الأحد السادس للدنح

الأحد السادس للدنح

يُتلى علينا اليوم انجيل -::< يوحنا 3: 22 – 4: 3 >::- ويقُّصُ خبر تواجد يسوع وتلاميذه في اليهودية وتدريبهم على التعميد. يختلفُ نفر من اليهود وتلاميذ يوحنا بخصوص التطهير فيتحَّكمون لدى يوحنا. والغريب في الأمر أنهم يناقشونه لا فيما ذهبوا من أجله إليه. بل في أمر تعميد يسوع وبعبارات تدُّلُ على الغيرة والحسد. يتشكون لديه عن تعميدِ يسوع وتوَّجُهِ جميع الناس اليه، وكأني بهم يقولون :” التعميد من حقّكَ أنت وحدَك يا يوحنا”!. فيُرُّدُ عليهم يوحنا ببساطةٍ وهدوء ، أنه هو ليس المسيح ، ومن حَّق المسيح أنْ يُعَّمد أكثر منه.

الغــيرة و الحســد !

هكذا دَّلَ كلامُ محاوري يوحنا إذ شدَّدوا على ” هوذا يُعَّمد… ويذهبُ اليه جميعُ الناس”. وعلى هذا أيضا دلَّ جوابُ يوحنا :” ليس لأحد أن يأخذ شيئًا لم تُعطِه إياهُ السماء” وأضافَ بأنه سبقَ وأكَّدَ أن ليسَ هو المسيح (آية 27 و28).

الغيرة والحسد ينخران العظام ويفسدان التفكير ويحَّرفان إستقامة الأرادة. يُغَّوشان الرؤيا ويُضعفان الحكمَ فتنقلبُ الأمور السيئة الى حسنة والحسنة الى سيّئة. إنهما وليدتا الكبرياء والطموح الجموح الغير المتوازن. لقد غار قائين من أخيه حتى أفسدَ عليه العلاقة الأخوية فقتله. لقد غار أولاد يعقوبَ من أخيهم يوسف فباعوه عبدًا. وغار شاول الملك من شجاعة داود ونجاحاتِه فطلب قتله وسعى اليه. وهكذا غار تلاميذ يوحنا من يسوع ورفضوا له الأولوية أو حتى المساواة مع معلمهم. ومثلهم سيغارُ الفريسيون والرؤساء من يسوع لأن الناس تركتهم وصارت تتبع يسوع : ” إذا تركناه وشأنه آمن به جميع الناس” (يو11: 48). و قرر الأحبارُ قتله لأنَّ ” كثيرًا من اليهود كانوا ينصرفون عنهم.. ويؤمنون بيسوع ” (يو 12: 11). وحتى الحاكم بيلاطس عرفَ وتيَّقن أنَّ الأحبار لم يسلموا يسوع للموت إلا ” من حسدهم “(مر15: 10).

الغيرة من أن يأخذ احد مكاننا ، والحسدُ من أن يكون أحدٌ أفضلَ منا تجُّر الأنسان الى آرتكاب الجرائم. بينما ينبغي للأنسان أن يكون منفتحا ولا يحصر كلَّ شيءٍ في ذاتِه. كما يجبُ عليه أن يلاحظَ بأنه إن ملكَ غيرُه شيئا لا يملكه هو أو افضل من الذي يملكه مع ذلك يملكُ هو أيضا ما ينقُص غيرَه أو يفضُل عليه. لكل إنسان موهبة يتمَّيزُ بها وطاقةٌ أو خيرٌ ينفردُ به. وهذا يقتنيه في طبيعته ولا يكتسبُه بجهدِه. لأن خالقَ الأنسان يدعو كلَّ واحد الى القيام بخدمة معَّينة متوقفة عليه من أجل بناء المجتمع البشري. ولأجل تحقيقها يزوده الله بطاقة خاصة تضمن له أداءَ تلك المهمة. يقول الرسول :” كلُ واحد يتلقى من تجَّليات الروح لأجل الخير العام”(1كور12: 7). يأتي كلُ شيءٍ من السماء!. وما يملكه الفرد يجب أن يخدمَ المصلحة العامة. فتنوُّعُ المواهب يؤدي الى آكتمال الخدمات العامة. فالغيور والحسودُ هما أولَ المستفيدين من مواهب غيرهم. أما إذا كان ما يتمَّيز به الآخر هو مالٌ أو جاهٌ أو معرفة فيمكن لكل أنسان أن يحصلَ منها نصيبَه إذا آجتهدَ وآستغَّل طاقته الفكرية والعملية. لذا تبدو الغيرة والحسد شعورين شاذين وسيَّئين يجبُ نبذُهما.        

التواضع والخدمة  !

بينما غار البعض من يسوع وحسدوه أرانا الأنجيل موقفَ المعمدان الذي يقف في دائرة الحق ولا يتخطاها. يعرفُ ذاتَه أنه رسول يُهَّيءُ للمسيح وليس هو المسيح. ولا يستحي باعلان ذلك ، ولا يشعرُ بنقصٍ. ويعرفُ أيضا أن يسوع هو فعلا المسيح المخَّلِص ولا يغار أوُ يحسدُ منه ، ولا يترَّددُ في إعلان ذلك أيضا. إنه مقتنعٌ بموهبتِه ودعوتِه، ومرتاحٌ اليها ، ويحاول بكل جدَّية أن يؤديها على أفضل وجه. بل يفتخرُ بها ويفرحُ لها ويتمتع بالسعادة. إنه صديقُ العريس. ويُعلنُ أنَّ يسوع سماويٌ وإلـه ، بينما يعترفُ أنه هو محضُ إنسانٍ أرضي. إنه تواضُعٌ بليغٌ قلَّ نظيرُه في المجتمعات البشرية. وقناعةٌ لا تحصلُ دومًا عند كل فرد. تواضُعه و قناعتُه قادتاهُ الى أن يرى بوضوح رسالته ويؤَّديها بعمق وتصميم؛ “جاءَ ليشهدَ للنور… و الكلمة هو النورُ الحق” (يو1: 8-9). فشهدَ أنَّ على الناس أن تؤمن بيسوع وتتبعَه إذ ” لابد لذاك أن يعظمَ “، كما لابد له هو أن يختفي عن المسرح :” أن يصغرَ” ما دام قد أكملَ رسالتَه وكشفَ المسيح للعالم.

لم يحسد يوحنا من يسوع ، وعرفَ بل سبق وصَّرح للناس بأن المسيح القادم سيُعَّمد ولكن ليس بالماء بل ” بالروح القدس والنار”(متى3: 11). أما ما عاينه الفضوليون فربما لم يكن سوى تدريب التلاميذ على التعميد ” لأن يسوع لم يكن يُعَّمد بل تلاميذه ” (يو4: 2). وهكذا تبَّيَنَ كيف أن الغيرة والحسد قادتا الى تشويه الحقائق وإلصاق تهمةٍ باطلة بيسوع. ولولا فطنة يوحنا ورويته الروحية والأيمانية لربما انطلق لهيبُ الفتنةِ والغضب وأحرقَ الأخضر واليابس. بينما أدى بالمقابل شعاعُ التواضع والأيمان الى إطفاءِ شرارة الشر وإغلاقِ باب الفساد وإعادة الهدوءِ الى النفوس المضطربة.

شهدَ يوحنا للحق. ودفع ثمنه بدم رقبته. وسيشهدُ يسوع للحقيقة كاملة ويدفع أيضا ثمنًا غاليا على ذلك : عذابُه وموته الأليم. وأقام يسوع تلاميذه وأتباعه أيضا شهودا على حقيقته و حقيقة ما فعله ونادى به. ومطلوبٌ من شهوده أن يتعلموا من يوحنا التواضعَ والقناعة وألا يخافوا ولا يترددوا من قول الحق. أهل العالم وعملاءُ ابليس يحاولون حرق الحق ، فيجبُ أن يتصَّدى لهم أبناءُ الحق وشهودُه. مطلوبٌ منهم أن يُقارعوا الفتنة والغيرة والحسد.

 

القس بـول ربــان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO