الأحــد الرابع للصــوم

الأحــد الرابع للصــوم  

       2015.03.08

يُتلى علينا اليوم إنجـيل-::< متى21: 23-32 >::- يسوع يُعَّلمُ في الهيكل دون إستئذانِ الرؤساء بعدَ أنْ طردَ منه ، في اليوم السابق، الباعة والصيارفة. يعترض عليه سدنةُ الهيكل، الأحبارُ والشيوخ، بأَّيِ سُلطانٍ تفعلُ هذا؟. وبكلام آخر :” من أنتَ حتى تتحَّدانا وتخالفُ نظامَنا “؟. يرُدُّ عليهم يسوع بسؤالِهم :” من أين جاءَت معموديةُ يوحنا المعمدان: هل من السماء أم من الأرض”؟. لمْ يستطيعوا الجواب، ورفضَ يسوع أن يُجيبَ على سؤالهم لأنهم جهلةٌ غيرُأهل لمعرفةِ الحَّـق. لأنَّ سؤالَهم لم يكن أصلاً للأستفسار بل للأيقاعِ به

وفي المقطع الثاني بادرَهم يسوع بالسؤال عن ابنين وعد أحدهما طاعة أبيه ولمْ يفعل  و الثاني رفضَ في البدء مشيئة أبيه لكنه ندمَ بعدَه وإستجابَ لأمرِه. فمن أطاعَ والدَه؟ أجابوا الثاني. فـبيَّن لهم أنه رمزُ الخطأة الذين رفضوا في البدء وصايا الله لكنهم تابوا في الآخير وآمنوا بيسوع أنه المسيح. أما الأول فهو رمزهم هم القادة اليهود الذين يتظاهرون بطاعة شريعة الله لكنهم في الواقع لا يتبعون غير شهواتِهم ، ويرفضون الأيمان به أنه بالمسيح

                             الصوم  و نور المعــرفة

كثيرةٌ أعمالك ، وقد صنعتها بحكمة 

دعت صلاة اليوم ” تلاميذَ المسيح إلى التأمل في مسيرة الصوم وإضاءَةِ حركات أفكارِنا حتى نشاهدَ أمجادَه الروحية” (ص193). ولاحظت أنَّ صومَ موسى جعله يزهو مجدًا. فيه ” كشفَ له الله ذخيرة كنوزِ إرادتِه. لأنه به نال موسى معرفة حقائق خفية ، وصار دليلا للخليقة في صنع كل شيء. وحتى  دانيال صار بالصوم حكيما “(194). وهكذا جاء فعلا عن دانيال ورفاقِه الذين بالصوم ” نالوا معرفة وعقلا في كل أدب وحكمة. وكان دانيال فهيما في جميع الرؤى والأحلام “(دا1: 17)، حتى كشفَ حلم نبوخذنصر وفسَّره (دا2: 16 -18). كما رأى، بعد الصيام، رؤيا أخرى وفهمها بإيحاءٍ الهي (دا10: 1-21)

تتحدث الصلاة وتسَّلط الأضواءَ على أعمال الله لاسيما في الخِلقةِ فتقول : برَى الخالقُ بأمره العالمَ وزّينَه بكل انواع الجمال. وجمعَ صُنْعَ عملهِ وربطَهُ بصورة الأنسان، “.. يا نورا من نور، الذي أنارَ بنور معرفته كل الخلائق، أَنِرْ عقولنا بنورك الذي هو منير أكثر من كل الأنوار” (ص196). ثم تتحَّدثُ عن الشمس والقمر اللذين هما معَّلقان برباط روحي بالعلى و ليس بالفضاء كما يُعتقَدُ (ص197). تتابع الصلاة وتنيرنا عن موسى الذي إكتشفَ في صومه أصل الخلائق إذ علَّمه الله أن يعرفَ حكمة خِلقتِهِ، وأنه واحدٌ هو صانعُ كل شيءٍ من لا شيء ، وأنه هو سَّيدُ كل الكائنات الموجودة والتي ستكون” (ص197)

وفي ترتيلة ” دْقنكى ܕܩܲܢ̈ܟܹܐ ” يُغني الطقسُ معرفتنا بكشف علوم أخرى قائلاً : ” الموجودُ قبل كل شيءٍ صنعَ بأمرِه الخليقةَ كلها، ونظَّمها بكثرة نعمته ، حتى هي تُعَّرفَ به بواسطتها. صنع جزءًا منها يُرى وجزءًا آخر يُعرَفُ. وربطها كلها بالأنسان حتى تعترفَ أنَّ خالِقَها واحدٌ وأنه بمحبته يُخبرُ عن ذاتِه”. وتُضيف حالا :” الله رَّبٌ صالحٌ خالقُ العالم خلقَ وأعَّـدَ بنعمتِه أربعة عناصر: النار والماء والتراب والهواء، وأعطى بآمتزاجها مع بعضها الحياةَ لكل جسد. وبها كشفَ الله عظمته وقُـوَّة حكمتِه أنَّه بالأضداد يُثَّبتُ خليقتَه “(ص199)

نــورٌ من نــور   

وعن موضوع الله أنَّه نورٌ فقد جاءَ في صلاة ” الطلبة “: ” بصومه علمَّ المسيحُ حرّيتَنا بأنْ تسلكَ سُـبُلَه… وأنارَ نفوسَنا بنورِه الروحي. وبَّددَ فينا ظلام الجهل، كما بدَّدَ الظُلام الحّسي، وأنارَ الخليقة بنور العقل..، وبدَّدَ ظلام الليل المُعَّتِم، وأشرقَ في العالم كله ضياءًا يُنيرُ” (ص 197). فالصوم نورٌ يُعلمنا كيف نبتعدُ من المظاهر وكيف نرتفعُ عن الأرضيات لنسلك طريق ملكوت السماء ، وندخلُ البابَ الضيق وندوسُ المجدَ الباطل بأصوام النفس الخفية (ص198). وتنتهي صلاةُ الصبح بالتمجيد الآتي :” مبارَكٌ الذي بنوره خلق النور، ونظّم خلائقَه. .. * مبارَكٌ الذي بأمرِه خلق العالم، وزَّينه بسناءٍ مدهِش ، وبه عَّـلمنا عن عظمةِ حكمتِه وأنه هو سيد كل الخلائق* فبالصوم نقَّدِسُ نفوسَنا. بالصوم نُـنَّقي ضمائرَنا. بالصوم نزيلُ من قلبِنا. كلَّ دنس الشهوات *”(ص198-199)

إنَّ الصلاة الطقسية لهذا الأحد نوَّرتنا على أننا لا نستطيعُ ، ونحن أحياء ، أن نعرفَ الله بالحواس :” لا يراني إنسان ويعيش سمع موسى (خر33: 20)، ولا يتأملُ بي مائتٌ ولا يموت “(ص192). لكن الخليقة ونظام الكون والخلائق كلها تكشفُ لنا عظمة الخالق وقوة حكمته ومعرفتِه. وقد وهبنا اللهُ قوة روحية ، أعطانا عقلا به نكتشفُه من خلال أعماله الظاهرة. إذا كانت الخلائق عظيمة فكم يفوقها الخالق عظمة وقدرة؟. إذا كانت الخلائقُ جميلة بهية فكم يفوقُها الخالقُ جمالا وسناءًا وبهاء ؟. وإذا كان نورُ الشمس مُدهِشًا وضوءُ القمر أَخَّـاذًا فكم تكون فائقة ً دهشةُ وحيرةُ الذكاء الذي أوجَدها والنورُ الذي منه إنبثقت؟. و إذا كان عقلُ الأنسان نورًا يُضيءُ سبيل الحياة فكم يكون عجيبًا لا يُوصَف العقلُ الألهي الذي أوجدَ كل هذه العجائب المُدهشة وهذا نورالمعرفة الذي لا أحد يسبرغوره، وهذا العقل؟ 

الصوم هو الذي يعزلنا عن الأمور المادية و يفتح وحدَه أآفاقَنا ، لأنه ” يُصَّفي الأفكار ويُنَّقي الأعضاء ويطردُ الخطيئة ” (ص 196)، ويُحَّولُنا ” بالجسد والنفس، هيكلا مقَّدسا للروح الحي، ويحُّلُ فيه الأسمى من الكل ” (ص194). ونُصبحُ عندئذٍ ” نورا مع النور” ونعرفُ الحقيقة الألهية بوجه أسهل فلا ننخدعُ بسهولة بمكايد ابليس ، ونسلك طريق الخلاص برجاءٍ أضمن

ونختم مع الصلاة وهي تدعونا الى الصوم فتقول :” إخـوتي !. إلبسوا السلاح وتقَّلدوا ترس الخلاص. لنجتهد سوية ما آستطعنا بثبات ، فنزَّين أجسادنا ونفوسَنا، وَلنُرضِ الله بالصوم و التوبة والسيرة النقـية. لنصم بالجسد والنفس معا، وليس من الخبز فقط..، و بالقداسة يُضيءُ  مصباحُه بزيت الرحمة ” (ص196). وإذا فرغنا بالصوم من ذواتِنا فلنتجهْ و لنعتبرْ أصل وجودنا وغاية حياتِنا. لننطلق من حواسنا ولا نقف عندَها بل نتعَّداها إلى ما نحُّسُ به في أرواحنا. لا تُعمينا الرؤية المُدهشة بل لتفتح أمامنا كُوَّة نرى من خلالها ما هو وراءَ أسمى من حواسِنا وفوقَها. لنتبعْ أشعة العقل ولنَشْفَعْها بضوء الأيمان فنُكَّثِفَ معرفَتنا و ونُـنَّورْ حياتَنا ونضمن مستقبَلَها الأبـدي

القس بـول ربــان

 

 

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO