عنف الانجيل الجديد

عنف الانجيل الجديد

 

 

“ملكوت الله يُغتصَب، والمغتصِبون يأخذونه عنوة”

 

 

المطران سعد سيروب

لقد وردني تسأول من أحد الاصدقاء عن العنف في المسيحية: لماذا ترفض المسيحية العنف وما هو موقفها من كل ما يجري مما يحدث للمسيحيين؟ كنت قد كتبت كتيباً صغيراً عن “المسيحي والعنف”. واليوم أكتب موضحاً الآية من الانجيل التي يوردها الانجيلي متى في الفصل الحادي عشر. أية تبدو غريبة جدا علينا عندما نقرأها الآن، في قول للرب يسوع المسيح لتلاميذه: “ملكوت السماوات يُغتصَب، والمغتصبون يأخذونه عنوة… من له أذنان فليسمع” (متى 11/ 12-15). أية تبدو اليوم مشكّكة وغامضة. فلم يُعط حتى اليوم تفسير مقنع لها. ولا أقول أني أريد أن أعطي جواباً شافياً فهذا أتركه لحكمة الله وعلمه الواسع أن يكشفه لنا. ولكني أريد أن أقرأها على ضوء ما جاء في بقية الانجيل
لقد رأى العديد من المفسرين للكتاب المقدس، أن هذه الآية تحتوي على “عنف باطني” وذهبوا الى أنها تمثل تعليم المسيح للمرء الذي يطلب القداسة، أن يعنّف ذاته ويقهر أهواءه ويُضحي بملذاته. وأعتقد بان التفسير هذا معقول. ولكني اعتقد بأن الاية تنطوي على ما هو أكثر وخفي على الفهم! هناك قول للبابا بيوس الثاني عشر عن الكتاب المقدس، جميل جداً، أورده هنا للقارىء الكريم: “انه ليس من المستبعد على الاطلاق أن تدركنا نهاية العالم قبل أن نتمكن من فهم بعض ما أوحاه المسيح في الكتاب. وما هذا في الحقيقة إلا البرهان على أن كلامه يسمو علينا وعلى مداركنا، وانه يحمل في اعماق ذاته المطلق الذي يأتيه من وجود الله فيه. إلا أنه يجدر بنا ألا نقف مكتوفي الأيدي أمام المقاطع الصعبة، بل المطلوب أن نصغي الى علامات الازمنة، وهي أقدر مما نظن على مساعدتنا لاستجلاء معاني الكتاب. فلا يبعد أن يكون لكل زمان، ولكل مشكلة جديدةتواجه الانسان، جواب حاضر يخبئه المسيح، ويترتب علينا اكتشافه بالخضوع للروح القدس الذي لا يني يعمل ويكشف لنا عن كلّ شيء

 

العنف المتطرّف
العنف أخطر قضية من قضايا عصرنا وزماننا. ليس العنف جديداً على الانسان، فهو منذ البدء. وليس العنف اليوم عامل قوة دفاع فحسب، بل أنه مفهوم فلسفي وسوسيولوجي وسياسي وحتى لاهوتي. فهناك عنف الثورات الدامية؛ وهناك عنف المظاهرات والاضرابات والاستنكارات؛ وعنف التمرد والعصيان والرفض، هناك العنف عند المقتدرين الذين يلجمون الحريات؛ وعنف الفقراء الذين يطلبون العدالة الاجتماعية والمساواة؛ هناك العنف ضدّ السلطة الدينية؛ وعنف الحروب والمعارك

العنف موقف محيّر وصعب التفسير. فالمسيح في العظة على الجبل طوّب الودعاء وهنّأ المسالمين (متى 5/ 1-11). فالمسيحي يجد نفسه بين أمرين: ان يسكت ويصمت ويخضع ملتزماً بما يعلمه الانجيل، وبين أن ينبذ الظلم والتنكيل والهميش، فيحمله هذا على ركوب موجة العنف المضطرب! ولهذا نرى العديد من المخلصين يتوجهون نحو الكنيسة، نحو المسيح فيطلبون اليه الهدى، لا بل يطالبونه به

وهنا أعتقد بأننا بحاجة الى قراءة معمّقة في الانجيل واستجلاء لكنوز الحكمة الموجودة فيه بمزيد من الصدق والشجاعة والعزيمة، للوصول الى جواب الله عن المشكلة التي نواجهها اليوم

 

عنف يوحنا المعمدان
يجب علينا وقبل كل شيء أن نقرأ هذه الآية بعد أن نضعها في اطارها الكامل. فهي ترد في معرض جواب يسوع على تلاميذ يوحنا الذين جاؤوا ليسالوه عن المسيح. وبعد أن أجاب المسيح، أخذ يعلم يسوع الجموع عن يوحنا المعمدان ويقول عنه أنه ليس “بقصبة تهزها الرياح” (متى 11/ 7) وأنه لا يشبه أولئك الذي “يلبسون الثياب الناعمة ويسكنون في قصور الملوك” (متى 11/ 8). فهو لا ينصاع للضغوط ولا يغير مبادئه بسبب الاغراءات. “أنه نبي” و”أفضل من نبي”. فهو يمثل إنساناً جاهد ودخل بقوة الى ملكوت الله
العنف الذي يتكلم عنه المسيح يأتي من صورة المعمدان الشخصية التي عرفها، فقد كان يسوع قد سمع وربما شاهد سلوك يوحنا وتصرفه ومواقفه. فمن هو يوحنا، “أعظم الانبياء” و”أعظم من قام في مواليد النساء”؟ يوحنا نابذ للأعراف وثائر على التقاليد والاتباعية. يوحنا متمرد، يُضادّد مجتمعه البرجوازي والطبقي. هو صلب الطباع ومتزهد الى حدّ أن طعامه الجراء وعسل البر (متى 3). هو ثائر، يقوم على الرياء والخبث، وعلى الظلم بانواعه. لا يحابي الامتيازات الاجتماعية، ولا يتملق لأصحاب السلطة الدينية (متى 3/ 7-8
يوحنا غيور يدفعه عنفه المقدس الى “التحدي” و”التطلب”. لا يخاف من المخاطر ولا يجمل الالفاظ ليتغاضى عن المظالم. فهو عنيف، ولكن عنفه أعزل وأمام ترتجف الحجارة. أنه عنيف ولكن عنفه يتمثل وعياً وإدراكاً بأن عليه التضحية بحايته للدفاع عن الدالة والمظلومين. عنفه عنف لا يقتل بل يبذل حياته ويُعرّي زيف المجتمع والسلطة الدينية الزائف، ويكشف للفقراء والصغار الإله الحق “الذي جاء يدافع عن المظلومين
موقفه وكلماته تقوده الى السجن، وأخيراً الى الموت. ولكنه يعرف بان ملكوت الله لا يمكن أن يأتي إلا بصعوبة وعنف، لا بالتنازلات الجبانة. يوحنا لا يعرف الحياد والرقص على حبال المواقف: فهو يقف بوجه هيرودس ويقول له: “لا يحق لك أن تأخذ أمرأة أخيك” (متى 14). يوحنا العنيف الاعزل يجلجل قصر هيرودس المتسلح الخائف. انه العنف المجرد من السلاح، الضارب بقوة الحقيقة. انه جبروت العنيف البار النزيه، الذي له من القوة الادبية والروحية والانسانية ما يخيف البغاة والظالمين. عنف يعرض حياته للخطر، لكي يحافظ على حياة الاخرين. لقد أُعجب به المسيح

 

عنف يسوع
يسوع كان عنيفاً أيضاً. فهو لم يخاف ولم يتوانى من التنديد بمساوىء عصره ومجتمعه، وعنفه هذا قاده الى الصليب. عنفه كان بعطفه على المساكين ومحبته للخطأة وانتقاده للسلطة الدينية التي تتخاذل وتتنصل من واجباتها الدينية. عنفه أقوى من بطش السلطات
يظهر هذا في جواب يسوع لتلاميذ يوحنا المعمدان: “العمي يبصرون، والعرج يمشون، والبرص يطهرون، والصم يسمعون، والموتى يقومون، والمساكين يبشرون” (متى 11). هذه هي رسالته وهذا هو عنفه. رسالته هي خلاص أصغر الناس، وأخر الاخرين، الذين لا جاه لهم ولا فعالية ولا اقتدار. انها التفاته الى الفقراء والكادحين والخاطئين هو أخطر الاساليب العنف لمواجهة الظالمين
عنف يسوع يكمن في كلامه مواقفه التي هزت بدن الفريسيين ومكانتهم، وانتقدهم على تحميل الناس أثقالاً وأحمالاً، استعبدت الإنسان بدلاً من تحريره وعتقه. انه عنيف كيوحنا الذي رفض الاعتراف بألوهية قيصر: “أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله” (متى 22/ 21). عنفه لا سيف له: “رُد سيفك الى مكانه. فمن يأخذ بالسيف يهلك بالسيف” (متى 26/ 52). ولكن كلمته وموقفه وصدقه وامانته وحبه الفادي والمخلص أمضى من كلّ سيف ذو حد
عنف يسوع يفترض شجاعة أدبية مذهلة وعزة نفس عظيمة: “إن كنت قد اسأت في الكلام، فقل ليّ أين الخطأ؟ وان كنت أحسنت فلماذا تضربني؟” (يوحنا 18/23). عنيف يرفض العنف الهمجي والدموي والقتل والسرقة والنهب. عنفه يضع حدّا واضحاً بين بين جبانة الانهزام والاستسلام أمام بطش الاقوياء، وبين التصدي له بغير أدواته
موت يسوع على الصليب هو عنف الصدق والاستشهاد دون قضيته السامية. ليس الصليب تبريراً للعذاب، ولا هو استسلام لشوكة الموت، ولا هو تعظيم محموم لأهمية الضحية. انه عنف جديد نقيض العنف الملتبس كل المظاهر. يفضح صليب يسوع جوهر وطبيعة كل سلطة هدامة، سياسية كانت أو دينية. ويفضح بالتالي كل نظام ظالم ومتسلط. كشف يسوع عن محبة الآب للبشر وعن منطق الحب الوحيد القادر على تخليص الانسان من حالة العنف الراهنة

 

عنف جديد
كتب الصحفي واللاهوتي الاسباني خوان آرياس بهذا الصدد يقول: “إن كان الشرط لخلاصي أن أبذل نفسي لإخوتي، بل للجميع، فمن الطبيعي ألا يكون العنف الذي يتكلم عنه المسيح عنفاً داخلياً فحسب، بل أيضاً عنفاً يساعدني على الدفاع عن قريبي، ومساعدته وافتدائه. وإن كانت شريعتي هل المحبة، فلا يسعني أن أرى زوجة أخي يأهذها متجبر محتكر، وأظل مكتوف اليدين. ولا يسعني أن أسير الى جانب العميان والبرص والمقيدين والجائعين والمظلومين واليائسين والمنبوذين والذي حُوِّلوا إلى آلات واستُغلوا، دون أن أمتشق سلاح العنف، عنف التنديد القاطع، عنف المقاومة دون هوادة – في الامانة للروح ولرسالتنا الخاصة – عنف المجازفة بكل شيء – في الامانة لمواهبنا الخاصة – عنف التنديد المخلص، الشريف الفعال
ألخص واقول بأن الانجيل يرفض كل عنف مسلح دموي يتعدى على حياة الاخرين، ولكنه لا يستبعد روح الثورة والتنديد بالظلم والتعسف والاضطهاد والشرّ. الكنيسة التي تسكت على الظلم لا يمكن ان تكون كنيسة المسيح! وأعيد هنا ما كتبته في مرّة سابقة: “الكنيسة التي لا تعرف إلا تبخير الناس وتداهن الاقوياء وتجمّل صورة الواقع المرير، هي كنيسة لا تستحق ملكوت الله. عاجزة وفاقدة لروح النبوة. كنيسة لا تستحق التسمية، أي أن تكون كنيسة المسيح

Cohabitation

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO