الأحــد الخامس للـدنـــح

الأحــد الخامس للـدنـــح  

       2015.01.25

يُتلى علينا اليوم إنجـيل -::< يوحنا 3: 1-21 >::- ويدور فيه الحوار بين يسوع وزائره الليلي الفريسي نيقوديمس ، عضو بارز في المجلس اليهودي ، عن الولادة الروحية من الله ، الضروية للخلاص ، وهذه الولادة الثانية تحصلُ من ” الماء والروح” أي بالتوبة وقوة الروح القدس الذي يُفيضُه الله على الناس ، وبنوع خاص على المؤمنين بيسوع المسيح و المعتمِدين بآسمِه. يطول الحديثُ ليبلغ الى أنَّ الله المتجسد هو يُعلنُ الحقيقة لأنه هو شُعاعها ولأنَّ التجسُّدَ ثمرةُ محبة الله للأنسان ، ودليلُ إصرارِه على إنقاذ الأنسان وتوفير الراحةِ و الهناء له

لكي لا يهـلك  

سبقَ الله وأوحى الى البشر أنَّ رحمتَه ومحبتَه فوقَ ما يتخَّيَـلُونه عن عدالتِه أو صرامتِه. الله ليسَ بشرا من شهوةٍ ورغبةٍ ولّـذَّةٍ عابرة. والأنسانُ إبنُه ، من نسمةِ حياتِه ، مهما أخطأَ أو قصَّر. لذا لم يُعاقبْه ، ولمْ يُفنِ وجودَه ، يوم خالفَ أمرَه بل عَّرَفَه على ضُعفِه وأخضعه لحياةٍ قاسية ، عكسَ ما تعَّودَ عليها في الفردوس، ليتذوقَ مرارة إتّباع الشهواتِ الجسدية، ويكتشفَ بنفسِه عمقَ وشدَّةَ وأصالة حب الله له، وبالتالي حلاوة و راحة الأصغاء لأمر الله. لم يُذّلَـهُ و لا قاصِصَه بقدر ما سمحَ له بالأنسحاب من أمامه كما فعل عندما آختفى عن أنظارِه بعد شعوره بفداحةِ عصيانِه (تك3: 8-10). وعوض القصاص وعَـدَه بمخَّلصٍ من نسلِه يكسرُ قوة الشهوةِ فيه بطاعتِه ، ويسحقُ قوةَ ابليس عدُّوِه اللئيم فيستعيد كرامته ومجدَه. لم يسمح اللهُ لأبليس أن يُهلكَ البشرية ويُبيدَها. بل وعدَ أن يُغَّلِبَها عليه ويزيدُ من شقاء ابليس وتعاستِه

وهكذا تصَّرفَ الله عبر الأجيال ليُقيم الأنسان من سقطاتِه ويوقفه على رجليه ويُحَّسنُ إدراكَه ويوَّطدُ علاقته به. فأمرَ الله بعدم قتل الأنسان مهما كان حتى الشرير. و أوضحَ أنه لا يُسَّرُ مطلقًا بموت الشَّرير” بل بأن يتوبَ ويحيا أمامه ” (حز18: 23). وأكَّـدَ يسوع من جديد هذه الرغبة ” هكذا أحَّبَ الله العالم حتى جادَ بآبنِه الوحيد لكي لا يهلكَ من يؤمنُ بهَ “(أية16)

بل ينال الحياة 

الله هو” الحياة لكل موجود “(يو1: 4). لاسيما الأنسان ،لأن حياته هي قبسٌ و” نسـمةٌ ” من حياة الله نفسِه. وجود الكون والكائنات إمتدادٌ لوجود الله. وبما أن الناس كلَّهم من سلالة آدم فلا فرق عند الله بين إنسان أبيض أو أسود أو أحمر أو أصفر. حياتهم هي إستمرارُ حياتِه بالفعل لا فقط بالمشيئة. و حياة الأنسان بشكل خاص مقدَّسةٌ وكريمة وغالية لا يُقدَّر ثمنها. لأنها صورة الله حيث قال: ” لنصنع الأنسان على صورتنا كمثالنا… فخلقَ الله الأنسان على صورتِه ” وسَّلمَه قدرة صنع إنسان جديد ليُمَّددَ الحياة (تك1: 26-28). جاءَ المسيح ليوفّرَها لكل الناس ، كل أهل العالم، وبشكل مريح وتام : ” أتيتُ لتكون لهم الحياة و تكون أفضل ” (يو10:10). و جاءَ أيضًا ليحميَ الحياة ضدَّ غباوة البشر وقساوةِ قلبهم

فيسوع هو كلمة الله الحي. و”الكلمة صار بشرا” (يو1: 14). فهو ” كلمة الحياة. والحياة تجَّلت فرأيناها وآلان نشهد لها ونبشركم بالحياةِ الأبدية “(1يو1: 1-2). والحياة الأبدية هي أن يعرفَ الأنسان الله الحق ، أى كما هو(يو17: 3). ورسالة يسوع أن يشهد للحق (يو18: 37) ، كما صرَّح لنيقوديمس :” نتكلمُ بما نعلمُ ، ونشهدُ بما رأينا ” (آية 11). لأنه ” لا أحد يعرفُ الآب إلا الآبن ومن شاءَ الأبن أن يكشفَ له “(متى11: 27). لذا دعا يسوع اليه ” جميعَ المرهَقين والمُثَّقَلين” دون آستثناء (متى11: 28)، كما أرسلَ تلاميذه الى” العالم أجمع “(متى28: 19) لأعلان بشارة الحياة لجميع الأمم (متى24: 14؛ مر13: 10؛ لو24: 47). لم يستثنِ يسوع لا شخصا ولا شعبَا أو أُمَّةً من الحياة التي جاءَ يفيضُها للكل. الكل مدعوٌ الى

الحياة :” لأنَّ اللهَ أرسلَ ابنَه الى العالم، لا ليحكمَ عليه ، بل ليُخَّلِصَ به العالم “(آية 17)

من يؤمن به  

ولكن من يخلُصُ ولا يهلِك ؟. إذا كان المسيحُ مات على الصليب فدفع ثمن الخطيئة فالكل مدعو الى الخلاص. أعلن من فوق الصليب ” يا أبتاه إغفِرْ لهم لأنهم لا يدرون ما يفعلون”. وهذا يعني انه للجميع. نعم غفر يسوع خطيئة العصيان بطاعتِه ، وخطيئة تفضيل الشهوة الجسدية بإماتةِ جسده وتحمله أشَّدَ العذاب. ولكن خطيئة الناس لم تبقَ ولا إنحصرَت بخطيئة الأنسان الأصل. بل زادَ الناس عليها خطاياهم الخاصّة. فهذا قائين لا فقط لا يسمع كلام الله بل ويتحداه الى القتل. وخلال أجيال معدودة تفاقمت خطايا الناس حتى جرَّت عليهم مأساة الطوفان. ولولا تدخل الله لآنقاذِ الحياة لفنيت البشرية وبادت عن الوجود. كان بين أولئك الخاطئين أبرارٌ، آمنوا بالله وسمعوا كلامه ، فأنقذهم وأنقذ الحياة على يدهم

ولما مات يسوع دفع ثمن كل الخطايا ودعا كل البشر، دون آستثناء، الى الأغتسال والتطَّهر من الخطيئة بماء المعمودية على مثال نوح وعائلته الذين نجوا بالفلك الذي طوَّفه الماء (1بط3: 20-21). آمن نوح وأهل بيتِه وأطاعوا نصيحة الله فخلصوا. أما الآخرون الذين لم يرضوا الرب (تك6: 8) فبادوا وآمَّحوا من الأرض (تك7: 21-23). واليوم أيضا ينتظرُ المسيح من البشر أن يتقدَّموا اليه ، يؤمنوا به ويعترفوا أنه الله المتجَّسد ، ويقبلوا به حصرًا مخَّلصا، إذ لا مُخَّلص غيره، ويقبلوا بتعليمهِ وينتموا الى عضوية جسده السري أى الكنيسة

والتعبيرُعن كل هذا أن يعتمدوا بآسمه، لأنَّ ” من آمن وآعتمدَ يخلص”. فالمعمودية هي التي أصبحت العلامة الحسّية للأنتماء الى المسيح والألتزام بتعاليمه. ومن يرفضُ المعمودية يكون قد رفضَ المسيح أو لم يؤمن به أصلا ولا قبلَه. ومن يرفضُه ولا يقبله لن ينال حصَّته من الخلاص ، لأنه ببساطة يرفُضُه. لا يكفي أن يكون المسيح قد كفَّرَ عن خطيئة الأنسان ، بل يجبُ أن يعترفَ الأنسانُ شخصيا وفرديا بمرضِه/خطيئتِه ويطلبَ الدواءَ المعروضَ عليه ، وإلا لن يُشفَ من دائِه

إرواءُ العطش الى الخلاص  

كلُّ إنسان في ضيق لا يتخلصُ من ضيقه إذا رفضَ التعاون. و الأنسان ، على صورةِ الله ، حُّرٌ ويقدر أن يرفضَ النجاة َ من ضيقِهِ كما رفضَ من البدايةَ الخضوع لمشيئة الله ليتبع رغبَته وقناعته الخاصة. لا يريدُ المسيحُ أن يحكم على أحد بل أنْ ينالَ الجميعُ أفضلَ الحياة. ولا يفرُضُ شيئا على أحد. ولا يمنعُ أحدًا من رفض الفداء. إنه يعرضُ الحياة على الأنسان. على كل إنسان. لكنه لا يهبَها له دون علمِه ودون أن يستعدَ لنيلها. يحترمُ الله حرية الأنسان ويريد أن يكمل عمله كصورة الله فيشترك في خلاصه وأنْ يطلبَه بوعيه وحّريتِه وآختيارِه. وأن يتنقّى أولا فيغتسل من نجاسةِ الخطيئة ومن ثمة أن يشتركَ في الأسرار فينالَ ” نعمةً فوق نعمة ” (يو1: 16). اللهُ عطشانٌ الى خلاص كل إنسان، كما صاح يسوع على الصليب ” أنا عطشان” (يو19: 28). و سبق ليسوع فدعا أيضا كلَّ الناس العطشانين الى الخلاص أن يذهبوا اليه ويشربوا من نبع خلاصِه ،” من كان عطشان فليأتِني. ومن آمن بي فليشرَب” (يو7: 38). وأما من لا يؤمن ويرفضُ نعمتَه فلن يخلص كما قال الرب :” وأنتم رأيتم ذلك ، فلم تندموا ولو بعد حين فتؤمنوا “(متى21: 32 ). فمن ” لم يؤمن بالأبن يُحكمُ عليه “(آية 18) وتبقى ” خطيئتُه ثابتة ” (يو9: 41)

القس بـول ربــان

 

 

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO