الأحــد الخامس للصــوم

 

الأحــد الخامس للصــوم 

      2015.03.15

يُتلى علينا اليوم إنجـيل -::< يوحنا7: 37-53 >::- ويُخبرُنا عن حيرة الرؤساء ، الكهنة و الفريسيين، حول هوية يسوع : أ تُراهُ هو المسيح ؟. تصَّرفات كثيرة كالأشفية وإقامة موتى تدفعُ الى إعتقادِ ذاك. لكن تصَّرفات أخرى كآختراقه حرمة السبت وعدم خضوعه لسننهم وآتخاذِ حريته عن سيادتهم وحتى الطعن العلني أحيانا بهم ، وفوق كل هذا ضِعةُ أصله كونه من الجليل ، كلُ هذا يصُّدُهم عن الأيمان بأنه المسيح. ويحتقرون الشعب الذي بدأ يعترفُ بأنه المسيح ونعتوه بالجاهل والخاطيء. أما يسوع فدعا جميع الناس المتعطشين الى الحق ، للذهاب اليه فينالوا منه نبع الحق والحياة ، الروح القدس الذي هو مزمعٌ أن يُفيضَه على البشرية.

  الصــوم و الـزمـن   

هــذا زمــان التـوبة  

نحلمُ أن نحيا طويلا، ومع ذلك نموت. ونأملُ أن نقضيَ حياتنا في راحةِ البال، ورغم ذلك نتألم ونلاقي الضيقَ والشقاء. قَّـلما نفَّكرُ أن العمرَ ينقضي سريعا. وقليلا ما نقصد ونصَّمم على أن نستعمل الزمن بشكل يبني حياة لا نندم عليها مستقبلا. إنَّ الزمن لا يتوقف ولا يعود الى الوراء. وقلما نعرفُ أن نستعمل ” الزمن ” بشكل ايجابي يضمن تحقيق هدفنا فننعم بالراحة. نتصَّرفُ كما عايننا غيرنا يتصرف، ونؤمن بأقاويل وحكم قلما ناقشناها، بقدر ما أصررنا على إتّباعها دون مراجعة مصدر إيماننا وتسليط أضواءِ نوره على سلوكنا. وبعد زمن نشعر أننا أخطأنا التصرَّف وما باليد حيلة لمحو تلك الأحداث التي تكون قد طبعت حياتنا بشكل يصعبُ معه تغيير المسار

صلاة اليوم تدعونا الى الخروج من هذا الفخ ، والى علاجِ وضعنا المؤلم قبل فوات الأوان. تدعونا الى التوبة :” إنه زمن التوبة عن إثمنا” (ص235). إنه زمن التغيير لقضاء الزمن الباقي من حياتنا في البر والفضيلة. الزمن يسير ولا يعود الى الوراء. والأحداث التي حملها لن تتغير ولا تُمحَ لأنها أصبحت “تأريخا” رسَمَ خطوط الحياة. فقالت الصلاة :” زماننا – عمرنا – قصير يعبُرُ كالظل منا ونحن منه”(ص 235). والنتيجة: ليس الزمان ملكنا ” فلا نخطأ بآقتناءِ الزمن”. والأمور الزمنية تسيطرفيه :” زالَ زمن حياتي كله وفنيَ باطلا بالقلق على أباطيل هذا العالم”. و سوفَ نُحاسَبُ كما نبَّهت الصلاة على كيفية إستعمال هذا الزمن: ” عندما يبلغ زمن نهاية حياتي وتأتي شريعة محاسبة النفس”(ص236) إذ تُشَّددُ على أنَّ خطايانا ” تقومُ علينا لتُفسِدَنا .. بينما يلمع العدلُ كالسيفِ مُهَّددًا بأن يُبيدَنا..”

هـذا زمــان الرحمـة 

حتى لا نتندم ولا نتباكى على” أيامنا المنقضية بالشقاء وعمرنا بالحسرة “(ص236) تشَّجعُنا الصلاة على الصوم فالإصغاء الى المسيح والأقتداءِ به، قائلة:” الصومُ زمن الرأفةِ والرحمة . فيه وإليه يدعو المسيحُ كلَّ الخطأة الى التوبة ” (ص237). من طبعنا أن نتشاءَمَ ونيأسَ أو نخاف كما شهدت الصلاة وعَّبرت عنه :” آُؤتُمِنتُ على زمن قصير..وقد قضيتُه في الباطل. لم أَقتَنِ شيئًا ينفعُ. أسرعتُ فجَّمعتُ خطايا كثيرة .. فمن أَخمصِ القدم وإلى المُخ كلي جروحٌ وقروح “(ص238)

أما الرب فلا يدعُنا نسقط بل يرفعنا كما قالت الصلاة :” إهدأ يا خاطيء ولا تبكِ ولا تيأَسْ عن التوبة. لأني سأُطيلُ لكَ حـياة الزمن إذا تُبْتَ ” (ص238). لقد رأى الله من البدء أنَّ كلَّ ما عمله حسنٌ جدًا (تك1: 31). يبقى الأنسان، رغم آثامِه و جرائِمِه، كائنا جَّيدًا يمكنُ إعادةُ صلاحِه اليه إذا غَّيرَ مسارَه السَّييء وسلك طريقَ البر. لذا حتى لو إعتقد الخاطيء أنْ قد فاتَه الزمنُ ولا تنفعُ الندامة (ص 237) لكن الوقتَ لنْ يفوت مطلقًا على التوبة والصومُ دليلٌ على ذلك. إنَّ الصومَ زمنٌ مقبولٌ دوما عند الله ، لأنه تذللٌ أمامَه وعبادةٌ له لذا وصَّى به على يد موسى (أح23: 27-28)، وفيه ومن أجله يستجيبُ الربُ دوما (ص236). لذا عادَ الرب فوَّصى الخاطيءَ أن لا يُؤَّجلَ توبتَه وصومَه. فلا تُخِفْ الخاطيءَ كثرةُ خطاياهُ. بل ليثقْ بكثرةِ رحمةِ الله ورأفتِه. والدليل على ذلك أنه عَّـلمنا الصومَ به نستأصلُ كلَّ أصنام حياتِنا (ص237) ، ولم يُقاصِصْنا على إهمالِنا ومعاصينا، بل “عَّلمَنا أن نصوم فيمحوَ بحنانِه الخطايا التي جمَّعناها برخاوتِنا ” (ص239) وهو نفسُه يسنُدنا في صومنا “فيُظهرُ في الضعفاءِ قُـوَّتَه وفي المشلولين جبروتَه ” (ص239) ، ويقولُ للخاطيء :” إهدأ أَيُّها الخاطيء. لِماذا تبكي؟. خَّفِفْ دموعَك لأنَّ الربَ يُحبُ صوتَ التائبين ولحنَ أنغامِهِ ” (ص 238)

لنّـثِق باللـه   

دعتنا الصلاة الى أنْ نستغلَّ الصومَ لأنه زمن الأتكال على الله والنجاة من الخطايا وآلآثام. فدعتنا الى التيقظ والسهر” كونوا يقظين كلَّ حين وأحقاؤُكم مشدودة ، ومصابيحُ أشّعتِكم مضاءَة ” (ص243). وحتى نتشجَّع في توبتنا ونصوم أعطتنا الصلاة نماذجَ مثل ” دانيال الذي دعاه الملاك محبوب الله (دا9: 23؛ 10: 11 و19) أو الرجلَ المرغوب لأنه أحبَ الصوم والصلاة… فآشتهى الصومَ كما يشتهي العطشان الى الخمور. وأحَّبَ العّـفة كما يحبُ العاقون الشراهة.. صامَ في شيخوختِه ثلاثة أسابيع وكأنها يومٌ واحد.. ومثل تاجر نشط حمل ثروته على أكتافِه ” (ص238)

الزمـن أمـــانـة  

قال مار بولس أنَّه ستجيءُ ” في الأيام الأخيرة أزمنةٌ عسيرة ” (2طيم 3: 1)، لكنه لم يقُل أنها  ” سَّـيئة “. لأنَّ كلَّ مقومات الحياة جيدة في عين الله. والزمن أحد مقوماتها. ولكن إستعمال الزمن ليس بذاته بل بمشيئة الأنسان. والأنسان مؤتمَنٌ على الزمن ليعيشه ويقوده بسلام و وئام ويكملَ بناءَ الكون. وألأمانة يجب أن تُرَّدَ الى صاحبها دون تشويه. ليس الزمن شاهدا على أفعالنا الجيدة أو السيئة بل أعمالنا هي التي تشهدُ بأنَّ الزمن أثمنُ هديةٍ لنا ونعمةٍ لا تُعَّوَضُ. صلاحُنا وبرنا يشهدان أنَّ بوسعنا أن نقضيَ ساعاتِنا وأيامَنا وشهورنَا وسنواتِنا كلها بعمل الخير وما يتماشى وصورتنا لله وما يضمن لنا راحة الضمير وسعادة النفس. وزمن الصوم خير فرصةٍ يُذَّكرُنا بأن نستغلَّهُ بكل قوانا فنطلبُ الصوم ومعه التوبة بالتذَّلل أمام الله بتواضع ومحبة بإرادتنا وآختيارنا حتى نسمع يوما ، مثل دانيال، يُحَّدثُنا الملاك قائلا :” أيها الرجل المحبوب .. من أول يوم وجَّهتَ فيه قلبَك للفهم ولأذلال نفسِك أمام إلهِك ، سمع اللهُ كلامَك وجئتُ أنا لأجل ذلك “( دا10: 11-12)

القس بـول ربــان

 

 

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO