الأحــد الـرابـع للكـنيسـة

الأحــد الـرابـع للكـنيسـة 
2014.11.23
يُتلى علـينا اليوم إنجيل -::< متى22: 41-23: 22 >::- يسألُ يسوع الفرّيسيين عن كيفية التوفيق بين لاهوتِه وبُنُّـوتِه لداود. وإذ عجزوا عن جوابِه إتَّجه يسوع نحو الجموع ليكشفَ أقنعَة الفرّيسيين الذين يَدَّعون العلمَ لكنهم يجهلون حقيقة إيمانهم ؛ ويدَّعون الفضيلة لكنهم مثالُ النفاقِ والمراءاة ؛ ويدَّعون دفعَ ضريبةِ العشر من كلِّ شيء لكنهم يُهملون واجب ” العدل والرحمة والوفاء” تجاهِ أقرب الناس اليهم : الوالدين ؛ يُطالبون بالقيادة لكنهم ليسوا سوى عبيدٍ للحرفِ والمظهر. إنهم قادة عميان ومعلمون مُزَّيَفون فاسدون. ندعهم اليوم جانبًا لنتأملَ
قليلا في ” بُنُّـوَتِه لداود”
• المسيحُ ، إبنُ من هو ؟
كان هذا سؤالا طرَحه يسوع، على غير عادتِه، على الفريسّيبن الذين سبقوه وأمطروه بأسئلتهم المراوغة. لقد تعَّوَدْنا على أن نسمعَ الفريسيين يُهاجمون يسوع بأسئلتهم ، لا بُغيةَ الإستزادة في المعرفةِ وتنوير إيمانِهم، بل بهدفٍ صريح للنيل من شهرتِه وللآيقاعِ به حتى يتخَّلصوا من كابوسِه الذي أوصلَ سمعَتهم الى الحضيض. وهذا ما أكَّدَهُ متى في 22: 15 بالحرف: ” ذهب الفريسيون وتآمروا كيفَ يصطادوهُ بكلمة”، فآستوضحوا رأيَه عن ” هل يحُّلُ دفع الجزيةِ لقيصر” ؟. ثم عن ” ما هي أكبر وصيةٍ في الشريعة ؟. وكلَّ مرَّةٍ ينذهلون من أجوبتِه ويعودون أدراجَهم
خائبين ، إن لم يحاولوا القبضَ عليه أو التخطيط لقتلِه (متى12: 14؛ يو12: 53)
وعندما يفشلون في مؤامراتِهم يُبادرُ يسوعُ فيسألهم ليُنَّورَهم ويُنَّورَ تلاميذه بالحقيقة التي جاءَ يشهدُ لها ويكشفُها للعالم. فطرَح عليهم السؤال ” المسيح إبنُ مَن هو” ؟. عرفَ يسوعُ ، قبلَ أن يسألَهم ، ماذا سيجاوبون. أحد أهم وأشهر ألقاب المسيح ” إبن داود “. وفعلا هذا كان جوابُهم. وربما أجابوا بفخر وآعتزاز. داودُ هو الملكُ المدعو ” قلب الرب ” (أع13: 22)، وهو الذي وعده الله بأن يُقيمَ من نسله مَلِكًا يدومُ مُلكُه للأبد”(2صم7: 12)
عاشت الأجيالُ التالية على رجاءِ هذا الوعد آملة أن يتحَّققَ سريعًا. وجاءَ ذلك زبدةً لبشارة الملاك لمريم :” يوليه اللهُ عرشَ داودَ أبيه ، ويملكُ على بيتِ يعقوبَ أبدَ الدهر، ولن يكون لمُلكِه انقضاء “(لو1: 32-33). وحتى رسل يسوع وتلاميذُه كانوا ينتظرون، مثل كل اليهود، أن تتحقق أُمنيتهم من جهة ، و من أخرى عقدوا الآمالَ كلها على أنَّ يسوع هو مُنجِزُها، ما سَّهلَ إيمانهم به وآتباعَه رغم صعوبة هضمِ كلامِه. وقد عبروا بصريح العبارة عن هذه الأمنية : ” وهو الذي كنا نحن نرجو أن يُعتقَ اسرائيل” (لو24: 21). و عندما كادت أحلامهم أن تتلاشى لم يتمالكوا
فضوليتَهم فسألوه ، دقائق فقط قبل أن ينفصلَ عنهم و يصعد الى السماء : ” رَّبَنا أ في هذا الزمن تُعيدُ المُلكَ الى اسرائيل” ؟(أع1: 6).
إنه حُلمُ التحَّرُر عن الأستعمار وآستعادةِ أمجادِ السيادةِ والتحَّكم بالمصير!. إنه أُمنية قيامِ الدولة المستقلة الواسعة بحيثُ تبسطُ ، بقوة المسيح ، سيطرتَها على العالم كله. لكن يسوعَ لم يسِرْ على هذا الخط ولا بيَّنَ إستعدادَه للتوَّرط بالسياسة البشرية العوجاء. بل أعلن وأظهرَ أنَّ الأستعمارَ الأتعس والأخطر هو عبودية الخطيئة ، لأنَّ ” من يرتكبُ الخطيئة صار عبدًا”(يو8: 34). وما يُحَّررُ الأنسان حَّـقًا هو “معرفة الحَّق ” وآتّباعُه. فوَحدَهُ ” الحَّقُ يُحَّررُكم ” (يو8: 32). ولهذا جاءَ المسيحُ شاهدًا للحق(يو18: 37). وبالحق يقضي على الخطيئة
فتزولُ كل أنواع الأستعبادِ والظلم. لذا فـ “خلاصُ الأنسان هو في غفرانِ خطاياهم ” (لو1: 77). و رفضَ قادةُ اليهودِ ذلك وعاندوا على أن يتصَّرفَ المسيحُ وفقَ رؤيتِهم ورغبتِهم ، فلم يعرفوا المسيحَ على حقيقتِه :” أنتم لا تعرفوني ولا تعرفون أبي”(يو8: 19)
• قالَ الرَّبُ لرَّبـي 
هنا مربطُ الحديث. لم يفهم اليهودُ أنَّ المزمورَ يعني بأنَّ المسيحَ هو الله الذي سيتجَّسد. كما أعلنه
الأنجيل :” في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله ، والكلمةُ كان اللهَ.. والكلمة صار جسدًا
وحَّلَ فينا “(يو1: 1و 14). ولم يفهموا أنَّ تحريرَهم الأصيل هو بأن تُغفرَ لهم خطيئةُ رفضِهم محبة الله وسماع كلامِه ، خطيئةُ إتّباعِهم شهوات الجسد والسلوك حسب القناعة الخاصّة والمنفعة الشهوانية الزمنية (تك4: 7). لم يُدرك العالمُ أنَّ المسيحَ يكون ” إبنَ الله ” لأنه يخرجُ منه (يو16: 30؛ 17: 8) كالنور من الشمس ،” متخّليا عن ذاتِه ” ، عن مجده وكرامتِه ، و” مُتّخذًا صورةَ العبدِ ، ظاهرا في صورةِ الأنسان ” (في2: 6-7). فالمسيحُ يسوع هو اللهُ ذاتُه بحيث ” من رآني رأى الآب” يقول يسوع عن نفسِه (يو12: 44؛ 14: 9). وقد أتى الى العالم، مُرسَلاً من قبل الآب ، ليُعيدَ
الأنسان الى طريق الحق والصواب فيُصلحَ سلوكَه
لم ينظر اليهود ولا فكروا أن يذهبوا الى أبعدَ من الحواس والأحاسيس ولا دخلوا الى عمق سّر المسيح. كوَّنوا عنه صورة جسدية بشرية وعزوا اليه رسالة سياسية بإعادة المملكة الأرضية و السلطة الزمنية وتقوقعوا عليها رافضين قبول أية فكرةٍ أو صورة مغايرة. أرادوا بالتالي مسيحًا حسب مزاجِهم ومصلحتِهم القومية فقط. بينما شخصُ المسيح ورسالتُه مختلفتان. فالمسيح يعني أنه “مُرسلٌ من قِبَل الله وممسوحٌ بآسمِه “، مثل شاول وداود وكل ملوك اليهود، أى يمتلك سلطة الله في القضاء وقيادةِ الكون (يو5: 22 و 27). فهو الذي ” قدَّسَه الله وأرسله الى العالم”(يو8: 12؛ 10: 36)، ليُخَّلِصَ بِه العالم (يو3: 17؛ 12: 47
رفضَ اليهودُ أن يُصَّدقوه (يو8: 45 ؛ 10: 25). بل أرادوا أن يرجموه ويقتلوه بحجّةِ أنه يُجَّدفُ و يُساوي نفسَه بالله “فما أنت إلا إنسان ، لكنك جعلتَ نفسك إلها “(يو5: 18 ؛10: 33). لقد نبَّههُم يسوع الى مغّبةِ جهلهم وكبريائِهم و وَّبخهم على عدم إيمانهم به (يو5: 38-44؛ 8: 24). لكنهم لم يرعووا :” جئتُ بآسم أبي فما قبلتموني “(يو5: 43
أما الرسُلُ فأدركوا عمقَ سّرِه. إنما بعد القيامة وبقوَّةِ الروح القدس الذي حَّلَ عليهم. ومنذئذٍ بدأوا يُرَّكزون عليه :” ليعلمْ جميعُ بني اسرائيل ،علمَ اليقين، أنَّ اللهَ أقام يسوع هذا الذي صلبتموه أنتم رَّبًـا ومَسـيحًا ” (أع2: 36). فيسوع الذي هو ” ابن داود ” هو حَّقًـا ” المسيحُ المنتظر” وهو” رَّبٌ وإلاه ” {{ رَّبي وإلهي + يو20: 28}}. ليس المسيح إنسانا فقط. بل هو ” اللهُ الأنسان “، ويقومُ الأيمان على الأعتراف بهذه الحقيقة والتفاعل معها بسماع كلام يسوع وتطبيقِه
يسوع إلاهٌ لنتعَّلمَ منه لأنه كشفَ لنا الحقيقة ، وهو إنسانٌ لنقتديَ به (يو13: 15)، ونشهدَ للحق (أع1: 8)، لا بكلامنا بل بأعمالنا وسيرتنا اليومية (متى7: 21) فنتصَّرف كأبناء الله. إنه إنسانٌ فمَّثَلنا وتابَ وآستغفرَ عنا ، وهو إلاهٌ فغفرَ لنا وخَّلَصنا ونالَ لنا ذخيرةَ البنين فندعو معه الله أبانا و نرِثُـهُ (رم 8: 17). وعالمُ اليوم بحاجة الى أن يُجَّسدَ المسيحيون هذه الحقيقة ويعيشوها فيكونوا فيه ، مع يسوع ومثله ،” نورالحق وملح البر والفضيلةِ وخميرة المحبـة “.

القس بـول ربــان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO