الأحـد الأول للمـيلاد

الأحـد الأول للمـيلاد 

       2014.12.28

يُتلى علينا اليوم إنجـيل -::< متى 2: 1-18 >::- ويقُّص خبر قدوم ” مجوس ” من المشرق يتقَّصون أخبار ولادة يسوع ويلتقون مع هيرودس الملك الذي يستخبر الأحبار وعلماء الشعب عن مكان ولادة المسيح ثم يُرسل المجوس الى بيت لحم ويضمرُ الشَّرَ في قلبِه ليقتل المسيح. ويوحي الملاك الى يوسف ليهرب بيسوع ومريم الى مصر ، بينما يستسلمُ هيرودس لغضبِه و يقتل أطفال بيت لحم

رأينا نجمه ، وجئنا لنسجد له 

سؤالٌ لا يبرحُ الفكرَ : من هم المجوس ؟ ومن أين لهم معلوماتٌ عن ” ملك يولَدُ لليهود  “؟. صحيحٌ أنَّ الله قد وعد ألأنسانية منذ آدم بأن يرسل لها مخّلصًا. وقد وعد لأبراهيم أنْ يولد ملوك من زرعِه! ، وأنَّ ذاك المخلصَ سيولد من نسله. وأوحى لأنبياءَ عديدين عن هويتِه : سيكون مثل كوكب يُشرق من نسل يعقوب (عدد24: 17) ويضيءُ كنور ساطع في أرض الموت (إش9: 1؛ متى4: 16). ولكن كيف عرفَ المجوسُ ذلك؟

يُقال عن المجوس أنهم علماءُ فلكٍ وحُكماء. ربما تعَّلقت في أذهانِهم النبوءاتُ عن المسيح،لا سيما وأنَّ الجاليات اليهودية قد إنتشرت شرقًا وغربًا وملأت البلدان المتحضَّرة آنذاك. و تعَّرفَ عليهم الشرقُ الأوسط ، بل حتى الأبعد ، بعدَ أن سباهم ملك بابل الى بلاد فارس منذ أوائل القرن السادس قبل المسيح. وآطلعَ العالم على إيمانهم وتطلعاتِهم. وقد يكون الله نفسُه أوحى الى بعض من هؤلاء العلماء والحكماء بالترَّقب لمجيء هذا ” الملك المخلص، الشبه إلهي” و بالبحث عنه ونشر خبره في العالم. وتتجلى هويتُهم بنوع الهدايا التي جلبوها معهم للمولود ، ” ذهب وبخور ومُر”. أنها لا فقط هدايا غالية الثمن، فتدُّلُ على مقام أصحابها ، بل تُشيرُ برموزها الى سمو هوية الطفل وعظمة مستقبله. فالذهب يشير الى ملوكية المسيح ، و البخور الى لاهوتِه ، والمُر الى مصيره الآلامي المأساوي. وقد تكون هذه الهدايا تعبيرًا يقدمه متى الأنجيلي عن إيمان المسيحية بهذه الهوية الفذة ليسوع المسيح

لاسيما وأنَّ متى لا فقط إستفردَ بهذا الخبر بل وشَّددَ على آهتمام الغرباء بالمسيح والأعتراف به والسجود له في حين تنَّـكرَ له أهله اليهود{الى خاصته جاء وخاصته لم تقبله : يو1: 11} فسمع قادة اليهود بخبر ولادته ولم يتعَّقبوا الخبر ولا إهتموا بمجيئه، بل زادَ رئيسهم المدني في الطين بِلـةً إذ حاولَ التخلص منه ، وهو لم يزل طفلا رضيعا !. وسيعلن عن هذه المأساة على أغلب صفحاتِ انجيله. بل يدينهم دينونة قاسية:” يأتي أناسٌ كثيرون من المشرق و المغرب ويجلسون …في ملكوت السماوات ، أما بنو الملكوت فيلقون في الظلمةِ البرانية ” (متى8: 11-12)

إنَّ قيمةُ قصة المجوس بمغزاها لا بفحواها. فحتى لو لم يكن مجوس لـنظمَّ متى الخبرَ ليُبرزَ شخص يسوع ويكشفَ سبب تخلي الله عن شعبِه المختار!. وحتى الطقوص الدينية تبرزُ هذا الوجه أكثر من التركيز على تأريخية الخبر. فصلاة الطقس الكلداني مثلا تلَّوح الى البلاد التي منها قدموا فتذكر بلاد : فارس { وتشَّدد عليها} ، وثضيفُ بلاد: الهند والصين، واسبانيا وجزر الغرب ، وسبأ وشبأ و بلاد أوفير في الجنوب ، أى جمَّعت أقطارالعالم الأربعة. بغضّ النظرعن كيف تمَّ ذلك !. وتركز على أنهم : ” إنحنوا وركعوا وسجدوا..للملك ، ملك الملوك ، الملك الأبدي” وتدعو للوفاق بين السلطة الزمنية والدينية ، بعد أن أدانت موقف هيرودس الخبيث والشّرير

راحيل تبكي وتأبى أن تتعَّزى 

سجدَ المجوسُ ليسوع ورجعوا الى ديارِهم. أما هيرودس ” فآستشاطَ غضبًا ” على عدم عودتهم اليه ليأخذ منهم أدّق التفاصيل فيقضي على الطفل دون عناء. ولم ترُّدَه عن قساوتِه براءَةُ الأطفال ولا بشاعة هدر الدماء!. كلُ إناءٍ بما فيه ينضحُ!. وكلُ شجرةٍ تُعرفُ بثمارِها. وقد يقول قائلٌ : وما ذنبُ الأطفال أن يدفعوا ثمن شر غيرهم؟. وما ذنبُ بيت لحم أن تتّشحَ بالسواد ويغمرَها الحزن بسبب غرباءَ عنهم؟. هذه مقاييسنا نحن البشر. أما طرق تفكير الله وسلوكه فيختلفُ كليا عما للبشر(اش 55: 8-9). فلا غريب بين البشر ما داموا عائلة واحدة يتسلسلون عن آدم ويتوجهون نحو بيت الآب السماوي الواحد. وفي العائلة الأنسانية الواحدة يتقاسم الكل” الحلوَ والمر”. ولسلوك الفرد، شاءَ أم أبى، مردودٌ على المجتمع لأنه إبنُه. فالناس هكذا يتقاسمون بينهم المسؤولية في الخير والشر ويشتركون في نتائجهما. فسيدفعُ أطفالُ بيت لحم الأبرياء ثمن خطيئةِ البشر ألأشرار، لأنَّ مولودَ مغارةِ بيت لحم سيُخَّلصُ كل الناس من خطاياهم ، ولا خلاص ولا مغفرة بدون إراقةِ دم (عب9: 22) ؛ وإنَّ مولود المغارة نفسه سيقدم ذاتَه ذبيحة ليزيل خطايا جماعةٍ كثيرة (عب9: 28). 

مع الأطفال بدأت قافلة شـهداء الحق والحياة. لقد إنتموا الى المسيح في إنسانيتهم البريئة. لقد إشتركوا في حق المسيح المُضطَهَدْ على أيدي عملاءِ الظلمة. وقد لبست بيت لحم الحداد مع حواء على الفردوس المفقود بسبب أشكال خطيئة الأنسان ، وتتضامن مع كل المدن والبلاد التي يُذبحُ فيها الحق على مذبح الأنانية والحقد والكراهية. إنها نموذجُ بلداننا ، وسبقتها بلدان أخرى على مر التأريخ ، التي تبكي العدلَ ، وتذرف الدمع للكرامة المُداسة ، وتتأسفُ على الحرية المُنَّجَسة ، فتتأَّلم وتتحَّسر على البشر الذين ينقادون لشهوات غرائزهم ولا يُقيمون للحب حسابا ولا للدينونة كتابا

فلبيت لحم اليوم ولأطفالها الأبطال كلُّ العّز والمجد والكرامة. لهم غارُ النصر لأنهم يتبعون الآن ضيفهم وآبن عرقِهم “لابسين الحلل البيضاء، وبأيديهم سعفٌ..ويصيحون..النصرُ لآلهنا … هؤلاء هم الذين أتوا من المحنةِ الشديدة ، فغسلوا حللهم وبيَّضوها بدم الحمل. لذلك هم تلقاء عرش الله.. وهو يمسحُ كلَّ دمعةٍ تسيلُ من عيونِهم ” (رؤ7: 9-17). تقول بيت لحم لمدن العالم المنكوبة : لا تنظروا الى دماءِ أبنائِكم تسيل ، ولا الى أموالكم تُسلَبُ وتُنهَب، ولا الى قصوركم تُداسُ وتُهدَم. هذه كلها ” نفاية ” الحياة الزمنية. إرفعوا ألحاظكم الى فوق، الى حيث خالقكم ومخَّلصكم، وآنظروا المجد الذي ينتظركم ، وتبَّينوا العدلَ الذي لا يُهملُكم ، و تأكدوا من أنَّ الخاسرَ ليس أنتم، بل من شَّرَدَكم وأهانكم وآعتقدَ أنه نالَ منكم. بالحقيقة عادت الرمحُ وآنعكست على صاحبها وأصابته إصابة بليغة.  فستبقى بيت لحم رمز الحق وبكر المدن الشهيدة ، وسيبقى أطفالُها ذخرا ومنارة ودافعا للصمود في الحبِ والحق

 

القس بـول ربــان

 

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO