الأحــد الثالث للصــوم

الأحــد الثالث للصــوم

       2015.03.01

يُتلى علينا اليوم إنجـيل -::< متى20: 17-28 >::- يُنبيءُ يسوع ، للمرة الثالثة والأخيرة ، عن آلامه وصلبه وموته وقيامتِه. سالومة أم يوحنا ويعقوب تستغلُ صداقة يسوع لعائلتها وتطلب منه أن يُعَّـينَ، قبل موتِه، ولديها في أعلى منصبين في دولتِه التي سيؤسسها. يكشفُ لها يسوع أنَّ هذا يُكَّلِفُ ولديها تضحياتٍ جسام. يُبدي الرسولان إستعدادَهما لشرب كأس يسوع. لكنَّ المناصب في مملكةِ الله هي إختيارٌ ودعوة إلهـية وليس من مشيئة الناس. أمام هذا التطَّفُلْ ينزعجُ بقية الرسل ويعترضون. لكن يسوع يُهَّـديءُ روعَهم ويُطَمْـئِنهم أنَّ السلطة في مملكته ليست، كما في الحكومات الزمنية المدنية، تسَّلطًا ومنفعةً بل هي خدمةٌ وتضحية

                                  الصــو م و الـديـنـــونـة

الحـكمُ مُّـرٌ والعـدالةُ قاسيةٌ

تبدأُ الصلاة بآية المزمور القائلة :” لا تدخُلْ في قضاءٍ مع عـبدِكَ “. ولا تخلُ صلاةٌ أو فقـرةٌ من ذكر الدينونة والوقوفِ أمام منـبر المسيح، عند المُحاسبة ، ومن كشفِ كلِ خفايا المؤمن وفضح كل سَّيئاتِه. تُصَّورُ المسيحَ دَّيانا يُقاضي الجميعَ ويحكمُ على سلوك الأفراد. وتصفُ رهبة تلك اللحظة عندما يتعَّرى الأنسان من كل قناعٍ ويشعر، بسبب دناءَةِ أعمالِه ، بالخجل أمام قداسة الله تماما كما أحَّسَ به آدم وحواء، فآنسحبا من أمام عيون الله وآختبـآا (تك3: 8). ولكن لا مَّفرَ هنا للأنسان أن يتمَّلصَ من المحاسبة،” الى من تذهبين يا نفسي وبمن تلتجئين .. عندما يجلسُ القاضي للحكم والملائكة قائمون أمامه والبوقُ يزعقُ والنار الحية تلتهبُ..” ؟(ص152). لا محَّلَ لا للأختفاءِ ولا للتمَّـلص ولا حتى للأعتـذار!

الخوفُ يسودُ والرُعبُ يُؤلمُ عندما يشعرُ المؤمن أنه لا مهرب له (ص154) لأنه :” لم يحفظْ وصايا الله ولا واحدة منها، وقد دَّنسَ مسكن الروح بالذنوب، وأفسد بسَّـيئاتِه  الكثيرة بهاءَ النفس التي تسكن الجسد” (ص154). لذا يصرُخُ المؤمن ويسترحمُ الله بحرارة ولهفة :” أيها الرب الأله لو دخلت في القضاء مع عبدك أين تُرى أجد الجوابَ وكيفَ أطلب منك الغفران وأنا قد ظلمتُ وخالفتُ كلَّ وصاياك حتى أصبحتُ ميِّتًا لكثرة خطاياي”؟ (ص 151 ). فيَستنجدُ من جديد ببؤسٍ وآنكسار” يا رب لا تقاضي الخاطيءَ في محكمتك العادلة. لأنه لا جواب له ولا مبرر يقدمه أمام منبرك ” (ص154)

يا نفسي إستعدي إذ لكِ بعدُ مجال

تدعو الصلاة المؤمنين الى التخَّلص من تلك الدينونة وتجَّنُبها قبل أنْ تقعْ. تلُّحُ عليهم أن يُصَّفوا حسابهم قبل الموت، كما أوصى الرب (متى5: 25-26)، وأن يعيشوا الآن حسب وصايا الرب حتى يستقبلهم ولا يدينهم (ص154). بل تدعو الله على لسان البشرالخاطئين، ألا يُخضعهم لذلك القضاء بل أن يسبق ويترحمَّ عليهم : ” قبل أن يأتيَ ذلك اليوم أتوسلُ أن ترحمني “. وتَسْترحمُ الصلاة :” أنا قد أخطأتُ كإِنسان أما أنت فآرحمني كإلَــه، ونَّجني من القضاءِ الرهيب ، إِنَّكَ رحومٌ ومحّبٌ للبشر، فآرحمني” (ص153).  وتُضيف :” الآن إِلتفِتْ إليَّ وآرحمني يا محبَّ البشر” (ص154)

إعترفي بخطأِكِ وتـوبي

وتحقيقا للتخَّلص من الدينونة الرهيبة تدعو الصلاة الى” التـوبة ” وهي العنصرالتوأم للصوم والملازمة له. تُحَّذرُ أولا من مغبة الأهمال، فتقول:” إلى متى تغُّطُ في نوم الشهوات وتغرق

فيها؟. تيَّقظْ أيها النائمُ وآنفِضْ عنك إثمَكَ وآسأل وتضَّرع الى طبيب كل الناس، وتشَّبث بمراحمِه..”(ص152). ثم تُوجّه المصلي ليكون حازمًا مع نفسه فيقول :” إعترفي يا نفسي بخطأِكِ، وآطلبي وتوَّسلي وتضَّرعي..”(ص152). وتابعت الصلاة تحذيرها ونداءَها الى التوبة حتى قالت :” تراجعي يا نفسي من كثرة آثامِك وخطاياكِ.. تذَّكري الدينونة المرُعبة المُعَّدة لكِ ، وأنْ هناكَ لا تُساعدُ التوبة ولا تنفعُ الدموع شيئًا. وإذ لكِ يا نفسي المجالُ إسألي وتوَّسلي و تراجعي عن إثمكِ وعيشي. أُتركي خطاياكِ الكثيرة وآعترفي وقولي : اللهم يا غافرَ الذنوب حُنْ وترَّحمْ عليَّ ” (ص156)

هذه التوبة هي ثمارُ الصوم حتى قالت الصلاة :” أيها المسيح ، يا من بصومِه خطَّ لنا طريق التوبة وأعلمَنا أنَّ في العالم الجديد لا تنفع لا الدموع ولا البكاء ، ودعانا الى ترك خطايانا وذنوبنا.. فأَهَّلنا بصومه المقدس الى أن نصومَ مثله  ونتأَمَّلَ تدبير دينونتِه..” (ص 156)

وينتهي النداءُ الى التوبة في صلاةٍ لليوم التالي وفيها يطلب المؤمن عون الرب من أجل توبة متواصلة قائلا :” أيها الطبيب المجَّاني أدعوكَ في توبة أفكاري أن تشفي ذنوبي كما خلقتني بنعمتك من لا شيء. لأني لا أقدر أن أحيا في توبتي إنْ لم تساعدني أنتَ. لأني ما ألحق أن أتوب اليوم حتى أخطأُ في الغد. وما أنْ حاولتُ أن أرتفعَ من بحر الذنوب حتى أغرقُ فيه. توبتي هي لمدة قصيرة. أُغضِبُ السماء بإِثمي و أُثَّقِلُ على الأرض. أنت الرحوم حُن عليَّ “(ص164)

 هكذا أرادت الصلاة الطقسية في الصوم أن تُحَّذرَ اليومَ المؤمن َ من محكمة الله العادلة و المُرعبة والتي لا تحابي الوجوه ، ثم أن تدعوه لينجوَ منها بالتوبة الآن مُستعملاً سلاح الصوم حتى يتغلبَ على الشر الذي يُهّدده ، مُشَّددة على أن التوبة ممكنة ونافعة الآن قبل الموت ، أما بعدَه ” فلاتَ ساعة َ مندَم “

القس بـول ربــان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO