الأحــد الـرابـع للبشـــارة

الأحــد الـرابـع للبشـــارة

    2014.12.21

يُتلى علينا اليومَ إنجـيل -::< متى 1: 18-25 >::-  ويقُّصُ علينا خبر يوسف الذي يكتشفُ أن مريم حاملٌ ، وأن مريم لم تُخبرُه بالأمر. يوسفُ رجلٌ بارٌ وصّديق، لكنه لا يرى تفسيرًا للحدث. إنه واثقٌ أنَّ مريم بريئة ولا يمكن حتى ولا أنْ يفّكرَ بآتهامها بسوءٍ. لكنه واثقٌ أيضا من أنَّ الطفل الذي تحملُه ليس ابنَه. إنَّ في الأمرِ لسّرًا. هل يكون الله وراءَ ذلك لغايةٍ خفية عنه؟. يجوز. وما دامَ زوجًا لمريم فمن حَّقِه أن يعرفَ ماذا يجري. لكن لا أحدًا إعتبَرَه. و يوسفُ مؤمن أيضا. لكنَّ الله لم يُبدِ له شيئًا. يبدو أنَّ هناكٌ مشروعًا لا دورَ له فيه. قرَّرَ عندئذٍ أنْ يختفيَ عن الأنظار والزمن كفيلٌ بأن يكشفَ الأسرار. وفي تلك الليلة أخبرَه الله بسّر حمل مريم ودعاهُ الى أن يتعاون معها ويحميها فيتخذَ الأجراءات اللازمة لتحيق الأمر. ولا ينتظرُ يوسفُ أكثر بل يُنَّفذُ أمرَ الله كخادم كما سبقته مريم وفعلته

معـلــومة  

ذكر الأنجيل مريم و وصَفها بـ” مخطوبة ” ليوسف ، ثم نعَتها بـ ” إمراتِه”. وذكرَ يوسفَ أنه زوجُها. جرت العادة عند الشرقيين أن الزواجَ يتم في الخطوبة. فالخطوبة ليست مرحلة أولى من الزواج يعقبها التكليل يوم العرس. بل هي الزواجُ الرسمي والشرعي. أما التعريس أو الزّفة فهي مرحلة إنتقال الزوجة الى البيت الشرعي بعد أن تمَّ تجهيزه. وكان من الممكن أن تحبلَ الـ “مخطوبة” وتلدَ وهي ما تزالُ في بيت والدِها. ربما كان يوسف يُجَّهزُ البيت حتى ينقلَ زوجتَه إليه، وكان يتمنى، ككل شابٍ يحلمُ، أن يكون أفضلَ ما يستطيعُ عليه و يليقُ بزوجتِه العزيزة عليه جـدًا

ولما لم يُدركْ سرَ حبل مريم وتصَّورَ أنْ ليس له مكانة في مستقبل حياة مريم أُضطرَ إلى آتخاذِ قرار يُبعِدُه عن مخاطرَ تحدُقُ به. لأنه لو تسَّربَ الخبرُ أنَّ طفلَ مريم ليسَ إبنَه كان سينحرجُ وعليه إما أن يُقاضيَ مريم فتُرجم ، وهو لا يتحمَّلُ ذلك خاصة وأنه مقتنع عن براءة مريم إذ يعرفُ أنها قد كرَّست بتوليَتها لله لأنه هو موافقٌ على ذلك. وإما أن يختفيَ عن الأنظار فلا يحاسبُ أحدٌ مريم. وهكذا لن يُعيقَها من تحقيق مشيئةِ الله. وقرر أن يُنهيَ أعمال الأستعدادِ للتعريس

ولكن لا تجري الرياحُ دومًا كما تشتهيه السفنُ. أُضطُرَ يوسفُ فعلاً أن يستعجلَ لا في التجهيز بل في التعريس، ربما قبل أن تنتهي الأستعداداتُ، لتكون مريم في حمايتِه الآن وقد  أصبحت بحاجة أكثر الى قربِه. سيُصبحُ أبا ويُرَّبي طفلا في أحضانِه هو الذي كان ، على ما يبدو، قد كَّرَسَ حياتَه لله مع مريم. فالنسلُ الذي إشتاقَ اليه كلُ بني آدم ، لاسيما نسل ابراهيم وبالأخص نسل داود، وفي رجاءِ أن ترضعنه تزوجتُ فتياتُ بني إسرائيل ، والمجدَ الذي جاهدت الأجيالُ من أجله تنازلت عنه مريم ويوسف لأجل أن يتمجَّدَ اللهُ فيهما ، هوذا هذا النسلُ المجيد يحُّلُ في أحضانهما دون أن يفقدا تكريسهما. قبل الله تكريسهما وكافأهما بأن أصبحَ هو نفسُه إبنًا لهما 

الغـــيرة   

عوائلُ كثيرة تتفَّـككُ كل يوم بسبب ” الغيرة “. الغيرة ثمرةُ الأحساس بآمتلاك الزوج فلا يحقُ له لا فقط أن يخرجَ عن طوعِهِ بل حتى ألا يتحَّركَ من ذاتِه إلا إذا حرَّكَه هو، كما يتصَّرفُ اللاعبُ بالكرة. فلا يتحمَّلُ الزوجُ ” الغيور” أن يرى شريكه يتعامل مع غيره ، أو يتعاملُ غيرُه مع شريكه، حتى ولو في أبسط الآداب الأجتماعية. يريدُ الشريكُ أن يطلعَ على كل تحركات شريكه وتصَّرفاتِه. يريدُ منه أن يتقَّيدَ بكل رغباتِه بل توصياتِه. وما أكثرَ وصايا الغيور!!. يشعرُ أنه يمتلكُ شريكه وعلى الشريك أن يكشفَ له كل شاردة و واردة

حتى لو تافهة.  الأمتلاك ، هذا هو معنى كلمة ” الخطوبة : مْخيروثا ܡܟܼܝܼܪܘܼܬܼܵܐ” باللغة

الكلدانية. وكانت الزوجة تُدعى “مْخيرْتا ܡܟܼܝܼܪܬܵܐ المملوكة” أى المشتراة. لأنَّ الفعل ” مْخَرْ ܡܟܼܲܪ ” يعني : إشترى ، إمتلكَ ، خطبَ إمرأةً. فكانت المرأة مُلكًا لزوجِها إشتراها بدفع مهرِها.   

فهذه الخصوصية تفتحُ مجالا للغـيرة. إنه أمرٌ غريزي وطبيعي. وربما إنغارَ يوسفُ من مريم عندما أحَّسَ أنها مختارة لمشرع دونه هو، بل وبمعزلٍ عنه. يغارُ أن تخفيَ عنه زوجتُه ما من حَّقِه أن يعرفَه ويوافقَ عليه. أ لم يقل مار بولس :” المسيحُ رأسُ كل رجل، والرجلُ رأسُ كل آمرأة “؟ (1كور11: 3). و أ لا يأخُذُ الجسمُ كلُه أوامرَه من الرأس؟. و إذا كان بلا دور في مستقبل حياةِ مريم فما بالهُ متعَّلقٌ بها؟. وحتى لما عرفَ سّرَ مشروع اللهِ لمريم أ يكون هو خادمًا بلا أجرة؟. أ ليست له كرامةُ الرجال فيلزم زمامَ الأمور بيدِه، كما يفعلُ كلُ الرجال؟

لكن يوسف لم يتشَّكَ ولا إعترَضْ. بل تحَّدى إحساسَه الطبيعي بإيمانِه ومحَّبتِه. إيمانِه أنَّ الله يختارُ من يشاء، ويعملُ ما يشاء. اللهُ قادرٌ على كل شيء ولايحتاجُ الى أحد. وإذا إختارَ واحدًا فحتى يعملَ هو بنفسِه من خلالِه. اللهُ يعرفُ شغله. وأما محّبتِه فلمريم أنها جديرة أكثر منه بأن يُكَّلفَها اللهُ بشيءٍ من دونِه. سَّلطَ يوسفُ ضوءَ إيمانِهِ وقُـوَّة محبتِه على مشاعره الأنسانية الغريزية  فتصَّرفَ كإنسان ٍ واع ٍ على نفسِه ومكانتِه وحتى رسالتِه. فأنْ يكون أبًا شرعيا للمسيح ومربيا له أليسَت تلك هي الأُبُوة بالتساوي مع مستوى الأمومة؟

لم يُخَّيب اللهُ إيمانَه حتى ظهرَ له قبل أن يُنفذَ ما نوى عليه ، وأعلن له دورَه الذي لا فقط لا يُعزله عن مشروع الله لمريم بل هو عنصرٌ مهم وفعّال في المشروع. ولما دعاه الى تنفيذ دورِه وآتخاذِ الخطواتِ اللازمة لذلك آستجابَ فورًا ولم يترَّددْ ولا لحظة واحدة. هل تفعلُ هكذا العوائلُ المؤمنة في عصرنا ؟

الثـقـــة 

وثقَ يوسفُ باللهِ كما وثقت مريم قبله. ولما باشرَ يوسفُ بتنفيذ خُطةِ الله لم تعترضْ عليه مريم. ربما لمْ تسألْهُ ماذا حصلَ له حتى يستعجلَ هكذا في أخذها الى البيت قبل أن يكتملَ تجهيزُه. لمْ تشُّكْ مريم بيوسف ولا لحظة. لأنها تثقُ بأنه يُحبُها ولا يريدُ لها غير الخير والراحة. حتى لو لم تتم زفة رسمية مُطنطنة إلا إنها لم تناقِشْه ولا آعترضتْ عليه. رضيتْ بحال يوسف الوضيعة وقبلت فنوت أن تتعاونَ معه في بناءِ الأسرة وتأثيث البيت والعمل معا يدًا بيد

وثق كلا الزوجان بالله. و وثق الواحد بالآخر. حتى لما كان يوسفُ أكيدًا بأنَّ طفلَ مريم ليس إبنَه، حتى لما تالمَّ لأنَّ مريم لمْ تُطلِعْه على أمرِها، إلا إنه لم يشك في أنَّ إختيار الله و وضعَ مريم لن يؤولا إلا الى خير الأنسانية. فلم يعترض. ولا ناقش. ولا سأل. عندما كان في الجهل قررالأنسحابَ من الساحة لئلا يُعيقَ تنفيذ الأمر. وعندما عرفَ مشيئة الله لم يتردد لحظة في تنفيذ المطلوب. وقَـبِلَ بفرح وآعتزاز أن يكون مرّبيًا للمسيح وحاميًا لأمِّهِ. وآعتبرَ هذا فخرًا وشرفًا يعتّزُ به ، ومن أجله مستعّدٌ أن يتحَّملَ الأتعاب والمخاطر وحتى التضحيات الجمة

العائلة النموذجية  

بهذا السلوك ضربت عائلة الناصرة رقما قياسيا ونموذجا رائعا في العيش المشترك المبني على المحبة والثقة المتبادَلة ولاسيما على الأيمان بالله والتفاعل مع مشيئتِه. عائلة الناصرة عرفت أن تضعَ نفسَها إزاءَ الله في موقعِ الخليقة التي تُصغي اليه لأنه أوجَدَها ، وتتقَّيدُ بآرشادِه لأنه يُحبُها ولا يخدَعُها. وعرفَ الزوجان أنهما بالإضافةِ الى ذلك واحدٌ للسهرعلى آبنِه تعالى والتعاون معه في رسالتِه.  عرفا أنَّ اللهَ هو الذي يعمل ، وأنه يعمل من خلالهما ومن خلال كل من يختارُه لمهمة في بناءِ مملكتِه على الأرض. وبطاعتهما الطوعية حققا حلمَ البشرية بآستقبال المخَّلِص، وأعطيا درسًا بليغًا في كيف يعمل الأنسانُ مع الله ، وكم هو عظيمٌ الأنسانُ الذي يتجاوبَ مع مشيئة الله حتى تذكرُه الناس و” تُطّوبُه الأجيال لأنَّ القديرَ صنع به العجائب “

 

القس بـول ربــان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO