الأحـد الثاني للبشـارة

الأحـد الثاني للبشـارة  !                                  ســنة العـائلة

        2014.12.07

يُتلى علينا اليوم إنجيلُ -::< لوقا 1: 26-56 >::- ويقُّصُ خبرَ بشارة الملاك لمريم (آيات 26-38) ، ثم زيارة مريم لنسيبتِها أليصابات (آيات 39-56). قلقت مريم في البداية لأنها لم تفهم كيف يمكن لها ان تُصبحَ أُمًا وهي قد نذرت بتوليتَها لله ، ولمْ يعرفْها رجلٌ ، ولا تنو ِ أن يعرفَها مستقبَلاً. لكنها لما عرفت أنَّ آختيارَها مُصانٌ ، وأنَّ ذلك يتم بقدرة الله الخلاقة ، و عرفتْ أنَّ تلك هي مشيئة الله ، لم تعترضْ بلْ آمنت أنَّ ذلك سيتم فـوضعتْ نفسَها ، عقلها وجسمَها وإرادتها ، تحتَ تصَّرفِ الله قائلة :” أنا خادمةٌ للرب ، فليكن لي كقولك”

  • نلتِ حُظـوة ً عندَ اللـه 

دعا اللـهُ مريم الى المشاركة في تنفيذ مخَّططِ الله للبشرية. لما خلقَ الله الأنسان الأول لمْ يسألْهُ إنْ كان موافقًا أو لا على العّز والخير الذي وفَّرهُ له. لم يكن للأنسان خبرَةٌ في الحياة. ولمْ يُدرك عظمة َما كلَّفَه به الله ، ألا وهو أن يسودَ الكون ويتابعَ تجميلهُ وإتمامَه. فلا قلِقَ ولا فرحَ ولا آفتخرَ ولا ترَّدد. نفَّـذ ما طُلبَ منهُ. إلا إنه لما أحَّسَ بلَّذةِ التمتع بالشهوة والتفَّرد بالمشيئة وآمتلاكِ المبادرة ، وتلكَ كانت التجربة ، عندئذ فقط أحَّسَ بثقل المسؤولية و بضرورة التجَّرُد عن الذات والرجوع دوما الى الله مصدرِ

 حياتِه. ولمَّـا بدأ يتذَّوَقُ طعم الحب عرفَ عندئذٍ ضرورة البذل والتضحية

وقبل أنْ يعرفَ كلَّ هذا عاشَ آختبارين : أولهما إنقسامُه الى جزئين ، وثانيهما عِصيانُه أمرَ الله ورفضُهُ أن يكون ” تابعا ” ، ليختارَ أن يكون “حُّـرًا “. كانت تلك اللبنةُ الأولى لبناءِ البشرية. لم يكن سهلاً أن يتحَّملَ إنسلاخ جزءٍ منه فيُصبحَ ناقصًا. لكنه نسيَه سريعًا بالأفق الجديد الذي إنفتحَ أمامه : أفقُ الحب والتكامل. خُلقَتْ البشريةُ إنسانا واحدًا فردًا ولكن ، من أجل أن تستمرَ حياتُه وتتحَّققَ دعوتُه ويكتملَ عملُه ، كان يجبُ أن يعيشَ جماعيا في كنف أسرة تجمعُها المحبة ويؤالفُ بينها الهدف. إنه لحظ ٌ كبير وفخرٌ عظيم وشرفٌ سام ٍ أن

 يكون ” آدمُ وآبنتُه حواء” أصلَ البشرية وتاجَها وشريان َ حياتها

  • روحُ اللهِ يَحُّلُ فيكِ وقُـدرتُه تظـلِلُكِ 

هكذا صارتْ الأمورُ ” في البدء” ، في خلقةِ العائلة الأولى : إنقسامٌ في الأنسانية ، وآتباعُ الشهوةِ ، و تحَّكُمُ متطلباتِ الحياة المادية الزمنية. لم يكن هناك إيمانٌ. كان كلُ شيءٍ حسبَ رؤيةِ العين وسماعِ الأذن ، أى حسبَ الحواس. كان إنسانا ترابيا ، أرضيا محضًا إنما حَّـيًا (يو3: 31؛1كور 15: 45)، لكنه مُعَّـدٌ ليُصبحَ روحانيًا ، مُتحّدًا بالسماوي الذي يُحيي بذاتِه (1كور15: 45-49)

اللهُ الروح خلقَ الأنسان ، لكنه صنعه من الأرض. أما الآن في عائلة الخِلقةِ الثانية ، فآنقلبت الأمور في شخص مريم الى العكس. سيرتفعُ الأنسانُ الى خالقِه، لأنَّ هذا الترابيَ سيحُّلُ اللهُ ذاتُه فيه. عوض الأنقسام الأول سيتم، هذه المَّرة ، إتحّادُ الأنسان بالله. آدمُ بكرٌ ولدَ حواءَ في عزوبتِه من دون علاقة. و مريم أيضا بكرٌ وهي مدعوةٌ الى أن تلِدَ اللهَ في بتوليتِها، من دون زرع بشري ،” لا من دم ٍ ولا من مشيئةٍ لحم ولا من رغبة رجل، بل اللهُ وَلدَه ” (يو1: 13) كما وَلدَ حواءَ من آدم. لقد خرجَ الأنسان الأول من ذاتِه وآستعَّد ليدخلَ الى عالم

 الروح. وها هو الآن يستقبل اللهَ الروحَ في داخلِه. ويقبله هذه المرّة بإرادتِه ، بحُّريتِه ولاسيما بإيمانِه. نعم آمنت مريم بكلام الله و أدرَكَتْ فحوى رسالتِه اليها فأعلنتْ موافقتها وآستعدادَها للتعاون مع إرادةِ الله ومتطلباتِها.هذا عنته بقولها :” أنا أمة الرب ليكن لي حسب قولك “. وستُؤَّكِدُ اليصاباتُ هذا عن مريم بقولها :” طوبى لكِ يا من آمَنتِ ..”(لو1: 45)

  • طوبى لمن آمنت 

قال مار بولس” إذا كانَ أحدٌ في المسيح، فإنَّهُ <| خـلقٌ جـديدٌ |> “(2كور5: 17). لقد أَكمَلَ

اللهُ عَمَلَه الخّلاق على يد العائلة البشرية الجديدة. هذه العائلة لن تلدَ أولادًا بالجسد بل تلدُهم بالأيمان(يو1: 12). يلدُ الناسُ أولادًا أرضيين يُحَّولُهم الأيمانُ الى أولادِ الله وذلك بآختيارٍهم الحُّر. زكريا لم يؤمن أنَّه قادرٌ على أن يُحَّققَ إرادة الله. أما مريم فآمنتْ أنها قادرة ، لأنَّها آمنت أيضا أنه هوالله نفسُه الذي يُحققُ فيها مشيئتَه ويصنعُ بها العظائم (لو1: 49). يستطيعُ البشرُ كلَّ شيء بالله الذي يقّويهم (في4: 13). لأنه عند ضعف الأنسان وعجزِهِ يبدو كمالُ قدرةِ الله (2كور12: 9.

وكما حلَّ الروحُ على مريم فأثمرَ حشاها ، هكذا قد حلَّ روحُ الله على البشرية (أع2: 3-4) فأضاءَ أذهان أولادها بنور الحق وأضرمَ قلوبَهم بنارالمحبة فأثمروا ” كلَّ ما هو حَّقٌ وعادلٌ وشريفٌ وخالِصٌ ومُستحَّبٌ وطيّبُ الذكر..”(في4: 8)

فالعائلةُ البشرية تغَّيرت صورتُها وتحَّولت الى مِرآةٍ تعكُسُ اللهَ وأعماله في مسيرتها اليومية. وبدأت بهذا التحول مريم العذراء نفسُها، أُمُّ البشرية الجديدة، عندما زارت اليصابات. عندما رآنا اللهُ في حاجةٍ لا نستطيعُ أداءَها بأنفسِنا إضطرمَ حبُّهُ لنا فجاءَنا وحلَّ فينا ليساعدَنا. هكذا إضطرمَ حبُ مريم ، بعدما حلَّ روحُ الله فيها ، فقامت و تحَّملت مشاق السفر وذهبتْ تُساعد نسيبَتها المحتاجة الى من يخدمها وهي عجوز حامل !. ومثلَ مريم إمتلأَ الرسلُ والتلاميذُ من روح الله فآنطلقوا لحمل بشارة الخلاص الى جميع البشر ناسينَ أتعابَهم 

 مُتَحَدّين جميعَ صعوباتِهم ، تلبية ً لنداءِ الرب وتكليفِهم بالمهمة ، ومحَّبة ً بالناس المحتاجين ليخلصوا

وكتبَ القديس البابا يوحنا بولس الثاني عن العائلة يقولُ :” إنَّ الأسرة ، بصفتها مهدَ الحياةِ والحُبِ ، حيثُ” يولدُ ” الأنسانُ و “يكبُر” هي خلّيةُ المجتمع الأساسية”. وأضافَ بأنه لهذا السبب ” فالمجالُ الأول لآلتزام المؤمنين العلمانيين الأجتماعي يتمَّثلُ في الزوجين والأسرة. وهو التزامٌ لا يُمكنُ الأضطلاعُ بهِ ، كما يجب ، إلا عِبرَ الأيمان الراسخ بدور الأسرة الفريد ، والذي لا بديلٌ له ، في تنميةِ المجتمع والكنيسة ” ( العلمانيون المؤمنون بالمسيح ، رقم 40، سنة 1988)

 

القس بـول ربــان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO