الأحـد الرابع للقــيامة


الأحـد الرابع للقــيامة
  

                           2015.04.26

يُتلى علينا اليوم إنجيل -::< يوحنا 16: 16-33 >::- يشعر يسوع بضيق الرسل وألمهم لفراقه لهم. ويتألمون بالزايد لأنهم يتصَّورون الفراغ الذي سيحدث في حياتهم من جهة ، و من أخرى الخطرَ الذي يحدق بهم بسبب عداء اليهود لهم ايضا لأنهم آمنوا بيسوع وسمعوا كلامه ، بل تبعوه وتحَّزبوا له رغم تهديد الرؤساء بمعاقبة كل من ينحاز الى يسوع. يريد يسوع أن يُلَّطفَ خاطرهم وأن يعَّزيَهم مسَّبقا بما سيلحقُ آلامَه وموته. لاسيما وأن يُشَّجعَهم على مواجهة الشدة بإيمان ثابت لأنَّ حزنَهم سيكون قصيرا وخوفَهم سيبطل. أما الفرحُ الذي يعقبه فسيدوم ولا أحد يقدر أن يخطفه منهم. يكفي أن يتكلوا عليه ، وأن يسألوا الآب ويطلبوا منه ما شاؤوا بآسمه

  • أُطـلبــوا تنــالوا  

لقد تألم الرسل مرة لأنهم لم يقدروا أن يشفوا مصروعا (متى17: 19). فعَّلمهم يسوع أن ألأمر ليس هَّينا، و أنهم لا يقوون بقوتهم الخاصة على تحَّدي الروح الشرير. لأنه أذكى منهم. لكنه أكَّد لهم بأنهم يقدرون على ذلك بواسطة الصلاة. والصلاة تُرفع الى الله، لأنَّ الله قادر على كل شيء. فالأتحاد بالله وإرضاؤُه يكفلُ للمؤمن أن يُحقِقَ المعجزات. والأتحاد يتم بالله عن طريق المحبة، وإرضاؤُه يتم بإتمام مشيئتِه. ” إذا ثبتم في محبتي وحفظتم وصاياي ، إسألوا ما تشاؤون تحصلوا عليه “(يو15: 7-10). وها هو الآن يدُّلهم على أفضل السبل : ” إرفعوا صلاتكم الى الله بآسمي”!. بآسم المسيح يعني أنَّ المسيح نفسُه يرفع تلك الصلاة. و قد سجَّل يوحنا إحدى أهم صلاة ليسوع عند إقامة لعازر، قال فيها :” أشكرك ، يا أبتِ، لأنك استجبت لي. وقد علمتُ أنك تستجيبُ لي كلَّ حين “(يو11: 42). و بالمقابل أعلن الآب أيضا عند تجلي يسوع وقال عنه :” هذا هو ابني الحبيب الذي عنه رضيتُ ، فله إسمعوا ” (متى17: 5)

نحن نصلي كثيرا. ربما أكثر من اللازم. ونصابُ أحيانًا بالخيبة لأنَّ الله لا يستجيبُ لنا. لماذا ؟ لأننا لا نعرف ،كما قال يعقوب الرسول، أن نصَّلي. إننا نسيءُ الطلب ، بسبب أهوائنا. قال يسوع أن نطلب في صلاتنا أولا ” ملكوت الله وبرَّه ” وبقية الحاجات تتوفرُ لنا (متى6: 33) . الله يعلمُ حاجاتنا وقد وفَّرها في الطبيعة قبل أن يخلقنا. نسيَ البشر خالقهم وأهملوا وصاياه. تمرَّدوا عليه وتصَّرفوا بهواهم. يسوع وحده عمل أعمال الله وسمع كلامه. لقد أرضى الله. لذا صار هو وحده طريقنا الى الله، وحده يعرف الحق ويشهد له، وحده له الحياة ويقدر أن يعطيها لمن يشاء (يو5: 29)، وحده النموذج الذي نقتدي به (يو13: 15؛ اف5: 1-2: 1كور11: 1). والله يستجيب له. والصلاة التي يشفعها وترفع بآسمه لن تعود فارغة. لأنه يرفعها بمحبة وثقة. وثقته تنبعُ من حفظه وصايا الله، وحفظُه تبَّررُه محبتُه. و من يصلي بآسم يسوع يكون قد ضمن أولا ثقته به. وحتى يضمن ثقته يجب أن يُحبَه أولا ، ودليلُ المحبة هو سماع كلام الله دوما بلا قيد أوشرط ، وبلا طمع أو مصلحة

  • الآبُ يحبُكم ، لأنكم أحببتموني

يسوع الأبنُ الحبيب لله لذا لا يرد له طلبا. ويسوع قد أحبنا نحن البشر. وأحبنا ” الى أقصى حد ممكن “(يو13: 1). أحبنا حتى ضًّحى بنفسه من أجلنا :” أنا هو. فإذا كنتم تطلبوني فدعوا هؤلاء يذهبوا. فتمت الكلمة التي قالها آنفًا: لم أدَع أحدًا من الذين وهبتهم لي يهلك ” (يو18: 8-9). أحبهم فأنقذهم من الموت. ودفع الثمن بالتضحية بحياتِه!. فطبقَّ ما عَّلم :” ما من حُّبٍ أعظمُ من حُّبِ من يبذلُ نفسَه في سبيل أحّبائِه “(يو15: 13). و يسوع والآب واحد (يو10: 30). فمن خلاله وبه أحبنا الآب ، بل تبنانا فيه أبناءَ و ورثة له (رم8: 17). و محبته لنا عظيمة الى درجة بحيث ” لا شيءَ بوسعه أن يفصلنا عن محبةِ الله لنا في ربنا يسوع المسيح” (رم8: 39)

فكل من آمن بيسوع وأحبه يؤمنُ بالله ويُحّبُه ، وبالتالي يُحِبُهُ اللهُ ، الآبُ والأبن ” ويجعلون لهم عنده مقاما ” (يو14: 23). وما دام يسوع مرسَلَ الآب فمحبة المؤمن ليسوع ترضي الآب وتفَّرحُه. لأنَّ تلك المحبة تعني قبول رسالة الله. تلك المحبة للمسيح تعني الأيمان بالله والثقة به والأستعداد لسماع كلامه. وهذا ايضا يرضي الرب. لأنه لم يطلب أصلا من شعبه سوى هذا: ” أُسلك أمامي.. إحفظ عهدي..” (خر17: 1-10)؛ ” إسمعوا.. أحبوا الرب الهكم .. ولتكن الكلمات التي أنا آمركم بها اليوم في قلوبكم” (تث6: 4-6). “..إحفظ جميع الوصايا التي آمرك بها اليوم ، وآعمل بها لتحيا..” (تث8: 1). و” إنْ سمعتُم كلامي وحفظتم عهدي، فإنكم تكونون شعبي الخاص بين الشعوب.. وتكونون لي مملكة كهنةٍ ، وأُمَّـة ً مقَّدَسة ” (خر 19: 5-6)

إفتهم موسى محبة الله لهم فألحَّ على الشعب أن محبتهم له تقوم على الأمتثال لمشيئته ، فقال للشعب :” ما الذي يطلبه منك الربُ الهُك إلا أنْ تخافَه، وتسلكَ في كلِ طرقِه، وتُحّبَه وتعبُدَه بكل قلبك وكل نفسِك، و تعملَ بوصاياه وسُنَـنِهِ ..”(تث10: 12-13).  شريعة المحبة لا تقومُ على منفعةٍ متبادلة. بل هي شريعة الله تفَّسرُ معنى الحياة وتعطي لها قيـمتها الأصلية ألا وهي ” حياة الأنسانِ من نفس الله ، وهو صورته بين الخلائق. ويسوعُ جسَّدَ هذه المحبة بشكل حَّسي ٍ وسام ٍ. فمن يتفاعلُ معها يكون يحقق عملَ الله ويَشُّـعُ صورته. فمن أحب يسوع يُحبُه الله لأنه إختار الطريق الصحيح للحياة

والرسل أحبوا يسوعَ وتعَّلقوا به فوقَ العادة. وهذا ما سندهم ليصمدوا عند محنة مأساة موته. أحبوه بجنون. أحبوه أكثر من كل شيء، حتى من حياتِهم. لأنَّ فيه وحدَهُ تجَّسدَ الحقُ والحبُ والعدلُ والإخاءُ. وسيستشهدُ أغلبهم حُّبًا به ، مُفَّضيلن فقر المسيح على كنوز العالم ، وآلامَه وحتى ذُلَّـه على أمجاد الدنيا وملذاتِها. ضمَّدَ يسوع جرحَ التلاميذ حتى لا يسقطوا تحت وطأة الشدة. ونبَّههم الى أن المحبة سلاحُهم في معركةِ الصمود. لأنَّ المحبة هي وسيلة الله ليتعامل مع الناس ويُقَّـيمُ بها حياتهم. الله يُحبُنا إذا أحببنا المسيح وسرنا في دربه. ونهاية مطاف المحبة هي أن يكون المؤمنون بالمسيح حيث يكون هو (يو 14: 3) ، ويعاينوا مجده (يو17 : 24). هذا هو ايمان الكنيسة أنَّ :” آلامَ هذه الدنيا لا تُوازي المجدَ المزمعَ أن يتجَّلى فينا ” (رم8: 18)

لا يجَّنبُ الله المؤمن الضيقَ والشدائدَ. إنما يريد لتلاميذه السلام الداخلي عندما يعرفون المصير النهائي لمن يتبعونه ، وبالتالي لهم أيضا. ” ستعانون الشدة ” قال لهم. ولكنها لا تُمحُ. ” إصبروا لها ” لأني أنا المنتصر، و ستنتصرون أنتم أيضا

 القس بـول ربــان

  

    

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO