رأس السـنة ، يوم السـلام العالمـي

رأس السـنة ، يوم السـلام العالمـي  

     2015.01.01

     عــيد ختــانة المســيح

يُتـلى علينا اليومَ إنجيل -::< متى1: 18-25 ::- ويقُّصُ علينا خبر يوسف المسالم الذي لا يريد أن يخالف الحق، كما لا يريد أن يُسيءَ الى أحد بأي شكل كان. ومن جهة ثانية خضوع المسيح الأله لنظام البشر وهو لا يحتاج اليه!. وقد وجَّه قداسةُ البابا ، كعادةِ كل سنة، رسالة الى العالم كله يدعوه فيها الى آحترام الشخص الأنساني، مهما كان، و عدم التقليل من قيمتِه ، أو الأستهانة بحقوقِه ، لأي سبب كان. وعنون الرسالة : ” لا عبيدٌ !  بل إخـوة “

               لا عبدًا ، بل أخًا حبيبًا  

هذا ما كتبه مار بولس الى معاونه فيلمون بخصوص العبد أونيسِموس الذي هرب من خدمته وآمن بالمسيح وأعاده الرسول اليه لتقوم بينهما علاقة جديدة مبنية على الأخوَّة التي يتمتعان كلاهما بها من خلال الصلة في المسيح نفسِه (فيلمون آ 10-17)

وآنطلاقًا من هذه الآية وجَّه قداسة البابا رسالتَه ” في يوم السلام”، داعيًا الى السلام وإلغاءِ كل عبوديةٍ ، مستندًا الى تعليم المسيح ورسالتِه ، التي يُحَّققُها الله من خلال تعاون البشر

لنُصغِ الى مشروع اللـه والأنسانية  

يُشَّكلُ الأنتماءُ الى المسيح ، وبدءُ حياةِ التلمذة، ولادة ً جديدة ، تُجَّددُ الأُخُّـوةَ التي هي الرابطُ الأساسي لحياةٍ عائلية وأساسُ الحياةِ الأجتماعية. لقد خلقَ اللهُ الأنسان ذكرًا وأنثىً، وباركهما لينموا ويتكاثرا. فأصبحا والدين ، وحَّققا بركةَ الله بالتكاثر فأنجبا أول ” أُخَّـوَةٍ ” هي قائين و هابيل. خرجا من نفس البطن، ولهما بالنتيجة نفسُ الأصل والطبيعةِ والكرامة التي لوالديهما المخلوقين على صورةِ الله وشِـبهِه

والأخُّوة تعني أيضا ” الكثرة” والأختلاف بين الأخوة رغم إرتباطهما بالولادة وآمتلاكهما نفسَ الطبيعة ونفس الكرامة. لهذا تشَّكلُ الأُخُّوة شبكة علاقاتٍ أساسية لأجل بناءِ العائلة البشرية التي خلقها الله. بينما الخطيئة هي الأبتعاد عن الله وعن صورة الأب وعن صورةِ الأخ فتصبح تعبيرا عن رفض الشركة وتُتَـرجمُ في ثقافةِ العبودية مع النتيجة الحتمية التي ظهرت وستستمر من جيل الى جيل : إنها رفضُ الآخروبالتالي هضم حقوقه وتكريس عدم المساواة

وهذا يقتضي ضرورة الأهتداء الى عهد المسيح بذبيحتِه. المسيح كشف للأنسان حب الله و غفرانه عندما يتوب الأنسان. ومن يهتدي الى المسيح هو ” الأخ والأخت والأم ” له وآبنًا لله بالتبني. وهكذا دخل الذين تجاوبوا مع دعوة الكنيسة الأولى ” أُخُّـوةَ الجماعة المسيحية الأولى”

الأوجه العديدة للعبودية : أمس واليوم  

عُرفت العبودية من عهود سحيقة بل وقُنِـنَّتْ بأنظمة. لكن اليوم إستقيظ ضمير الناس و أصبحت ذنبًا مُحَّرَما علنا في العالم ، بحَّقٍ دولي. مع ذلك لمْ تُلغَ في أشكالها المتعَّددة. إنَّ كثيرين يُحرَمون من حريتهم ويُرغمون على العيش في ظروفٍ قاسية أشبه بالعبودية. من هؤلاء: العاملون في قطاعات مختلفة يُحرمون من عمل وأرضٍ وبيوت ومزارعَ ،أو يُعتدى  على حقوق العاملين في المناجم والمعامل عوضًا عن حمايتِهم..كذلك المهاجرون والمتألمون من الجوع والمعتدى عليهم جنسيا أو مُعَّذبون..والقاصرون والشبابُ المستغلون في تجارة المخّدرات..والمخطوفون والأسرى لدى الأرهابيين المطالبين بالفدية.. وأشكال أخرى تقَّدسُ

الظلمَ والإهانة والتشريد والنـبذ

بعضُ أسباب العبودية  

لقد نما شعورٌ يقبلُ بإمكانية آعتبار الشخص الأنساني ” شيئًا “!. وهذا فعل الخطيئة التي تفسِدُ قلب الأنسان وتُبعِدُه عن الله خالِقِه وعن أمثالِه. وعندئذٍ لا ينظر الى هؤلاء كأشخاص متساوين في الكرامة ، مثل إخوةٍ وأخوات، وفي الأنسانية. يُعتبرون أشياءَ يُستعملون لمنفعتهم. ويُعتبرون مادة تجارية تؤول ملكيتهم الى آخر. وهذا يعني رفضُ الإنسانيةِ في الآخر

وتكمن بعض الأسباب في الفقر والتخَّلف والنبذ والطمع والفساد والأذلال. والفساد يُصيبُ عادة بعض أجهزة الدولة أو المنظمات الدولية. والصراعات المسَّلحة والعنف والأجرام والأرهاب هي أيضا تَذُل الأنسان وتستغله وتقوده الى الهجرة وسلبِ أملاكه وداره وأرضه وحتى أهله

واجبٌ عام للتغلب على العبودية  

يذكر البابا أن المسؤولين لا يبالون بالعبودية. في حين تعمل مئات الجمعيات الدينية ، النسائية خاصة، لرفع الغبن عن الضحايا وإنقاذهم من ورطاتهم. تعمل في ظروف صعبة وتتلقى التهديد أحيانا عوض السند ، لاسيما تهديد أهل الضحايا وإرغامهم على دفع الفدية!. ويتمحورُسعيُ تلك المنظمات حول إنقاذ الضحايا ، وإعادة تأهيلهم، وإدماجهم من جديد في مجتمعهم الأصلي أو الجديد

يُحَّرضُ قداسته الحكومات على السهر على أن تكون دساتيرهم بنّاءة حول الهجرة والعمل والتبني وغلق الشركات المضرة وتصريف نتاجَ المستَعبَدين. تدعو الحاجة الى قوانين عادلة ترَّكزُ على الشخص البشري ، وتدافعُ عن حقوقِه الأساسية. كما يدعو المنظمات غير الحكومية القائمة على مبدأ التكافأ والتضامن الى تفعيل مبادراتِها التعاونية لمحاربة شبكات الجريمة المنظمة القادمة من الخارج. ضروري التعاونُ على مستوياتٍ مختلفة من ضمنها المؤسسات الوطنية والدولية مثل منظمات المجتمع المدني وعالم الشركات

عولمة الأُخُّـوة لا العبودية ولا اللامبالاة  

وهذا ما تسعى اليه الكنيسة. فمن خلال ” إعلان حقيقة حب المسيح في المجتمع ” تعمل في الأنشطة ذي طابع إحساني إنطلاقًا من حقيقة الأنسان. ومن واجبها ” تلمذوا .. علموا ” أن توَّجهَ الناس الى طريق الأهتداء. وهذا يتطلبُ تغييرَ النظرة الحالية الى القريب والى رؤيتِه كأخ وأخت في الأنسانية ، والأعتراف بكرامتِه الباطنية في الحق والحرية، كما جَّسدَتها القديسة بخيتا وغيرها

ويدعو البابا ، في الختام ، كلَّ واحد ليسعى في إطار دورِه الخاص ومسؤوليتِه، الى تجسيد سلوكٍ أخوي تجاه من هم مُستَغَّلون أو عبيد. ويقول :” بعضُنا يسُّدُ عينَه الواحدة بسبب اللامبالاة أو الأنشغال بأمور الحياة اليومية، أو لأسباب إقتصادية. وغيرُه يختار بالعكس أن يعملَ شيئا إيجابيا فينتمي الى منظمات المجتمع المدني ، أو يقوم بأفعال صغيرة مثل توجيه كلمةٍ أو تحية أو إبتسامة ، وهي لا تكَّلفُنا كثيرًا، بل تقدر أن تعطيَ الرجاءَ ، وأن تفتحَ السبُل ، وأن تغَّيرَ حياة شخص يعيشُ في الظل ، ولاسيما أنْ تغَّـيرَ حياتَنا إزاءَ هذه الحقيقة 

البابا فرنسيس

روما 8 / 12 / 2014 

إعداد القس بول ربان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO