمك ” الذي كان يشوى على النار!. ونوَّد اليوم أن نتأمل في هذا الأمر

  • جمـرٌ يشوى عليه سمك ، وخبزٌ

لماذا طلب يسوع من الصَّيادين ” شيئًا يُؤكل ” ومعه هو سمكٌ وخبزٌ؟. ومن أتى بها له ولا أحد غيرهم في الديرة؟. مع ذلك لم يتجاسر التلاميذ أن يفتحوا أفواههم لينطقوا بكلمة !. بل خجلوا من أنفسهم أنهم لم يتعَّرفوا عليه!. و أخرسَهم حياؤُهم تجاهه وقد نووا أن يعودوا الى مهنتهم بعد أن تركوها ثلاث سنوات. ولم يمرّ بعد شهرٌ على قيامة معلمهم وعلى تكليفهم بصيد البشرية لله في شباك الأيمان :” كما أرسلني الآب أرسلكم أنا “(يو20: 21)

ربما لم يتذكروا قول معلمهم ، و أراد أن يذَّكرَهم به، وهو :” إنَّ الغصن لا يُثمر من ذاتِه إلا إذا ثبتَ في الكرمة. وكذلك أنتم: لا تثمرون إلا إذا ثبتم فيَّ.. بدوني لا تقدرون على شيء ” (يو15: 4-5). فعلا لم يتذكروا هذا إلا بعد حلول الروح القدس عليهم. أما الآن فقد تأكدوا من شيء واحد : حضورُه معهم ضروريٌ. فهو قُوَّتُهم ، وضمانُ إستمرار حياتِهم و نجاحهم في رسالتِهم وخدمتهم. لأنَّ يوحنا لا ينقلُ خبرًا فقط لأنه قد وقع. إنه يكتبُ للكنيسةِ وكلُّ الرسل ، ما عداه ، قد إستشهدوا. إنه ينقل للأجيال المسيحية التالية أنَّ كلمة الرب لن ترجع فارغة إليه وأمرُه لابد وأن يُنَّـفذ ، فقد قال أنها ” تعملُ ما شئتُ أن تعملَه، وتنجحُ في ما أرسلتها له “(اش55: 11). اللهُ هو الذي وهبَ الحياة للأنسان و وفَّر له الطعام. الله هو أيضا الذي يُخَّصصُ لكل إنسان مهمة خاصّة يخدمُ بها الإنسانية ، ويسنده فيها

كان أغلبُ الرسل صيادين. دعاهم يسوع الى ترك هذه المهنة و كلَّفهم أن يصيدوا بإيمانهم البشرَ فيؤمنَ هؤلاء بدورهم بالله. قوتُ البشر هو الخبز. أما القوتُ الألهي فهو كلمة الحق وماؤه الحبُ الصادق. أطلبوا ملكوت الله وبرَّه، أما الخبز والسمك فيُزيده الله لكم (متى6: 33). لا بُدَّ وأنهم تذكروا كيف أشبع خمسة آلاف رجل من خمسةِ أرغفةٍ وسمكتين (يو6: 9؛ متى14: 17). لذا لم يستغربوا ولا ناقشوه. بل قبلوا نعمته ساكتين!. الله لا يحتاجنا بل هو الذي يُطَّعمُنا ويسند حياتنا. يريدُ من الانسان أن يثقَ به ، ويُصغي اليه، ويؤَّديَ مهمته ودورَه عائشًأ في الحق والمحبة. هذا هو طعامُ الله. فهل يجوع الله الى البشر؟

نعم، وطلبَ منهم أن يعطوه ما يُؤْكلُ!. مع أنه لا يحتاجُ الى طعامهم. لقد وجَّهَ عملَهم و صحَّحَ خطأهم. بل كمَّلَ نقصَهم. فهو يحتاجُ الى نفوسِهم كي لا تهلك. يجوع الله الى حب البشر وإيمانهم وثقتهم ليشاركوه عمله ويحملوا معه عبءَ خلاص البشرية. لقد خلقهم على صورته أحرارا يزرعون الحق ويُسقون الخير. يجوع الى أن يُشارك البشرَ في مجدهِ و راحتِه. لقد خلق الله الأنسان في فردوس أى حالة سعادة ، لكن الأنسان خسرها بسبب عدم سماعه كلامه وعدم الثقة به وعدم المحبة له. الله جائع الى تجاوب الأنسان، كل إنسان، مع هذه المواقف التي تضمن الحق وراحة الأنسانية. لقد وفَّر الله للأنسان كلَّ حاجاتِه ، تنقصُه

فقط أن يتصَّرفَ هو أيضا مثل الله كي لا يفشلَ في حياتِه. لقد أحبَّ اللهُ فأثمرَ وأعطى. و ينتظرُ الآن من المؤمنين به أن يفعلوا كذلك ، فيُحّبوا ويُثمروا ويُعطوا

  • هاتوا من السمك الذي إصطدتم

لقد إصطادَ يسوعُ الرسل في شباك الأيمان. ودرَّبهم على هذا النوع من الصيد. فها هو الآن قد قام مُنهيًا مهمته فسَّلمَ الجهادَ الى الكنيسة ويُطالبُ أتباعَه عبرالأجيال والأمصارأن يُعطوه ما ” أثمروا “. سبق وقال الروح بفم المعمدان ” أثمروا ثمرا يليقُ بالتوبة ” (متى 3: 8). بطرس قد تاب من نكرانه. والتلاميذ تابوا من هجرانهم وآنهزامهم. وقد قبل يسوع توبتهم. سبق يوحنا وأخبرَ بأنَّ يسوع قد زوَّدهم بعد قيامتِه بالروحَ القدس (يو20: 22). والآن حان الأوان ليقطفَ ثمرهم. ينتظرُ الله ثمارَ جهودِهم :” هاتوا مما إصطدتم أنتم “!. نعم ، كم سمكا صِدتم ؟ كم إنسانا أهديتم الى الحق ؟ كم واحدًا عمَّذتم ؟. كم واحدًا خلَّصتم ؟. كم واحدًا غيرَكم درَّبتم ليستلم منكم الراية ؟. كم شعبًا آمن بالله وكم أناسًا تبعوا المسيح بناءًا على شهادتكم؟

عند الخلق الأول نفخ الله في الأنسان الحياة وزوَّدَه بكل الطاقات الفكرية والحسية وسَّلمه الكون وما فيه وسَّلطَه عليه وكلَّفه بقيادته الى كماله (تك1: 28)، إذ أخذ ” الربُ آدم وأسكنه في جنة عدن ليفلحها ويحرسها”(تك2: 15). ولكن سُرعان ما سُحبَ البساط من تحت أرجله. سقط الأنسان في حفرة الشيطان. وبالقيامة جَّددَ الله الخليقة وحرَّر الأنسان فأقامه من كبوتِه. ونفخ فيه من جديد. هذه المرة من روحِه حتى لا يقوَ ابليس على غشّهِ وإغوائه. غرس الربُ كرمًا جديدا وسلمه الى من فتحَ لهم أذهانهم وسدَّدَ خطواتهم وأعانهم على فلاحة البشرية. و الآن فقد حان أوان القطاف. وينتظرُ الرب أن يكون رسله قد أدركوا رسالتهم وأجادوا في تحطيم قيود الضلال والشر والفساد ، وأدوا بذلك رسالتهم الأزلية المكلفين بها منذ وجودهم في فردوس الله. لم ينسَ الربُ أنه خلق الأنسان على صورته و كلفه أن يشاركه عمله. يحترم الله عمله ولا يسمحُ أ يُسحبَ البساطُ من جديد من تحت أرجل أعوان المسيح. وإذ يحترم ايضا حرية صورته فلا يُرغمه على شيء بل يعامله بالكرامة التي أولاه إيّاها. إنما يطالبُه اليوم بثمار عمله، بالنتيجة. إذ ” لما حان وقت الثمر، أرسل عبيده الى الكرامين ليأخذوا ثمر الكرم” (متى21: 34). لقد أدَّى الربُ دورَه وكثَّفه فضاعفَه. أرشدهم أن يلقوا الشبكة من الجهة اليمنى. وشعر أنهم تعبوا بجر الشبكة و تفريغها ، فهيَّأ لهم حتى ما يسد جوعهم ويُنعش قواهم فناولهم الخبز والسمك. والآن جاءَ دورُهم ليقدموا له ما أثمروا

يكتبُ يوحنا لكنيسة المسيح ماذا أثمر أبناؤُها ورُسلها اليوم؟. وماذا قد هيَّأوا للغد؟. وقبل أن يُطالبَ الربُ بالثمر قد جهَّز عونه ووَّفرَ حاجة كنيستِه وتلاميذه. سمكه ينشوي بآستمرار على جمرات حبّه ، وخبزُه الحار لا ينقطع ولا ينقصُ أبدا. ولا ينفكُ يناولُ أتباعه غذاءَهم حتى لا يخوروا في طريق الجهاد. لقد وعدهم الرب قائلا ” لا أدعكم يتامى” ، فقراء و مُعوَّزين. وأكدَّ انه يُرافقهم في شدائدهم في مسيرة رسالتهم الأيمانية (لو24: 15-16). إنه معهم دائما ليوجّهَ صيدهم ويُنصرَهم. يتواصلُ عمله في كنيسته كما تتواصلُ الكنيسة و تسترشدُ بتعليمه. يعملُ الله من خلال الأنسان، ويتابعُ الأنسان عبرَ الأجيال عملَ الله وبقُّوتِه

ينتظرُ اللهُ منا ثمارًا لنعمِه التي سكبها فينا ، فماذا تقَّدمُ له أيادينا ؟ (رم2: 6)

القس بـول ربــان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO