الأحـد الثاني للمـيلاد

الأحـد الثاني للمـيلاد  

                   2015.01.04

يُتلى علينا اليومَ إنجيل -::< لوقا 2: 21-40 >::- ويقُّصُ خبر صعود يوسف ومريم مع الطفل يسوع ، وله من العمر أربعون يومًا ، الى هيكل أورشليم لتنفيذ متطلبات الشريعة الموسوية. وكانت المراسيم تتطلبُ تطهير مريم بسبب الولادة (أح12: 2-4)، وتقريب الطفل للرب و آفتدائِه (خر13: 2، 13؛ عدد18: 15-16). وظهرَ على المسرح بتدبيرٍ إلهي سمعان الشيخ وحنة النبية يكشفان عن هوية الطفل ويُبَّشران أن الفداءَ المنتَظَر قد أتى

كلُ بكـرٍ فاتِحِ رحم  

لقدَ شَّدَدَ الأنجيل على صفة يسوع ” البكورية “!. معَ أنَّه لم يكن ليسوع إخوةٌ أصغرُ منه حتى يكون هو بكرَهم. لأننا نُسَّمي اليومَ ” بكرًا” من له إخوة أصغر منه. أما الأبنُ الواحد فيُسَّمى” وحيدًا “. لكن الحسابَ عند اللهِ يختلفُ. لقد سمَّى اللهُ شعبَه المختار” إسرائيل” إبنَه البكر(خر4: 22). فصار البكرُ يعني الأول ، لأنَّ الله نوى أن يُغَّير الشعب الذي أظهر ” غلاظة الرقبة وقساوة القلب”، ” ولم يثبت على عهدي. قال الرب : فأُهمَلتُهم أنا أيضا “(عب 8: 9) ، بشعب لطيف مؤمن مطيع ” يؤَّدي الثمر في وقتِه” (متى21: 41)

البكرُ يعني ،في منطوق الكتاب المقدس ، الطفل الأول الذي يفتحُ رحم أمه ويولد و يكون “ذكرًا”. لأنَّه يوم أهلكَ الله أبكار المصريين أنقذ أبكار بني اسرائيل، فقال الله ” لموسى: كّرِسْ لي كلَّ بِكرٍ فاتح رحم من الناس والبهائم في بني أسرائيل”(خر13: 2). حياتُهم بيد الله ومُلكٌ له. فاتح الرحم هو الذي يتحَّققُ فيه أمرُ الرب وقوتُه الخلاقة المُسَّلمَة الى الأنسان. هكذا وصفَ يعقوب آبنه رآوبين :” أنت بكري. قوتي وباكورة رجولتي”(تك49: 3). إنه يُمَّددُ حياة الله ويُكَّثرُ من صورِه في الكون. هو في الحقيقة صورة والِدِه ومن ثمة صورة الله نفسِه. ولهذا كان للأبن البكر مكانة الوالد تجاه إخوتِه الأصغر منه ، بل كان سيَّدَهم (تك27: 29؛ 49: 8). وعليه لا نستغرب أنْ يُسَّمى الأبكارُ” أبناءَ الله “(لو3: 23-38) ، وتذكرهم القوائم وحدَهم دون إخوانهم (تك5: 3-32)

إبنٌ حبيبٌ وحــيد  

إن كان يسوع ” الأبنَ الأول” صورة جوهر الله وشعاعَ مجدِه..وقوة كلمتِه (عب1: 3) ، فهو إبنه الحبيب كما أعلنه الآب (متى3: 17) ، وآبنه الوحيد كما أعلنه يسوع نفسه (يو1: 14و 18 ؛3: 16 و18؛ عب 11: 17) ، وكما نؤَّكدُ عليه في قانون الأيمان. هذا البكر الوحيد إقتنى لنفسه إخوة كثيرين ، هم الذين آمنوا(يو1: 12) والذين إنقادوا لروح الله ودعوا الله  بالروح ” يا أبتاه ” (رم8: 14-15) فأصبحَ لهم بكرا (رم8: 29) ، وبقوةِ نعمتِه وأُخُّـوتِه أصبحوا أبناءَ الله ، وأبناء أحّباء (يو15:15) مثله

أبنـاء أحَّــباء 

لقد أصبح كلُ مؤمن بالمسيح شريكا ليسوع في بنوة الله (عب3: 14). لقد شاركَ المسيحُ الأنسان كلَّ شيء (عب3: 17)، ما عدا الخطيئة (عب4: 15)، ليتقاسمَ الأنسانُ مع الله كلَّ شيء عـدا اللاهوت. وأعظمُ خير لله بعد الوجود هو المحبة ، فأحبَّ الأنسان الى أقصى حد ممكن وهو بذل الذات (يو3: 1؛ 15: 13). وطلب منه بالمقابل أيضا أعظم الحب ، النابع من حب الله (يو13: 34)، الذي لا غرباء عنه ولا أعداء له (لو6: 27)، والذي يفوق حتى حُبَّ الوالدين أو الأولاد (متى10: 37)

هذا هو النور الذي أضاءَه يسوع ، البكرُ فاتحُ الرحم ، ليَهدي البشرية الى الحق. فيقول طفل المغارة ” أنا أخوكم. أتيت أدعوكم لـتلقوا أنفسَكم في أحضان الله أبيكم. خلاصكم ومجدكم وراحتكم في أن تخضعوا مثلي لكلام الله. لأنه أبوكم.. بل هو أبونا كلنا: ” أبي وأبيكم ” (يو 20: 17). أنظروا إليَّ ولا تتعَّجلوا في إصدار أحكامكم. إنكم لا تُدركون حالاً عمقَ مُبررِ سلوكي. إنما يتخذ ذلك وقتا. أنظروا الى مريم أمي وآسلكوا مثلها. لم تكن تلتقط رأسا وتفهم كل ما يجري لها أو حواليها. كانت مع ذلك تحفظ كلَّ شيءٍ وتتأملُ به في قلبها “(لو2: 19 و51)

زوجا يمام أو فرخا حمام

أرادت مريم أن تشتريَ إبنَها البكر من الله. ماذا تقَّدم عنه؟. لا هديةٌ ولا ذبيحةٌ تقدرُ أن تقفَ إزاء عظمته ومجده حتى تُثَّمَنَ فديةٌ عنه. هو مثري الأغنياء وعاقد تيجان المسحاء العظماء. تفتخر به مريم. لكنها لا تملك حتى ولا ثمن حَمَلٍ تشتريه وتقَّربُه عنه لله (أح12: 6). مريم فقيرة لكنها لا تخجل بفقرها. ولا تتشكى منه أو تتذمر بسببه. ما تقدر عليه هو أن تقربَ عنه ذبيحة الفقراء :” زوجي يمام أو فرخي حمام ” (أح12: 8). لما إستودعَ الله كنزه بين يديها عرفَ فقرَها وضعفها وآختارَه ” ليخزي الأقوياء والأغنياء “(لو1: 51-53).

ولما تـبَّنانا اللهُ نحن أيضا عرفَ ضعفَنا وفقرَنا. لم يستنكف حالتَنا ولا إزدرانا حتى بسبب إثمِنا بل أحَّبَنا بالزائد ، لأنه ” حيث كثرت الخطيئة تفاضلت النعمة ” (رم5: 21) ، فرفع الأذّلاءَ منا وأشبع الجياعَ (لو1: 52) وصنع العظائم على يد الفقراء (لو1: 49). لقد قدَّمت مريم عن إبنها طيورا ، وأما عنا لتفدِينا أولادًا لها فقدمت حياة ابنها وقلبَها الذي مزَّقه سيفُ الألم الذي غرزته فيه خطايانا “(لو2: 30).  هكذا ولدتنا مريم إخوة ليسوع، تحت الصليب

كما فدانا يسوع فوق الصليب فغفر لنا وآستقبل في ميراثه أول أخ ،” لص اليمين” !. لقد إستفتح لصُ اليمين ، ” التائب والمؤمن ” ، فدَّشن درب الخلاص وسار فيه على أعقاب يسوع. كان بكرَ الأخوة وأولَ الأبناءِ في السماء

من يعمل مشيئة الله هوأخي

لقد قبلنا المسيحُ إخوةً له. فقَّربَتنا مريم لله معه في الهيكل. ورفعنا الى الله سمعان الشيخ و لكنه لم يترَّددْ في القول بأنَّ إخوةً كثيرين سيخونون أخاهم الأعَّز، وسيعَّلقونه على الصليب.  بسببه سيسقطُ الكثيرون لأنهم لا يؤمنون بالحب ، ولا آختبروا الأُخُّوة. وتبـدأ الخيانة على يد واحد من أقرب المقَّربين اليه ، من الذين قاسموه زادَ الحياة : ” الذي آكلَ خبزي رفعَ عليَّ عَـقِبَه ” (يو13: 18)

كما قتل قائينُ أخاهُ ، وباعَ يوسفَ إخوتُهُ ، وخانَ يهوذا معَّلمَه هكذا يطولُ طابورُ الإخوة المزَّيفين الذين أداروا الظهرَ لأخيهم ، ومن ثمَّـة لأبيهم. لقد تسمّوا بآسمه وأعلنوا شعارَه ، لكنهم ركبوا سفنًا غريبة عن أسطولِه وأبحروا عكس إتجاهِه وآختفوا بين رافعي السيوفِ على المسيح وعلى كنيستِه (أع4: 26). وما كثرة غيرهم الذين تسَّتروا وراء جدران بيوت العبادة ومظاهر الأيمان ، أو تشَّدقوا بالشعارات الرنانة لكنَّ حياتَهم لم تتعَّـدَ أكثرَ من أن تكون حديقة دعايةٍ وإعلان لأعداءِ أخيهم المسيح!!. وكم تظاهرَ غيرهم بالغيرة والرحمةِ واللطف وآحترقتْ أعمالهم بنيران نفاقهم ومراءاتهم وتقاليدهم !. لقد تبنى المسيح طبيعتنا وقبلنا إخوةً له، ودعانا الى أنْ نتبع موكبه ، ولكن إذا لم نفعلْ فسوفَ لن ينخدعَ بنا ولا يُولمنا على مائدة مجده وسعادتِه. فمن لم يناضل معه للحق وضد الشر لن ينال إكليل النصر والهناء

 

القس بـول ربــان

 

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO