الأحـد الأول للـدنــح

الأحـد الأول للـدنــح 

2015.01.11

يُتلى علينا اليوم إنجيل -::< لوقا 4: 14-30 >::- ويقُّصُ خبرَ أول نشاط علني ليسوع في الناصرة ، في الهيكل، حيث يقرأ الكتاب المقدس ويُفّسرُهُ بشكل يُدهشُ السامعين ويُعجبُهم. ولكنه ما أن أشارَ إلى قساوة قلب الشعب وإهمال الله له حتى آنقلبوا عليه وحاولوا قتله و التخَّلُصَ منه ، لكنهم فشلوا

ما قرأه يسوع 

قرأ يسوع من سفر اشعيا 61: 1-2حيث يقول :” روحُ الرب عليَّ. مسحني الرب لأبشر المساكين. أرسلني لأنادي بالحرية وتحرير المظلومين. وأُعلنَ وقتًـا مقبولا للرب”. وكأني بيسوع يُعلن خطَةَ عمله ، خارطة الطريق التي يسيرُعليها. أتى ليخدُمَ الأنسان وليرفَع عن العالم خطيئته. لمْ يأتِ ليُمَّلقَ للأقوياء فيكسبَ ودَّهم ؛ ولا في بالهِ أن يؤَّيدَ القادة الطغاة و المتسلطين بقوة السلاح ليحميَ نفسَه ويحَّققَ مشاريعه الأقتصادية ؛ ولا في نيتِه أن يتركَ الحبلَ على الغارب فتعُّمَ الفوضى ويسودَ الفساد. لقد جاءَ كما قال يوحنا ليضع الفأس على جذع الشجرة الفاسدة ويستأصلَ الشرَّ والسوءَ من جذورها. جاءَ ليبنيَ لله مملكة على الأرض. مملكةٌ يسودها الحقُ والحب والإخاء والتعاون والحوارُ والسلام. الأرضُ والناس كلهم خلقة الله ومُلكُه وعليهم أن يسمعوا منه وإلا داهمهم الهلاك. جاءَهم لا فقط منذرًا بل محاسبًا وبالأكثر مُرشدًا ودليلا الى درب الخلاص. لأنه لا يريدُ موتَ الخاطيء بل أن يتوبَ ويحيا

إرجَع إليَّ يا شعبي

يبدو من كلام يسوع أنه لم يأتِ ” ليتبعَ الركبَ” ، ولا جاءَ يُخططُ كيف يسيطرُ على العالم وعلى الشعوب ليقودَها بهدف دنيوي بيد من حديد. لقد عاش الناس آلاف القرون في تلبية شهواتِهم ورغائبهم وأنانيتهم. فهَّمشوا من شاؤوا ونبذوا ، وظلموا من استطاعوا وسلبوا ، و سببوا الضيق والألم والتشريد والتعذيب إشباعًا فقط لنزواتِهم. لقد جاءَ المسيح ليسيرَ عكس الأتجاه. جاءَ ليُعيدَ الى الأنسان كرامتَه. جاءَ يقف مع الضعيف بوجه القوي، مع المنبوذين بوجه الطغاة. جاءَ ليخلقَ جَّوًا يرتاحُ اليه كل الناس ، جوًّا يرضى عنه الله و مجتمعا يعيشُ كما تتطلبُه طبيعته. جاءَ ينشرُ لواءَ الحَّق والمحبة ، والأحترام والتضامن ، والتآخي و التسامح. جاءَ يستأصلُ الشرَّ من جذورِه ليشُّعَ الأنسانُ قداسةَ الله ، وتغلبَ براءَةُ الأنسان فيزهو ويفتخرَ بخِلقتِهِ

هذه هي مشيئة الله وقد أعلنها قبل أجيال طويلة، من زمن اشعيا النبي. وهو ما نتعَّرف عليه من القراءة الأولى وهي اش44: 21- 45: 7، حيث مكتوبٌ :” يقول الرب: أنا جبلتُكَ. لن أنساكَ. أمحو معاصيك وخطاياك. إرجَعْ إليَّ يا إسرائيل. أنا الربُ إفتديتُكَ “!. جاءَ يسوع ليعيد الأنسان الى الله. فحياة الأنسان من حياة الله ، ” أنا جبلتُكَ “!. لم ينبذ اللهُ الأنسان ولا نسيَه ولا أهمله ، بل ما زال يصُّبُ عليه إهتمامَه ويشمله بحبه وعنايتِه ،” لن أنساكَ “!. ولا يُحاسبُهُ ليُعاقبَه. بل يذَّكرُه بأخطائِه ومساوئِه ويعرُضُ عليه العلاج فيدعوه الى أن يتوبَ عن سلوكه الخاطيء و يتراجع عنه. هذا ما يتطلبه ملكوت الله :” توبوا فقد إقترب ملكوت الله ” (متى4: 17). هذا ما طلبَه الله من شعبه من زمن اشعيا :” إرجع إليَّ يا اسرائيل” !. لكن الشعبَ لم يستجِبْ. فجاءَ الله بنفسِه يدعوه بفمه، يُشَّجعُه بشفاءِ أمراضِه، يُغريه بعرضِ عونِه وغفرانِه ، ويضمن متابعة َ معافاتِه ومساندةِ جهادِه ، فيسيرُ أمامه (اش45: 2) ويُفيضُ عليه روحَه الألهي (لو24: 49؛ يو14: 16، 26؛ 16: 7، 13). لقد ولَّى زمنُ العزلةِ والكراهيةِ والأنانية ، وحَّلُ زمن الحب والتضامن والمشاركة

عهـدٌ جديد إبتـدأ 

هذا ما نواه الله ، وما باشر بتنفيذه ،” اليوم تم هذا الكلام على مسامعكم “. إنما يتطلبُ من

الأنسان أن يتعاون مع الله ويمتلكَ ذهنا جديدًا منفتحا على الآخر، ونيـة سليمة تتوقَّفُ عن إدانةِ الآخرين ، وقلبًا من لحم يرحم ويرأف ويضُّخُ دم الحياة الى القريب كما يضُّخه الى صاحبه ،” أحببْ قريبَك كنفسك”. ويقتضي شعارا جديدا هو ” نكران الذات وتحمُّلُ الضيق وآتباع المسيح “(متى 16: 24)، لأنَّ يسوع وحده ” الطريق والحق والحياة “(يو14: 6)، ولأنه وحده الله الرب (يو13:13) ، ولا ” إلاهَ آخر سواه “(اش45: 5-6).

يحتاجُ الأنسان الى أن يعودَ الى براءَتِه الأولى التي جُبِلَ عليها ويعيشَ مع الله في علاقة محبةٍ بنوية ، وعلاقة الغصن بالجذع لتسيل فيه حياة الله وفكره و وِدُّهُ (يو15: 5). هذه العودة وحدها تُعيدُ اليه راحة الفردوس وهناءَها وأمانَها وسلامها. لأنَّ اللهَ الذي خلقَه في جَّـنة هو وحدَه فـداه على الصليب :” أنا الربُ فاديك ” (اش44: 24)

لا يقبلُ نبيٌّ في وطنِه  

هل سيسمعُ الشعبُ هذه المرة نـداءَ الله؟. هل سيستقبلُ مُرسَلَ الله بفرح وراحة ، أم سيواصلُ مسارَه المخالف ويقاومُ كالمعتاد كل صوتٍ يشُّذُ عن الموسيقى التي تخَّدرَ بها ، مُبرهِنًا بذلك أنه ” غليظ الرقبة وقاسي القلب ” (خر32: 9؛ 33: 3؛ 34: 9). يبدو فعلا أن أهل الناصرة إنتقدوا يسوع أنه يُجري المعجزات بعيدا عن مدينتِهم ، التي كان الأجدرُ به ان يُعَّليَ شأنها بإجراءِ المعجزات فيها قبل غيرها.  ولما بَيَّنَ أنهم غير أهلٍ لذلك حاولوا ، عوضَ تغيير موقفهم ، أن ينتقموا منه لأنه قللَّ من شأنهم بفضح عدم إيمانهم (لو4: 28-29)، فبرهنوا من جديد أنهم أحفـادُ أجدادهم الذين قتلوا الأنبياء (متى 23: 31)

وأحداثُ عنفِ الأسبوع المنصرم في فرنسا دليلٌ على قساوة قلب الأنسان في الأيمان وعلى إستمرارية تأثير الخطيئة على سلوكه إذ لم يتهَّذب كليا بالمحبة ولا إعترفَ بعدم قدرتِه على تحديد الحق والعدل. ما زال الأنسان مقتنعا كثيرا بفكره وبذاتِه ، ومحمولا على عدم سماع كلام مُرسَل الله ، ومدفوعا الى استعمال السلاح والعنف لفرض آرائِه عوضًا عن الحوار و اللطف في قبول الآخر والتفاوض معه لحياة مشتركة بهدوءٍ وسلام

القس بـول ربــان

 

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO