الأحـد الثـاني للصـوم

الأحـد الثـاني للصـوم 

     2015.02.22

يُتلى علينا اليوم إنجـيل -::< متى7: 15-27 >::- يبدأ بأن يُحَّذرُنا من الأنبياءِ الكذبة الذين ظاهرهم حملان وباطنهم ذئاب ، أعمالهم السيئة تفضَحُهم. لكنَّ نجاحهم الظاهر لا يضمن لهم دوام الموفقية. بل سينالون جزاءَهم عاجلا أم آجلا. وينتقل بعده الى وصفِ التلميذ الحقيقي للمسيح ، الذي  يقرن الأفعال بالأقوال حافظا كلام الرب وقابلا مشيئته بوعي و قناعة ، فيبني حياته على صخرة الأيمان والمحبة لا على رمل الرغائب والملذات

   الـصــوم و الصــلاة   

يا أهلَ الـدار صوموا وصَّـلوا  

الصلاة الطقسية لهذا الأحد ربطت الصوم بالصلاة. بدأت هكذا :” في الليل حيثُ تسكتُ أصوات كل الفئات لِـتَطِبْ لك صلاتنا يا من يرضى عن التائبين. إنَّك تُصغي ولا تُهمِلْ ” (ص108). وفي فقرة ” المجلس ܡܵܘܬܒܼܵܐ ” تبدأ الصلاة بدعوة المؤمنين ، وتُسَّميهم” أهل البيت “!، الى الأهتمام بالصوم لقطف ثمار” المحبة والرجاء والأيمان”، ذاكرة أبرز قادةِ العهد القديم مثل موسى وايليا وايشوع بن نون ودانيال وفتيان بابل الذين صاموا وأحرزوا أفعالا عـظيمة بسببه فتمجدوا. ثم ينتقل حالا في الصلاة التالية متوجها الى “النشيطين ” في الأيمان فيقول :” يا نشيطين !، هَّـلموا نسهرُ في الصلاة “. ثم يواصلُ فيُعَّددُ مناقبَ الصلاة ومنافعها ، قائلا :” تعطينا رجاءًا عـظيما وخلاصا وإِشراقة الوجوه”. وتضمنُ الصلاةُ هذه الخيرات لأنها :” هي عربون حياة السماء : بها ننال أجرَ ذخيرة البنين؛ وبها نقتني سلاحًا صاغه الروحُ القدس؛ وبها نُصبحُ ورثة ملكوت العُلى”. وتنتهي الصلاة بتوجيه النداء الى المصَّـلين بأن يسلكوا هذا الطريق فلا يتغَّربوا عن وليمة (ص109-110) الملك السماوي (متى22: 2)

ولا ينسى المصَّـلي أنه يتحَّدث الى الله ، وعليه وجَّهت الصلاة أنظارَها الى الله متضَّرعةً : ” اللهم يا مخَّلِصنا، رجاءَ أهل البيت الصالح، إِستجِبْنا كما وعدتَ ” وتسكبُ نفس المصلي أمام الله :” نصرُخ اليك في ضيقِنا بألم ودموع. لقد حاصرتنا من كل جهة التعاسات والذعر “. ويُضيفُ في الصلوات التالية :” أيها الصالح إِقبل طلبتَنا وآفتح الباب لصلاتنا وآستجِب برحمتك أسئلـتَنا “(ص110). وحتى لا يمَّلَ المصَّلي يُذَّكَرُ بـ” كم هو عظيمٌ ومجيدٌ وفاضلٌ بأسُ الصلاة الشديد التي بها ظفر بالأمجاد الأبرارُ الذين أحَّبوها وزخرفوا بها أنفسهم .. و ربنا عَّلمنا في بشارتِه أن نقَّرب بآسمترار الصلاة الى الله “(ص111). وتنتهي الصلاة بهذا التحريض :” ونحن يا إخوتي تعالوا نسأل بالصلاة غفران الذنوب وندعو الرحمة لتعيننا قبل أن يداهمنا الظلام”(ص112)

تلي هذه الدعوة حالا طلبات عديدة وكثيرة من أجل أن يباركَ اللهُ الكنيسة وكل فئات الناس، ولم ينسَ حتى الأعداء والمبغضين “الذين يريدون الشرَّ والسوء لنا “(ص112-113). و أخيرا كررَّ النداء الى الصلاة بإلحاح وذلك في صلاة ” د قنـكى ܕܩܲܢ̈ܟܹܐ ” فقال :” هلموا نخُّرُ كلنا راكعين في الصلاة أمام الصليب الذي هو كنز المعونات ..”(ص120). وتابعَ نداءَه فقال :” يا فاديا أرضاك النينويون بالصوم وغفرتَ ذنوبهم…ولأنَّهُ حين رأيتَ صياما من القلب وصلاةً من الذهن فاضت مراحمك يا محب التائبين” (ص121). وختمت صلاة الصبح برفع هذه الصلاة :”هَلُّمَ يا تائبين نسلك سبيل الصوم المقدس مع موسى وايليا ودانيال، ناس أبرار أحبوا الصوم … أمامك يا رب نركعُ. ولسيادتك نسجُدُ. ومن مراحم نعمتك نطلبُ. لا تصرفْ نظرك عنا ” (ص119)

لنلجأ الى الصلاة فهي أمضى سلاح  ! (ص123)

لقد بدأ الصوم منذ زمن موسى مقرونا بطقس عبادي. يُؤَّدَى الصوم ضمن “إحتفالٍ مقدس ” تُقرَّبُ فيه للرب ذبيحة تكفيرية عن خطيئة الشعب. فالصوم هو رابط الفرد مع شعبه ومع رَّبِهِ. يتذللُ المؤمنُ أمام الله ليعترفَ بسيادته الخلاقة ، ويعترفَ بضعفِه الخاص وآنحرافِه ، طالبًا عفوَ الله بأنْ يغفرَ لهُ خطاياه. فالصوم يقوم على أسس الأيمان. هذا سيُؤَّيده موسى الجديد، مخَّلصُ الأنسان، إذ ربط الصوم بالمحبة والرجاء. فالمؤمن الحق يُحب فلا يُهينُ الله ولا يُؤذي أخـاهُ الانسان بل يسمع الله ويُغيثُ القريب. وكذلك يرجو بالحياة فلا يتعَّلق قلبُه بخيرات الأرض الزائلة ، ولا يهتم للمظاهر الخّداعة بل يدخل الى أعماق روحِه ليختليَ مع خالقه ورَّبِه. و يصوم عن ملذات الجسد ليتلَّذذَ بخيرات الروح

و يُقرن اللهُ الصوم بالصلاة والعبادة. لأنَّ في الصلاة يلتقي الأنسان مع الله ، والصومُ يُسَّهلُ هذه الخلوة الروحية. إختلى موسى مع الله على الجبل أربعين يوما وأربعين ليلة ً صائما فنال الوحي بالوصايا العشر(خر34: 28). ومثله صام يسوع في البرية أربعين يوما و أربعين ليلة مختليا مع الله فدحرَ ابليس خائبًا وأسقطَ حِيَله. وبالصلاة على جبل زيتون ثبتَ يسوع في إتمام مشيئة الله بشرب كأس العذاب وليس تلبية رغبتَه البشرية (متى26: 39). بالصوم ينعزل المؤمن عن العالم وعن الجسد ليدخل في حوار حميم مع الله وأيضا مع ذاتِه بواسطة الصلاة. الصوم بابُ الخروج عن عالم الحسيات والصلاة باب الدخول المقابل الى عالم الروح ، عالم الله والآخر والأبدية. فالصومُ والصلاة قُطبان للحياة المسيحية توصِلُهما ببعضهما قُضبان الصدقة. فكان أمرًا طبيعيا أن تربط الصلاة الطقسية ، وهي غذاءُ المؤمن الروحي، بين الصوم والصلاة ولا تفَّرقهما عن توأمِهما الصـدقة. وقد طفح هذا على سطح الصلاة الطقسية من أول يوم الصوم حيث قالت الصلاة :” لِـنُقَّربْ كلنا للمسيح الثمارَ اليانعة للتوبة.. و بالصلوات والصوم والصدقات ومحبة الفقراء نسألْ الرحمة من الدَّيان العادل ” (ص57). إنها أسس الحياة المسيحية القائمة على أساس الأيمان كما ذكرتها ترتيلة، سبق ونَوَّهنا اليها، وقالت :” لقطف ثمار المحبة والرجاء والأيمان ” (ص109)، لأنها هي وحدَها الباقية (1كور13:13)

قالت صلاة الصبح الطقسية الكلدانية في مقطوعةِ تسبيح لله :” الجسدُ الذي يتعبُ بالصلوات سوف يطيرُ يوم القيامة في الفضاء. ويرى الرَّبَ بدون خجل ويدخلُ معه الى الملكوت. و يَعُّزُهُ الملائكة والأبرار، الذين سهروا وأَجهَدوا في الصلوات ” (الحوذرا ص28). بينما قال عنها البابا فرنسيس في رسالتِه بمناسبة الصوم أَنَّها “: كُّـوَةٌ فتحها المسيحُ بين السماءِ و الأرض ليعودَ التواصُلُ بين الأب والأبناء”.  فالصلاةُ رمزُالأيمان و صدى العلاقة الحميمية مع الله. بقدر ما يُبعدنا الصوم عن الماديات بقدر ذلك يُقَّربنا من الله. وبقدر ما تشُّدنا الصلاة الى الله والى الحياة الأبدية بقدر ذلك تُرَّيحُنا عن هموم الدنيا والحياة الزمنية ، وتُقَّربُنا إلى إخوتِنا البشر أبناءِ اللـه

القس بـول ربــان

 

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO