الأحـد الثـالث للقــيامة

الأحـد الثـالث للقــيامة

  2015.04.19

يتلى علينا اليوم إنجـيل -::< يوحنا 14: 1-14 >::- قبل أن ينفصل يسوع عن الرسل بآلامه وموته ، ولأنه يعرف مدى قساوة هذا الأنفصال وشَّدة المحنة، أرادَ أنْ يخَّففُ من وطأتها عليهم بدعوتهم الى الأيمان. ثم يتحَّدث معهم عن منازل الآب، وعن ذهابه لإعداد المقام لهم معه لدى الآب. فيسوع هو الطريق الذي يقود الى الله ، لأنه هو الله المرئي ، فمن يراه يرى الآب. وبما أنهم يعرفونه هو وقد رأوه فهم يعرفون الآب أيضا وقد رأوه فيه لأنهما متحَّدان ” يسوع في الآب والآب في يسوع ” وعملهما واحد وكذلك كلامهما. فذهابه الى الآ ب يعني إستعادة مجده الأزلي (يو17: 5) ، الذي تنازل عنه في تجسده :” مخليا ذاته ، متخذا صورة العبد وظاهرا كإنسان “(في2: 7)، وضمانٌ لخلاص تلاميذه. يزرع يسوع العزاء في قلوبهم مهَّيئا إياهم لتحَّدي مأساة موته بالنظر الى المجد الذي ينتظرهم إذ سيأتي يوما ويأخذهم ليكونوا معه (آية 3)

لا يخلُصُ أحدٌ إلا بيسوع  

لما كان يُحَّدثهم لم يكونوا يتفقهون معنى كلامه. وآستفَّزَ كلامُه توما الأنسان البركماتيكي فآعترض ببرائته الصبيانية المعهودة :” كيف نعرف الطريق ولا نعرف أين تذهب”! كيف يمكننا أن نثقَ وأنت غامضٌ علينا ولم نعلم الى الآن من أنتَ؟. نحن نعلم أن المسيح لا يموت وأنت تقول بأنك تموت ؟(يو12: 34). أنتَ من تكون؟. رَّدَ عليه يسوع أنه هو ” الطريق والحق والحياة ” ! أى إنه هو الله. وأضاف أنه لا يستطيع أحد أن يخلص – أن يمضي الى الآب – ما لم يؤمن بأنه الله. لم يفهم توما ولم يُصَّدق. ونعلم أنه حتى رفض أن يُصَّدقَ قيامة يسوع. إلى أن رآه بأم عيونه حَّيا فصرخ ” أنت الله : ربي والهي”

ولم يفهم بقية التلاميذ أيضا أنه يعني أنه الله. فلَّطفَ فيلبس الجو فقالَ أنهم يتمنون بآختصار معرفة الله ، مشاهدة الآب كما يشاهدونه هو. أن يكون يسوع هو المسيح إبن الله أى رسوله إليهم ، لا بأس. أمَّا أن يكون هو ” الله “، فليس سهلا تصديقه وهو يأكل معهم ويتصرف مثلهم إنسانا كاملا!. إنهم لا يستسيغون تلك الفكرة. فيعودُ يسوع ليقول لهم :” من رآني رأى الأب” و آمنوا ” أني في الآب والآبُ فيَّ “. فمن أراد أن يخلص ويتنعم بمجد الله وسعادته لا سبيلَ له غير أن يؤمن بلاهوته هو، لاسيما وأنَّ أعماله ليست عمل إنسان بل أعمالٌ الهية تفوقُ قدرة الأنسان وفكرَه

لا أحد يؤمن بالأبن إلا عن طريق الآب 

وإنْ لم يكن بوسع أحد أن يصل الآب دون المرور بيسوع ، هكذا لا أحد أيضا يقدر أن يؤمن بيسوع ” إلا إذا آجتذبَه الآب الذي أرسلني” (يو6: 44). من لم يكن مؤمنا بالله ولا بتعليمه لن يقدر أن يعترفَ بيسوع أنه من الله. لأنه يتحَّدثُ بآسم الله  ويُصَّورُه في أعمالِه. فعلا قال الفريسيون عن يسوع:” هذا الرجل ليس من الله لأنه لايحفظُ السبتَ”(يو9: 16). لم يفهموا أصلاً معنى السبت كما أراده الله ولا إلتزموا به. يؤَّكدً عنهم يسوع :” إنهم لم يعرفوا أبي، ولا عرفوني” (يو16: 3؛ 15: 21).  ولأنهم لم يعرفوا الله حَّقًـا لم يؤمنوا أيضا بيسوع (يو16: 9). و كان الشَّكُ في هوية يسوع لا يزالُ يقُّضُ مضاجعَهم ، حتى صرخوا مرة في وجهه قائلين:” إلى متى تُدخلُ الريبة في نفوسنا. إن كنت أنت المسيح فقل لنا صراحة ” (يو 10: 24).  ومن لايؤمن بالسّيد صعبٌ عليه أن يُصَّدقَ رسولَه ويؤمن به. لأن الرسول لا يتكلم ولا يفعلُ شيئًا من عنده (يو5: 36؛ 7: 16؛ 8: 28). فلم يؤمن قادة اليهود بيسوع حتى لما أعطاهم العلامة ، أى أعمال الله المذكورة في الكتاب.

وهكذا سيكون مصير الكنيسة أيضا وموقف العالم منها. الكنيسة هي جسد يسوع المسيح السري، وأساقفتها رسل يسوع الى العالم (يو 17: 18). لم يذق العالم طعم حياة الله الروحية ولا يفكر أهله بالله وحياته ورغباتِه. العالم وأهله منشغلون بهموم الحواس وحاجاتها وملذاتها. لم يعرفوا الله ولا يبحثون أن يعرفوا الله. فمن الصعب أن يقبلوا بالله وبرسله. والعالم يبغض من ليس منه وله (يو15: 19). ولهذا ، و حتى اليوم ، يلاقي المؤمن الصعوبات الجَّمة في نشر إيمانه بين الناس المُلحدين

آمنـوا بالله وآمنوا بي أيضًا  

أما الله فلا يفرضُ نفسه بالقوة. إنَّه أبٌ لطيف يتعامل مع الناس بالحب والرحمة. أما أهل العالم فأناس عقوقون ينادون بالحرية ويؤمنون بالعنف والكره والأنانية. وجاءَ يسوع لينقذهم من هذا الداء. فدعاهم الى التواضع والطاعة ونبذ العجب والأنانية وأعطاهم المثل (يو13: 15)، لذا شجع الرسول المؤمنين على التخَّلق بأخلاق المسيح (في2: 5). وهذا صعبٌ ، إذا لم يستحيلْ، على من لا يؤمن إلا بنفسِه. وعليه دعا يسوع الناس، وتلاميذَه في المقدمة، إلى أن يؤمنوا. أن يؤمنوا بوجود الله ، وبحَّقانيتِه ، وبمحَّـبتِه ولا سيما بحضوره معهم. هذا ما أُفتُـتِحَتْ به قراءة إنجيل اليوم :” آمنوا بالله وأمنوا بي”. الأيمان بالله يقود الى الأيمان أيضا برسوله. والأيمان برسوله يُسَّهلُ طريقَ الأنسان الى معرفة الله بشكل صحيح، أى كما هو عليه ، وكما كشفَ ذاته عبر التاريخ ، وليس كما يحلو لنا أو يُصَّرفُ لنا.

لقد إستماتَ شعبُ الله دفاعًا عن إيمانه. لكنه كان إيمانا بنفسه ، بقوميته وتراثه وحضارته، ولم يكن بالله ، لأنه لم يعرف الله ولا تبعه يوما حسبَ رغبته وإرشاده. لم يكد يتحرر من عبودية مصر بألف توسيلة وأعظم معجزة أجراها الله لإنقاذه ، ولمْ يُنهِ إنشادَ أغنية انتصاره (خر15: 1-21) حتى إرتاب بالله (خر17: 2-7). ولما غاب قائده الألهي موسى، نكرَ إلَهه وصنع لنفسه إلَـهًا عجلا من ذهب؟(خر32: 1-4)، وعبده (خر32: 35). الأنسان معروفٌ بأنه غليظ الرقبة وقاسي القلب يُشَّوهُ  الحقائق (خر32: 9؛ متى19: 8)، عن جهل أو عن سوء نية (يو11: 53؛ 12: 10-11؛ متى27: 18)

هل يجد ابن البشر إيمانا على الأرض 

وقد إستشهدَ أيضا ملايينُ المسيحيين بسبب إيمانهم. ولكن هل يجدُ ابنُ البشر، إذا جاءَ اليوم، إيمانا، صحيحا وقويا، على الأرض (لو 18: 8)؟. هل المليارالأحياء يشهدُون حَّقا للقيم التي من أجلها مات المسيح؟. هل يتبعون دوما الحقيقة ؟ هل يصغون دوما الى نداء محبة الله والقريب ، بأسلوبِ المسيحُ نفسه ؟ محبة لا نفعَ فيها ولا محاباة ولا تمييزًا؟. هل يغفرون ، وهل يرجون في الحياة الأبدية ، أم شأنهم في ذلك شأن أهل العالم فيرجون في هذه الحياة فقط؟. والرسول يقول :” وإذا كان رجاؤُنا في المسيج لا يتعَّدى هذه الحياة ، فنحن أشقى الناس جميعا “(1كور15: 19). والرجاءُ والجهادُ من الأيمان. وكان الرسلُ صادقين عندما سألوا الربَ أن يزيدَهم إيمانا على إيمانهم (لو17: 5؛ مر9: 24). بالأيمان برر ابراهيم ورجا ضد كل رجاء وخضع لله طاعة عمياء، ومثله فعل كل الابرار. لأنَّ الأيمان ” وثوقٌ بما نرجوه وتصديقٌ لما لا نراهُ ، وبه شهد لله للقدماء “(عب11: 1)

 القس بـول ربــان

 

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO