الأحــد الأول للبشــارة

الأحــد الأول للبشــارة   !                                      سـنة العائلة

~:+:~:+:<>:+:~:+:~                                              2014.11.30

يُتـلى علينا اليوم إنجـيل-::<  لوقا1: 1- 25  >::- بعد مقدمة علمية في هدف وطريقة كتابة الأنجيل يفتتحُ لوقا الأنجيلَ بخبر بشارة الملاك لزكريا أثناءَ تقريبه البخور للرب في الهيكل بأن الله قد إستجابَ طِلبَتَه وسيولدُ له إبنٌ يدعوه يوحنا ، ومعناه ” اللهُ رحِمَ “، الذي سيؤدي الرسالة المعزاة الى ايليا النبي بتحضيرالشعبِ لمجيء المسيح المُخَّلِص المنتظَر. وإذ يشُّك زكريا في أنه قادرٌ بعدُ على الأنجاب بسبب شيخوختِه هو وآمرأته اليصابات يُعطيه الملاكُ آية وهي إصابتُه بالخرس الى حين ولادة الطفل.

سنحاولُ اليوم أن نطلع مع الأنجيل على بقية القراءات ونتأملها في إطار” العائلة المـؤمنة ” بمناسبة ” سنة العائلة ” كما أعلنها قداسة البابا في19/10/2014 والتي تمتَّدُ الى نهاية السنة الطقسية ، أى أواخر شهر تشرين الثاني 2015.

  • كلاهما باران عند الله  !

هكذا وصفَ لوقا عائلة زكريا وكمَّلَ الوصفَ :” يتبعان جميعَ وصايا الرّب وأحكامِهِ ، ولا غُبارَ عليهما”. ولمَّا وَصَفَ يوحنا أنهى كلامَه بالقول:” ويُرجِعُ العُصاةَ الى حكمةِ الأبرار، فيُعّدُ للرَّبِ شعبًا صالحًا “. ما أجمَلَ الوصفَ لعائلةٍ مُباركة لا فقط تعيشُ في وحدةِ صداقةٍ حميمة مع الله ، بل وتُصبحُ وسيلة ًلإعادةِ الناس التائهين الى طريق الخلاص ، الى الحياةِ في حظيرةِ الله!.

سبقتها القراءةُ الأولى من تكوين 17: 1-27 الى الحديث عن العائلة الأولى التي إختارَها الله ليُؤَّسسَ ويُكَّونَ بها شعبَه الخاص، الذي إختارَه من بين كل الأقوام وأقامَه ” عهدًا للشعوب و نورًا للأمم “(اش42: 6) و “خلاصًا الى أقاصي الأرض” (اش49: 6). وفيما يتعَّهدُ الله للأنسان أن يمُّن عليه إستمرارَ وجودِه ، وأن يتكَّفلَ وطنًا يأويه ورزقًا يُلَّبي كلَّ حاجاتِه ، لا يطلب منه سوى ” أُسلُك أمامي وكُن كاملاً “. ولكي لا ينسى الشعبُ فيما بعد العهدَ سَّنَ له اللهُ الختانة علامةً له في الجسد حتى تُذّكرَه بالعهد، أنه مُلْكٌ لله وأنْ يبقى أمينا لمصدروجودِه

 و قِوام حياتِه ، وأنه يؤّدي رسالة بين الأمم هي الشهادة عن الله الحق وعن علاقته الأبوية بالأنسان.

  • بين العائلتين !

ومن أوجهِ التقارُب بينَ عائلة زكريا وعائلة ابراهيم أنَّ هذا كان ” إبن مئة سنة ” وسارة زوجتُه ” إبنة تسعين سنة “(تك17:17)، أى” شيخين متقدمين في السن” (تك18: 11) ؛ و هكذا كان زكريا وأليصابات” قد طعنا كلاهما في السن”. وكانت كلتا الزوجتان”عاقرتين”

، وكلتا العائلتان مؤمنتين بارَّتين (تك15: 6؛ لو1: 6). بآختصار:عائلتان عاطلتان بشريا لا تنفعان شيئا ، لكنهما مُتمَّيزتان عن بقية الناس بعلاقتهما بالله. لقد رضيَ الله عن سلوكهما.

خضعت كلتا العائلتان لآمتحان قاس ٍيحرمانهما النسل الذي تقُّرُ به عيونُ كل متزَّوج. لكنهما نالا في النهاية نسلاً يفتخران به ويُمجَّدان عليه. إنهما عائلتان حسب قلب  الرب، تفتخرُ بهما الأنسانية ، ونموذجتان لدعوة العائلة المؤمنة المسيحية ، التي تبقى صورة ًللـه.

  • ليخضعْ بعضُكما لبعض بحب المسيح !

وعن هذه العائلة النموذجية حدَّثنا مار بولس أيضا في رسالة اليوم الى أهل أفسس 5: 21-33 ، فشَّبه الرابط بين الزوجين كالرابط بين الله والأنسانية ألا هو المحبة والتفاني. لقد أحَّبَ الله فأوجد صورة له في الأنسان. ولمَّا كان الحُّبُ عطاءًا وبذلا فقد جسَّدَه الله في تأنسِه عندما أصبح إنسانًا فشاركه حياةَ الذل والمشقة والضيق وكل تداعيات الخطيئة ، ليُعطيَه من حياتِه الألهية، داعيًا إيَّاه الى الخلودِ معه في المجدِ والسعادة ، ومُرشِدًا إياه الى الطريق التي تؤدي الى تلك الحياة. فأحَّبَ الأنسان الى أقصى الحدود حتى بذلَ نفسَه من أجلهِ ورفعَه

 الى مرتبةِ إبنِ لَهُ يرثُه ويتقاسمُ معه خيراتِه (رم8: 17). ولاسيما أرشده الى الحُّب الأصيل ” أحبوا بعضكم بعضا كما أنا أحببتكم”. حتى يكون الحُّبُ هو الدليل والدافعُ والساندُ والمنظّمُ للتفاعلَ بين الأزواج وآنعكاسا لله في حياتِهم.

فكما هي الحياة داخل الله الثالوث هكذا يجب أن تجريَ الحياة في العائلة الأنسانية المؤمنة و تتأسسَ على الحبِ الصادق والصافي بحيث يشعرُالزوجُ الواحدُ أنه هوالآخر وفيه ولا يوجد بدونه. يُحبُّ الواحدُ الآخرَ كما يُحّبُ نفسَه ؛ لأنَّ “من أحَّبَ آمرأتَه أحَّبَ نفسَه. و ما مِن أحدٍ يُبغضُ جسدَه ، بل يُغّذيه ويُعنَى به كما المسيحُ بالكنيسة “(أف5: 28-29). فلا تقومُ العلاقةُ بين الزوجين على أساس حقوق مُكتسَبَة كما بين غرباء. بل تنبني على أساس الواجبِ النابع من حبِ الواحدِ تجاهَ الآخر الذي هو الجزءُ المُكَّملُ للجسدِ الواحد الذي يُشَّكلانِه.

والحُّبُ يتطلبُ بل يَفرُضُ عفويًا الأحترامَ المتبادَل بين الزوجين. ولأنَّ اللهَ حَبَا الرجلَ مُهمَّة قيادة الأسرة وزوَّدَه بموهبة خاصة تُسَّهلُ له تأدية تلك المهمة، وبما أنَّ اللهُ حبا المرأة اللطفُ ، لذا على الرجل ان ” يوليَها حَّقها من الأكرام على أنَّها شريكةٌ معه في إرثِ نعمةِ الحياة ” (1بط3: 7) ، و”على النساءِ ان يخضعن لأزواجهن في كل شيء ، كما تخضعُ الكنيسةُ للمسيح”(أف5: 24)، وكما “أطاعت سارة ابراهيمَ ودعته سَّيدَها “(1بط 3: 5-6). فلا يكن الحُّبُ شعورا فقط بل نبعًا أساسيا للحياة، ولا الطاعة خنوعًا بل طلبًا للأمانةِ من أجلِ مسيرةٍ

 هانئة ومريحة للحياة. فإن كان للحياةِ عناصرُ تبنيها ، لها أيضا قوامٌ أو نظامٌ يحميها.

  • العائلة هي الخلية الأولى والحيوية للمجتمع !

وعن هذه العائلة التي أبرزتها قراءاتُ اليوم تقول الكنيسة :” لقد جعلَ الخالقُ من الشركةِ الزوجية أصلَ المجتمع البشري وأساسَه. وبنعمتِه تعالى جعلَ منها أيضا ” سّـرًا” ذات شأن عظيم في المسيح وفي الكنيسة (أف5: 32). ولذا فإنَّ رسالة الأزواج والعوائل هي ذاتُ أهمية خاصّة بالنسبة للكنيسة والمجتمع المدني أيضا ” (المجمع الفاتيكاني الثاني، مرسوم: رسالة العلمانيين ، رقم 11). وقد أضافَ المجمعُ قوله :” إنَّ سلامةَ الأنسان وسلامة المجتمع الأنساني والمسيحي على السواء مرتبطتان إرتباطا وثيقًا بنجاح الحياة الزوجية والعائلة. فإنَّ المسيحيين يُشاركون

 كلَّ الذين يُجّلون الرابطة الزوجية .. المؤسسة على الحب وآحترام الحياة، والتي تساعدُ الأزواجَ والوالدين على أداءِ رسالتِهم السامية “( الدستورُ الرعائي عن الكنيسة في العالم المعاصر رقم47).

  • و أمن إبراهيم بالرب !

ولم يَفُتْ ناقلَ الوحي أن يَذكرَ بالحرف أنَّ أساسَ العائلة قام على الأيمان بالله. قال عن إبراهيم أنه ” آمن بالرب ، فـبَّررَهُ الله لآيمانِه “(تك15: 6). حتى آنبهرَ به بولس الرسول فقال عنه :” وآمن ابراهيم راجيًا حيثُ لا رجاء…كان في نحو المئة من العمر. فما ضعفَ إيمانُه حين رأى أنَّ بدنَه ماتَ وأنَّ رحمَ آمرأتِه سارة ماتَ أيضا. وما شَّكَ في وعدِ الله ، بل قَّواهُ إيمانُه فمَّجدَ الله ..”(رم4: 18-20). بينما لامَ الملاكُ زكريا لأنه شكَّ في طاقتِه البشرية ولم يؤمن بكلامِ الملاك. وبالمُقابل ستمدحُ اليصاباتُ إيمانَ مريم هاتفةً :” هنيئا لكِ يا مَن

 آمنتِ بأنَّ ما جاءَها من عند الرب سـيَّتِـم “(لو1: 45).

فعائلةُ عصرنا أيضا مدعوَّةٌ الى الأيمان بهويتها ومكانتِها ورسالتِها في الحياة ، إنسانيًا كان أو مسيحيا. يجب أن تؤمن بالحب والأحترام المتبادَلَين. يجب أن تؤمن بأنَّ لها دورا أساسيا في بناء المجتمع المدني ، بإعطاءِ تربيةٍ صحيحة لأولادها وتحضير الأجيال اللاحقة لقيادة المجتع ، ولاسيما بالعيش وفق المنطق الأيماني والمبادئ الدينية للحياة دون إهمال الحاجات الزمنية والقيم التنظيمية وفق إجماع دولي لصيانة تلك الحياة.

 

القس بـول ربــان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO