موعظة الاحد الاول من الميلاد

موعظة الاحد الاول من الميلاد

متى 2/ 1-12
زيارة المجوس

المطران سعد سيروب

يبدأ انجيل اليوم بالقول: “أن مجوس من المشرق جاؤوا الى اورشليم”. كل جديد يثير في الانسان الفضول وحبّ الاستطلاع والمعرفة. هذه المرة الجديد ليس مجرد فكرة أو ظاهرة، بل أنه طفل “مضجع في مذود”؛ أنه البشرى السارة التي تجذب الناس إليها. هذا الطفل ليس لفئة أو عرق أو أثنية معينة، أنه لجميع الامم، انه تحقيق لنبؤة الانبياء الذين تنبؤوا بان الملوك من الشرق والغرب ومن الجنوب والشمال سيأتون ليسجدوا له (مز 72/ 10-11؛ اش 49/ 7). المجوس الحكماء يمثلون الامم المدعوة الى الدخول في الايمان والاشتراك بالخلاص الذي جاء به المسيح. خلاص المسيح خلاص شامل وعام، بلا حدود. دعوة للجميع ليدخلوا اليه بالايمان (حدوده الوحيدة هي رفض الانسان، لا عقله ولا علمه ولا جنسه ولا لونه..إنها إرادته


متى يريد أن يؤكد أشتراك الامم واسبقيتهم في قبول المسيح (سمة من سمات انجيل متى التركيز على خلاص الامم: المرأة الكنعانية متى 15، أعميان في اريحا متى 20…). الغريب يعرف اكثر من القريب؛ والامم تقبل المخلص وتؤمن به. في حين أن اليهود الذين منهم يأتي المسيح تأخذهم قساوة القلب بعيدا عنه. فالكتبة والفريسيون لا يتعرفون على المسيح على الرغم من أنه يعرفون الكتب المقدسة ويقرأونها كل يوم! انفتاح العقل على الله واسطة للخلاص والتعرف على نعمته العظيمة. المجوس هم خبراء في قراءة لغة النجوم، ولكن هذا ليس إلا مجرد أداة للتعرف على الاله الشخصي. النجم يقودهم نحو الطفل. لقد تعودوا ان يبحثوا عن الحقيقة ويجدوها هنا وهناك، ولكن اليوم الحقيقة هي التي تجدهم في هذا الطفل. الحقيقة التي هي لقاء شخصي. ليس مجرد فكرة أو ايديولوجية أو نظرية أنها شخصية تفرض نفسها عليك

يصلون الى حيث الطفل يركعون ويسجدون ويفتحون كنوزهم وعطاياهم: يركعون، يسجدون ويعطون، انها ثلاثة افعال تمثل العبادة الحقيقية للاله الحقيقي. لقد انتقلوا من عبادة النار والنجوم، الى العلاقة الشخصية بالأله الشخصي. من عبادة تقوم على الخوف ومستعبدة للقدر، الى عبادة تقوم على الحبّ في الحقيقة (يوحنا 4). العطايا التي فتحوها تشير الى ثلاثة ابعاد اساسية في حياة هذا الطفل: (ذهب) الملوكية؛ (البخور) الألوهية؛ (مرًّا) المخلص بموته وقيامته. فهو الملك الحقيقي الذي لا يقوم ملكه على سياسة مغلوطة وكاذبة، بل على رعاية واهتمام مترجم برحمة وغفران لا متناهيين. المسيح الذي يملك بحبّه ورحمته على قلوب البشر ويدعو الجميع إليه. يسوع يمثل التحقيق الكامل للألوهة، فهو ابن الله الذي يكشف لنا الله ويقودنا اليه. وهذا يتحقق من خلال عيشه لحياة البذل والعطاء، البذل الى غاية الموت، الموت من أجل الآخرين

ملوكيته تمرّ بالفقر والتواضع. ولهذا فهي مربكة ومزعجة الى حدّ التهديد. يبين متى هذا من خلال قوله: “اضطرب هيرودس وكل أورشليم”! صورة ملك مخالفة لما نعرفه، تثير فينا الخوف، لانها خروج عن المألوف وكسر لكل ما هو معروف. الملوكية المسيحانية التي يعلنها متى الانجيلي تخالف صورة مسيحانية قائمة على استعداد الامجاد التليدة والسياسية المفقودة. انه صورة ملك هو طفل، ولكن بكليته لله ومن أجله. مسيح يعلن تغييراً يبدأ من قلب الانسان وليس من ظروفه الخارجية. ولهذا يثير فينا الازعاج، فهو يفوق منسوب المعرفة التقليدي ويخالفه. ولكن هذا الطفل هو ملك الدوادي المنتظر

الحقيقة التي وصل إليها المجوس ليس مجرد تحصيل حاصل لمجموعة من التجريدات العقلية! أنها حقيقة بسيطة ومتواضعة، انها شخصية وعادية. انها طفل. ولهذا فهي تضادّد كل تكبر وكبرياء. الحقيقة هي”شركة”، يقول الانجيلي متى بانه “دخلوا الى البيت”. هذا التعبير ليس إلا دلالة على واقع الشركة الذي تجمعنا بواسطته حقيقة يسوع المسيح. لا يمكن ان تبقى الحقيقة سجينة ذاتي وعقلي، انها للجميع. بالمسيح تُلغى المسافات التي تقيمها حدود مثل الثقافة والعرق والاثنية.. ويصير كل الجنس البشري واحدا في المسيح. في المسيح يصل الانسان الى الانسجام والى بناء البشرية التي أرادها الله منذ بدء الخليقة. الحبّ صار هو حقيقة الانسان الوحيدة، القادر على أن يجلب الجميع الى شركة شاملة

تأمل
ما أسم نجمك؟
من اين يقودك؟ من بعيد
ربما من الخطيئة وعدم الايمان؟
ربما من اللامبالاة وقساوة القلب؟

لا تخف
لقد صرت قريباً
ها هو النجم يظهر مرة أخرى، يظهر تارة ويختفي تارة
ولكنه هناك، ينتظرك أن تنظر اليه
ليقودك الى الطفل يسوع
الى الحقيقة البسيطة والمتواضعة
الى الحقيقة التي تقول: أنك محبوب والله يريدك له

لا تخف
البعيد صار قريباً
مفاجىء وغريب، ولكنه حقيقي وبسيط
علمُك مهم ولكنه لا يكفي
عقلك مُلم ولكنه محتاج دائما
ثق، أنه الله يحبك فأدخل الى بيته

 

Mages

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO