الأحـد الأول للصـوم

الأحـد الأول للصـوم

      2015.02.15

يتلى علينا اليوم انجيل -::< متى3: 16 – 4: 11 >::- ويقُّصُ علينا خبر صوم يسوع والتجارب التي حصلت له وكيف تغَّلبَ عليها. يسوع يستعدُ لبدء رسالتِه الخلاصية بغية إستعادة الأنسان صداقته لله لينعم بالحياة. ينعزلُ في البرية مقر الأرواح الشريرة ليغزو مملكتها و يكسر شوكتها. يحاربُ الشهوة الحسية في جسده ويُهزمُ ابليس الذي يحميها ويغذيها. فالحياةُ جهادٌ من أجل الراحةِ والهناء وصراعٌ ضد قوى الشر التي تُحاربُها وتحاولُ أن تقضيَ عليها، والصومٌ فرصةٌ لسند هذا الجهاد والأنتصارعلى الشرير،و وسيلةٌ للسير قُدمًا في طريق البر

تعرُضُ علينا الصلاة الطقسية،خلال فترة الصوم، تأملاتٍ مختلفة تتمَّيزُ عن بعضها في كل أحد وتتمحْورُ حول وحدةً متماسكة تقود مسيرتنا الروحية في التجَّدد والتوَّجه نحو الحياة الخالدة. تدعونا الصلاة الطقسية لكل أحد الى التركيز على موضوع ايماني محَّدد ، تعتبرُه عنصرا مهما، مرتبطا بالصوم و أساسيا في هذه المسيرة التربوية. ويظهر هذا الأهتمام في الأجزاء العامة كالترانيم ولاسيما في الأجزاء التأملية الخاصة بكل أحد. وأما أحدنا هذا فيكشفُ لنا أنَّ

الصـومَ طريقٌ للحــياة

مَن الأنسانُ الذي يُريدُ الحـياة  ؟  × مز34: 13

لقد أتى يسوع كما قال ليضمن لنا الحياة ، وأن تفيضَ فينا (يو10:10). ولكن قبل أن نمتليءَ منها يجب أن نُفرِغَ حياتنا مما فيها. إنه يُعطينا حياته الألهية، وحتى نستقبلها يجب أولا أن نتخَّلصَ من حياتنا الجسدية. والمسيح وحده ” الطريق والحَّقُ والحياة “(يو14: 6) لذا خطَّ للأنسان درب الخلاص وأعلنه بأن يتوبَ أولا (متى4: 17). وهذا أصدت له صلاة الرمش.  فبين ترتيلتي صلاة المساء السابقة لمزمور المساء واللاحقة له ذكرت الصلاة آيات المزمور 34: 13-15 وهي تقول : ” من هو الأنسانُ الذي يرغبُ في الحياة؟. والذي يُحّبُ أن يرى أياما حلوة؟. إحفَظْ لسانك من الشرولا تنطقُ شفاهُك المكرَ. إبتعِدْ من الشر وآصنع الخير”. كلُ إنسان يرغبُ في الحياة. لا أحد يطلُبُ الموت. لكن الأنسان أخطأ في تصويبه ولم يبلغ الهدف. جاء المسيح فجدد الخليقة وحرر الأنسان من ضعفه و وهمِه. ودعاه أن يتوبَ ولا يعود يخطأ كالسابق (يو5: 14؛ 8: 11). وأعطاه الصوم بمثله وسيلة لتحقيق ذلك. وهكذا قال تأمل ” قلتا ܩܲܠܬܵܐ” إنتبهوا: لا تعودوا تخطأون كما خطِئتم منذ البدء : ولا تسَّلِطوا نيرَ الموت على رقابكم… بالصوم ألجموا الجسد النهم كما بنير حتى يعمل في حقل الحياة الروحانية ” (ص54)

تسَّلحوا بالله لتقـاوموا الشّرير !  × أف6: 11

الصومُ صراعٌ مع الجسد من أجل الحياة. من يحيا للجسد يموت. ومن ينزعُ الى الروح ويُميتُ أعماله الشهوانية فهو يحيا (رم8: 13). لقد صام يسوع وصارع ابليس وكسرَ شوكته ” فحرَّر الخليقة ونجّاها من الضلال وأبطل سلطان الشيطان “(صلاة ص59). ابليس يحارب الأنسان. حتى قالت إحدى الصلوات :” خرج الشيطان من الجهاد الأول مندهشا .. وغَّير خطته ومكان القتال. ورجا باطلا ، وهو ينتقلُ من قتال الى قتال، أنَّ له فرصًا كثيرة .. إستحى الشيطان من ربنا وتبَّددت قواته وجلست حزينة من ضعف المارد “(ص 58). إنه صراعٌ ، بل هي حربٌ فيها الخائب وفيها المنتصر. الخائب إتكل على قوة عضلاته وفشل. أما المنتصر فآلتجأ بالصوم الى قوة الله وآتكل عليه فتمجَّد.

وأصدت الصلاة لهذا الصراع ضد الشر من أجل الحياة. وأكدت بأن نصر يسوع كان نصرا

للطبيعة البشرية :” صام المسيح وأكسبَ ضُعفَنا شجاعةً ليتجَّبرَ على الشيطان” (ص 58). فرفعت إليه الدعاء بجاه نصره المبين وقالت :” أيها المسيح ، يا من بصومه المقدس حارب مع العدو وأبطل جميع حِيَلِه ، ونصَّر الطبيعة البشرية. + يا من بصومه المقدس غلبَ الشيطان وأخزى قُّـواتِه ، ونصَّر ضعفَ طبيعتنا. + يا من بصومه أعطانا القوَّة كي نغلبَ العدُّوَ إنْ شِئنا ” (ص 60). إنه صراع الحق والضلال، صراع الحياة والموت.

وليس الجهادُ أمرا غريبا عن المؤمنين. بل لم تبنِ الصلاة فكرَها وطلبَها إلا بناءًا على كلام يسوع نفسه الذي سبق وقال :” ملكوت السماوات ما زال في جهاد… والمجاهدون يأخذونه عُـنوةً “(متى 11: 12). ولا الصومُ دخيلٌ ما دام يسوع صام ” أربعين نهارا وأربعين ليلة” وقال بأن تلاميذه أيضا سيصومون عندما يُرفعُ عنهم العريس (متى9: 15). أنه جهادُ نكران الذات وحمل الصليب وراء يسوع في مسيرة ضمان الحياة الأبدية. وما غذاءُ هذا الجهاد و سلاحُه إلا الصوم ، الذي به يقدم المُصَّلي للمسيح الثمارَ الزاهية للتوبة (ص57). لأننا نزَّينُ ” بالصوم الطاهر والمقدَّس أجسادَنا ونفوسَنا ، فنرضي خالقنا ونزيلُ من أجسادِنا كلَّ آلام الشهوات ومن نفوسِنا شهوة الشرور البغيضة ..” (ص 57). لذا أضافت الصلاة أيضا :” المجد لك أيها المسيح لأنك أبطلتَ بقوتك جهادَ الشيطان ضدَّنا، وقـوَّيتنا وقلتَ : تشَّجعوا ولا تخافوا لأني أنا الذي منكم بالجسد والنفس لقد غلبتُ العالم ” (ص 63)

ثمــار الصــوم

بالصوم غلبَ يسوع ابليس والعالم. وبه ” إستحَّقَ موسى أن يتقَّبلَ الشريعة (خر34: 28). وبه صعدَ ايليا في مركبة نارية (1مل19: 8؛ 2مل2: 11). وبه غلبَ ايشوع بن نون و أوقف حركة الكون (يش10: 12-13). وبه سَّـد دانيالُ أفواه الأسود (دا14: 30-31، 40-42). وبه أطفأَ الفتيان الثلاثة لهيب الأتون (دا3: 25)”، هذا ما قالته الصلاة مدحًا بالصوم والصائمين (ص56). أقام موسى الصوم وسيلةً للتذلل أمام الله (أح23: 27) وتكفيرًا :” لأنَّه يُكَّفَرُ عنكم لتطهيركم، فتطهرون من جميع خطاياكم أمام الرب”(أح16: 30)، لاسيما عن الكبرياء التي تحَّلى بها الأنسان في البدء. فالتكفير غسل الأنسان وإفراغه مما إمتلأ به من ملذات الجسد. ولولا هذا الإفراغ لما فُتح المجال أمام حلول حياة الله فينا ليملأنا من ذاتِه و أخلاقِه. لأننا إذا حيينا حياة الجسد نخسر الله فنموت. بينما لو أمتنا بأعمال الروح، بالتوبة و الصوم، أعمال الجسد عندئذٍ نحيا (رم8: 12-13). ولهذا أعلنت الصلاة أنْ ” وصل صومُ الرب ، وبيده إكليلُ المجد لمن يصومه بنقاء ويُطَّهرُ الجسدَ والنفس” ( ص63). لأنه ” ينفعُ دواءًا لكل الأمراض: به يُعصبُ الجسد المكسور بالتمرد، والنفسَ المُقَّيَدة بالشهوات تنهضُ كمن النوم الى سلوك البر”(ص56)

صومُ المسيح أكسبَنا شجاعة ً

حُبُ الصوم وممارستُه فعلٌ فضيلٌ لذا وَّصتْ به الصلاة قائلةً :” هوذا الصومُ زارَ دورَنا لِـنَسْتَـقْـبِلْهُ بفرح ، ونقبَلْهُ بقداسة. إسمعوا أيها الشعوبُ والأمم : صوموا وصَّلوا وآعطوا صدقة ً، وآسألوا ربَّ الخلائق أنْ يُجَّـنِبَكم الشدائد “(ص63). لقد أعطانا فيه الربُ المثال ، بل وقدَّمَ مثاله دعوةً لنا للصيام. هذا ما أكَّدته الصلاة :” أنت يا رب بنفسِك رسمتَ لنا ، بحنانك ، هذا الدرب لما صمت أربعين يوما في البرية ، ثم آنتصرتَ بمجد ، وقَّـطعتَ شِـباكَ المكر. ونحن أيضا تعَّلمنا هذا ” (ص56). بالصوم نستعدُ للقاء الرب ” فنُعّدُ ذهننا { كما قالت صلاة “دْقنـكى ܕܩܲܢ̈ܟܹܐ”} ونُـنَّقي أفكارنا من الحقد والأثم ، فنحتقر ونرمي عنا شرورَنا ومعاصينا ونقترب من الكمال ” (ص 63)، بينما طلبتْ صلاة ” دْرازى ܕܐ݉ܪ̈ܵܙܿܐ ” أنْ نتزَّيَنَ جسدًا ونفسًا فلا يكن عيبٌ في خدمتنا (ص63)

القس بـول ربــان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO