الأحد الثاني من القيامة… الأحد الجديد

الأحد الثاني من القيامة… الأحد الجديد

جاء يسوع والأبواب مغلقة. حيث الخوف والرعب يسودان مكان تواجد التلاميذ خوفاً من اليهود، ولكن بالأخص الخوف من انفسهم، الخوف من كيفية التخلي عن معلمهم، الخوف من خيانتهم لهُ، وانكارهِ بتلك السرعة. مع كل هذا يأتي يسوع. ذاك الذي تُرك وحيداً يعود ويقف وسط اولئك الذين تخلوا عنهُ وقت الشدة. ذاك الذي اختبر الخيانة من أقرب الأشخاص اليهِ يعود من جديد وسط من خانوهُ. هنا يكمن الإيمان المسيحي، هنا يولدُ الايمان المسيحي من حقيقة أن يسوع موجود هنا والأن، وهو حيٌ بيننا مهما أنكرناهُ وأقدمنا على خيانتهِ فهو أمين عادل

لقد جاء يسوع باحثاً عن توما وسط القطيع الصغير والخائف، باحثاً فقط عن ذاك الذي شك بقيامتهِ طالباً منهُ بأن يضع أصبعهُ في جراحهِ، ويمد يدهُ في جنبهِ!. ففي الحقيقة لم ولن يتفاجأ يسوع ابداً من شكوكنا وضعف ايماننا ولا ينتظر منا مباشرةً ايماناً قوياً وثابتاً، لكنهُ يقترب منا بحُبٍ لا مثيل لهُ ليقطع شكوكنا باليقين ويُعضد ضعف ايماننا بحضورهِ الحي

فما على توما الا أن يبادر بخطوة صغيرة جداً، الا وهي الاقتراب من يسوع القائم من بين الأموات، المطلوب منهُ هو أن يمدَ يدهُ في جنبهِ، أن يضع اصبعهُ في جروحهِ للتأكد والقضاء بشكل نهائي على شكوكهِ. فالجروح التي كانت موجودة في جسد يسوع قبل موتهِ لم تلتئم وتختفي يوم الجمعة العظيمة أي بعد قيامتهِ، هذا دليل على ان عيد الفصح ليس إلغاء للصليب، بل استمرار لذلك الفصح، هو الثمار التي نضجت في ذلك الفصح لتعطي الحياة لكل من يؤمن بيسوع الحي والقائم من بين الأموات

ان يسوع القائم من بين الأموات يهب لكل واحد منا جراح المصلوب كما وهبها لمار توما سابقاً، فهذهِ الجراح لا تنزف دماً بعد الأن بل نوراً ساطعاً وحُباً أبدياً لا ينضُب

يرفض توما كل ما يقولهُ الأخرين عن يسوع القائم من بين الأموات، فهو يعي تماما كيف أنكرهُ بطرس وخانهُ يهوذا وهربوا جميعاً وتركوهُ لوحدهِ ذاهباً الى الحكم بالموت، يصعب عليهِ كثيراً أن يُصدق بطرس وباقي التلاميذ. ويرفض ايضاً أن يبني قناعاتهُ الايمانية على خبرة الأخرين، فهو التلميذ الذي يريد أن يختبر بنفسهِ ويطرح جملة تساؤلات ويتأكد قبل أن يؤمن… 

لكن الغريب في كل هذا هو ان يسوع لم يلتقي بتوما على انفراد ليعالج شكهِ، بل عندما كانوا التلاميذ مجتمعين معاً، لتذكيرهِ بأن الانفصال عن البقية (الجماعة – الكنيسة) سيقودهُ الى المزيد من الشكوك، وكأني بهذا يطرح يسوع السؤال التالي على توما وعلى كل واحد منا: توما اين كنت عندما جئتُ وأظهرت نفسي لإخوتك في المرة السابقة؟ لماذا انفصلت عن إخوتك ؟أنسيت ما قلتهُ لكم سابقاً حيثُ اجتمع اثنان أو ثلاثة بإسمي أكون وسطهم…

هكذا اذاً نتعلم نقطتين أساسيتين من خبرة توما الرسول: اولاً الاختبار الشخصي وبناء قناعاتنا الايمانية على هذا الاختبار وليس على ما يقولهُ الأخرين. وثانياً اختبار حضور يسوع مع الإخوة المجتمعين باسمهِ، وسط الجماعة وليس بطريقة فردية أو انعزالية بعيدة عن روح الأخوة المسيحية

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO