الأحـد الثالـث للبشــارة

الأحـد الثالـث  للبشــارة   

   2014.12.14

يُتلى علينا اليوم انجـيلُ -::< لوقا 1: 57-80 >::- ويتحَّدثُ عن ولادة يوحنا المعمدان و تسميتِه وآنحلال عقدة لسان والدِه فآندهاشِ الجيران والأقارب ، ويختمُه بنشيد زكريا الذي يُباركُ الله ويُمَّجدُه على إيفائِه بوعدِه وتحقيق خلاص شعبِه ، ويرسُمُ خارطة ً لرسالةِ يوحنا.

  • الأسم : يـوحَّــنا 

إختارَت اليصاباتُ هذا الأسم دون أن تعرفَ بأنَّ الملاكَ سبقَ فأوعز به حين بشَّرَ زكريا بولادتِه. ربما الروحُ القدس هو الذي أوحى اليها ذلك لتشيد برحمة الله العظيمة لا فقط تجاه العائلة المحرومة من النسل وإنما تجاه البشرية كلها التي كانت تئن تحت وطأةِ العبودية بسبب خطيئةِ الأبوين الأولين. كان الله قد وعدَ بتحرير البشرية من قيد ابليس وسلطانِه. وها هو” الله يرحَمُ ” ويفي بوعدِه. فيوحنا يعني ” يَهْ  حْنَنْ ” أى اللهُ ترَّحم

  • الرسالة : إعدادُ طريق الرب 

أخبرَالملاكُ زكريا بأن مُهمَّةَ يوحنا تنحصرُفي تهيئة الجو، العقول والقلوب، للمسيح المنتظر الذي هو على ابواب الظهور. إنه الساعي الذي يتقدَّم الله مُتجِهًا الى سكان فلسطين يدعوهم ليخرجوا الى لقاء سيّدهم وآستقباله ،” فيَهدي كثيرين من بني اسرائيل الى اللهِ رَّبِهم (لو1: 16). ليسَ يوحنا المسيحَ المنتظَر(يو1: 20)، ولا هو النورَ الذي” يُضيءُ للجالسين في الظلمةِ وظلالِ الموت “(آية79). إنه إنسان محضٌ من الأرض لا يُقارَن بالمخلص الذي هو من فوق. وآعترَفَ ” لستُ أهلا لأن أحُّلَ سيرَ نعلِه ” (لو3: 16)، مُضيفًا ” لستُ المسيحَ بل رسولٌ قدّامَه “(يو3: 28)

 وأكَّد أيضا قائلا :” أنا أعمدكم في الماء من أجل التوبة”. أما المسيح فـ” يعَّمدُكم في الروح القدس والنار”(متى3: 11؛ لو3: 17). ومهمة الرسول ان يُهَّييءَ الناس للإصغاء الى المسيح. إنه ” صوتٌ ينادي في البرية : قَّـوموا طريق الرب ” (يو1: 23). رسالتُه أن يُدخلَ الشعبَ في جّو الخلاص القادم على يد الله نفسِه

  • الخلاصُ من الله وبأسلوبِه 

عاشَ الشعبُ منذ آلاف السنين على رجاء أن يستعيدَ الأنسان صداقَتَه مع الله. لكن فكرة الخلاص إنحرفت وتشَّوهت. إنقلبت مع ظروف الزمن الى تطَّلع قومي وتحَّرُرٍ سياسي. إقتصرت لوحةُ الخلاص على صورةِ ملك بمجدٍ أرضي ودولةٍ عسكرية تطغي على كل جيوش العالم وتؤَّمنُ الأستقلال للأبد إن لم يكن إخضاعَ كل الأمم لحكمهم. لم يذهبوا الى أبعدَ ليروا أسبابَ الأستعمار والحروب والمظالم وكل المآسي المبتلي بها المجتمع الدولي. نسوا أنَّ كلَّ التشوهات الحاصلة هي نتيجة تصَّرف الأنسان الشاذ تجاه خالقِه وتجاه النظام الذي يسودُ الكون. أراد الأنسان أن يحتَّلَ

 مكانة الله وفشل في محاولتِه لأنَّ ذلك فوقَ طاقتِه وطبيعتِه. أخطـأ لكنه لم يبدِ علامات الندم ولا تراجعَ عن غَّـيِه. بل إستمَّرَ يسلكُ دربَ إستقلاليتِه عن الله ، بل ومنافستِه له للأفتخارِ بذاتِه

فعلَ الأنسانُ ذلك عن جهل. لكنه بلغَ الآن من الوعي والثقافة بحيثُ يستوعبُ الحقيقة الكونية وموقعَه إزاءَ الخالق. لقد آنَ الأوان ليعيدَ النظر في سلوكِه. لقد تم الزمان (غل4:4) ليُصلحَ موقفَه ويستعيدَ كرامتَه. لقد دَّق ناقوسُ الخلاص. الله يُصبحُ إنسانا ليُعينَه في التحرر من نير عبودية الشّرير. وسيدعوه الى تغيير سلوكهَ بالتوبة وتبَّني سلوك الله نفسِه. والى هذا سيدعو يوحنا مُهَّيئًا الطريق أمام الرب ليدخل الى قلبِ الأنسان فيُغَّيرَه من قلبٍ حجري الى قلب من لحم ودم تجري فيه دماءُ الحق والمحبة. سيُحَّررُ اللهُ الأنسان من قيود الخطيئة

 التي كبَّلته مدى مئاتِ آلافِ السنين. ويوحنا يُعلنُ للشعب أنَّ “خلاصَهم بغفران خطاياهم”(أية77) فيدعو الناسَ الى التوبة لأنَّ زمن الخلاص قد إقترب (متى3: 2). ويبدأ الخلاص بآستئصال جذور الشر،” فقد وُضعت الفأسُ على أصول الشجر” (متى3: 10). يريدُ الله أن يقلعَ الشر من قلب الأنسان فيُعيدُه نقيا طاهرًا يلهجُ بالمحبة ولا يعرفُ الكُرهَ والحقد أبدًا، ولا يتعالى ولا يتقوقع ، بل ينفتحُ مثل قلبِ الله على كلِ الناس حتى الأعداء ،” أحّبوا أعداءَكم”. لا بل لا أعداء بين المؤمنين بالمسيح بل حتى ولا غرباء. لأنه صارت بهِ البشرية كلها عائلة واحدة. فالحُب هو

 الذي يجمع ويُخَّلِصُ الأنسان. ولا ينفعُ لا العِداءُ ولا السلاح. ولا يتمَّجد الأنسان لا بالمال ولا بالجاه. بل مجدُه في سلوك طريق الحق. المسيحُ الآتي سيُنَّقي بيدَرَه ، و يُصَّفي ويُمَّيزُ بين الخير والشر، بين الحَّق والباطل. وسيكشفُ بين شريعةِ الله العادلة وبين تقاليد البشر وسُننهم المُزَّيفة. ” قيلَ لكم..أما أنا فأقولُ لكم..”. فـمُهَّمة يوحنا أن يُعّـدَ الشعبَ لهذا التعليم الجديد الذي سيتلقاه على يد المسيح الذي هو أتٍ عن قريب

  • التغيير بقـوةِ الله 

فمعمودية يوحنا ورسالته هي الدعوة الى الأستعداد لهذا التغيير. فماءُ معموديتِه رمزُ فقط للتنقية التي سيُجريها الله لا في الأجساد بل في القلوب. فكما طهَّرَه الروحُ القدس وهو ما يزالُ في بطن أمه (لو1: 41) هكذا ستطهرُ نارُ الروح القدس المؤمنين بالمسيح إذ تُحرق فيهم شهوةَ الشر لتزرعَ عوضًا عنها بذرة الخير. وحتى يُحرقَ الروحُ الشرَّ فينا علينا أن     نتقدم اليه نحن نادمين على خطايانا، سائلين أن يمحوَها من حياتِنا. هو آتٍ من السماء ليكون قريبًا منا ويسهل علينا الذهابُ اليه وعرضُ أمراضنا عليه ليُداويَها ويشفيها. إنْ كان المسيحُ قد دخل نهرَ

 الأردن مُعلنا توبة الأنسانية يبقى على كل إنسان فرد أن يدخلَ حمام التنقية. هناك تنتظرهُ نارُ الروح القدس لتغسِلَه. وإذا تنقَّينا من أوساخ الخطيئة عندئذ يمكن أنْ تحُّلَ محلها النعمة الألهية التي إستحَّقها لنا المسيح. لأننا ” مِن مِلئِه نلنا كلُّنا نعمة ًعلى نعمة ” (يو1: 16)

وبهذه القراءات تدعونا الكنيسة الى أن نستعّدَ لعيد الميلاد فنُطَّهرَ عقولَنا وقلوبنا من الأفكار الدنيوية والرغباتِ الشهوانية لنَجعَل من حياتنا آنيةً مقدسة تليقُ بأن تستقبلَ إبنَ الله فيرتاحَ الى السكنى فينا. لم يستنكف أنْ يولدَ في إصطبل ويتمدَّدَ في مذود عوضَ فراشٍ وفير في قصر مهيب. ولن يترَّددَ ان يحُّلَ فينا إذا فتحنا له قلوبَنا غيرَ مُبالٍ بماضينا الأسود. يحكي التأريخ أنَّ الربَ يسوع ظهرَ للقديس هيرونيمس وطلبَ منه أن يُعطيَه هدية. قدم له هيرونيمس قلبه وفكره وكلَّ ما له. لكن يسوع ظلَّ يطلب منه شيئا آخر. فآعتذر هيرونيمس قائلا

 ” لا شيء لي بعد”. أجابَه يسوع ” أعطِني خطاياك لأمحوَها وأُخَّلِصَك منها “!. فالرب هو الذي يُخَّلِص ، وبطريقتِه

القس بـول ربــان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO