تأمل في عيد الميلاد

تأمل في عيد الميلاد

أعطت للنور – أسطبل – ضواحي المدينة

يكتب القديس لوقا عن فرح ميلاد الرب يسوع بعبارات قصيرة. ولكن معانيها تتجاوز المعنى المباشر للكلمات. كما نعلم أن قصة الإنجيلي بخصوص ولادة المسيح لا تتمركز حول النقاط التأريخية من حيث المعنى التقني، بل أنَّ قصة الميلاد تتمركز حول الإيمان لمن يريد أن يسمع، فمَن يسمع الكلمة جيّداً يمكنه الدخول في تاريخ الخلاص. ا

أعطت للنور ابنَها البِكَر

هذا التعبير نجده في اللغات الأوربية التي عند ترجمتها إلى اللغة العربية صارت (أنجبت). هناك تعابير إنسانية كثيرة يمكننا أن نعبّر بها عن ولادة يسوع، لكن القديس لوقا يختار هذا التعبير لأن يسوع هو: “النور الحقيقي الذي ينير كل إنسان” (يوحنا 1: 9). ا

زكريا في ولادة يوحنا يعلن: “لأنَّ إلَهَنا رَحيمٌ رَؤوفٌ يَتَفقَّدُنا مُشرِقاً مِنَ العُلى ليُضيءَ لِلقاعِدينَ في الظَّلامِ وفي ظِلالِ الموتِ ويَهديخُطانا في طريقِ السَّلامِ” (لوقا 1: 78-79). ا

سر هذا النور لا ينير أقدامنا في طريق السلام فقط (لوقا 1: 79)، بل يوصلنا الى أنْ نكون نحن بالذات نور العالم: “أنتم نور العالم”(متى 5: 14). إذن من الضروري أن لا يكون النور الذي فينا ظلاماً، كي يكون جسدنا كلّه منيراً: “فانتبه، لئلاَّ يصير النُّورُ الَّذي فيكَ ظَلاماً. فإِن كان جَسَدُكَ كُلُّه منيراً، ولا أثرَ للُظلام فيه، أنارَ بأكمله كَما لو أَنارَ لَكَ السِّراجُ بِضَوئِه”  (لوقا 11: 35-36). إنه لأمر رائع أن يتحدّث الإنجيلي لوقا عن الجسد النيّر، وليس عن الروح أو عن النفس، لأن شهادة النور التي يجب أن تعطى لا يمكن أن تكون شهادة مخفية وخاصة في داخل الشخص، بل يجب أن تتجلى في الإختيار الحقيقي للحياة في المجتمع الذي نعيش فيه. ا

وضعته في المذود

يضع التقليد القديم ثور وحمار بجانب المذود جاءت فكرتها من سفر إشعيا: “الثور يعرفُ مُقتنيه والحمارُ مَعلَفَ صاحبه، أما بنو إسرائيل فلا يعرفونَ، شعبي لا يفهمُ شيئاً” (اشعيا 1: 3). أي الثور والحمار عرفوا مذود سيدهم وشعب إسرائيل لا يعرف عمل الله.كما قلنا قبل قليل ليس في هذا التقليد حقيقة تاريخية مجرّدة ثابتة وواضحة ولكن خيال القديس لوقا هو الذي يعطينا خبر ولادة الطفل في مذود للحيوانات. إنها صورة رمزية قوية للغاية علينا فهمها: فهو يُعلن لنا أن الرب يسوع منذ ولادته حتى موته هو غذاء للمؤمنين.معاني الايقونات الشرقية تذهب إلى أبعد مما هو موجود في مخيّلة الإنسان، فهي تجعل من المذود صورة للقبر لتُعلّمنا أن نفهم أنسر الميلاد هو سر عطاء الله نفسه. ا

الإسطبل يجعلنا أن نفكر حدّة الرائحة التي تأتي من القش وهي فكرة تعبّر عن صغرنا أمام عظمة الله. إله لا يخشى من أن يَحتَضِنّا بالرغم من الروائح الغير طيّبة ويقبلنا بالرغم من ضعفنا وهشاشتنا. ا

لم يكن هناك مكان

كم هو صعب لنا اليوم، نحن الذين نعيش هنا أن نجدَ سكن مناسب وكم نتضايق إذا لم نجد السكن؟ وكم نجهد من أجل أن نجد سكناً مناسباً؟ تلك كانت صعوبة مار يوسف ومريم العذراء، واليوم نحن نعلم جيّداً كم هم المُشَرَّدين من منازلِهم في وطننا، وكم هو صعوبٌ أن يضعوا روؤسهم ويناموا بهدوءٍ؟ وكم هم أولئك الذين ينامون على مقاعد الحدائق أو في عربات القطار، وأيضا أولئك الذين من أجل لقمة عيش يعملون بوظائف غير شرعية من أجل أن يجد هو وأصحابه مسكن للنوم؟ كل هذه الصور نستطيع أن نرسمها في مخيّلتنا كبانوراما حقيقية يرسمها المجتمع الرأسمالي من أجل أن يبقى هؤلاء الأشخاص بقلق، أما هم فيعيشوا متنعّمين ويحافظون على أموالهم ومصالحهم الشخصية! ا

نفس الشيء عاشه يوسف ومريم. ذهبا إلى خارج المدينة كي يجدا في الضواحي مسكناً ليُنير فيه نور المخلّص، بعيداً عن أعين من يفكّرون بالمصالح الشخصية وأصحاب القرار. خارج ضوضاء المدينة تظهر الملائكة للرعاة الذين كانوا يقظين ليبشّروهم بميلاد المخلّص ليأتوا وينظروا إلى الطفل ويفرحوا مع العائلة الجديدة. ا

نحن أيضاً نريد أن نحتفل ونتمنّى أن يكون فرحنا مثل فرح الرعاة الذين جاءوا مسرعين ليحتفلوا مع يوسف ومريم، ولكي نعلن للعالم أجمع أن النور جاء إلى العالم. ا

الأب سامي الريّس

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO