الرجاء

الرجاء 

بين الواقع والخيال

 

 

 

 

 

 

كتب أيلاريوس البويتيري (300-368) في تفسيره لسفر المزامير بان الناس يسألون المسيحيين ويقولون لهم: “يا مسيحيين، أين هو رجاؤكم؟”. وأعتقد باننا يجب أن نأخذ هذا السؤال بشكل شخصي ومباشر. فالمسيحي يعرف بان الرجاء هو مسؤولية! المسيحي مدعو ليعطي جوابا عن الرجاء الذي فيه للذين يسألونه: “كونوا في كلِّ حين مستعدين للردِّ على كلِّ من يطلب منكم دليلاً على الرجاء الذي فيكم” (1 بطرس 3/ 15). مسؤولية الرجاء في عالمنا اليوم هي مسؤولية مأساوية وأحدى اهم تحديات الكنيسة: فهل يمكن للكنيسة اليوم أن تفتح آفاق المعنى أمام الناس؟ هل تعرف كيف تعيش رجاء المسيح في العالم؟ هل هي قادرة على أعطاء الرجاء للناس، وتكشف المستقبل في حياتهم الشخصية، وتبين لهم أنه يستحق أن يعيش المرء ويموت من أجل المسيح؟ هل هي قادرة أن تدعو الناس الى اكتشاف الجميل والخير، الى عيش الحياة ملئها، كما علمها لنا المسيح؟

لا يمكن التغاضي عن هذه الاسئلة وغيرها، خصوصاً ان الآفاق الثقافية تكشف عن تحديات كبيرة ومن الصعب جدا تكوين رجاءات طويلة الأمد، قادرة على الصمود مدى الحياة. “مجتمعات اللايقين” كما يسميها Zygmunt Bauman في زماننا هذا الخاضع للنهايات (الالفايات، الايديولوجيات، الحداثة، والمسيحية…)، هو زمن ممتحن لكلّ شيء، الذي فيه لا يمكن للرجاء ان يبقى طويلا ويدوم، معرّضٌ الى تكذيب دائم، ولكن يبقى السؤال: “ما الذي يمكن الرجاء فيه؟”. وهذا لا يشمل المجتمع فحسب، بل يمتد ليدخل الى أروقة الكنيسة التي تجد هي الأخرى نفسها عاجزة عن أعطاء الرجاء وفتح طريق المستقبل أمام الناس، وحضورها لم يعد علامة رجاء في حياة مؤمنيها

العدو اللدود للرجاء هو اللامبالاة، أو اللامعنى! باعتقادي أن الراعويات في الكنيسة الكاثوليكية، الى جانب ما تحمله من أوجه ايجابية، فهي تمثل نوع من الانكفاء على الحاضر، على اليوم، على الفعل الذي يجب أن نقوم به تجاه المحتاج؛ والتي بأعتقادي زمنياً محدودة ويمكن أن تنتهي بسرعة، وبالتالي وغير ممتدة نحو المستقبل. فأمام كل هذا يطرح السؤال نفسه: “أيها المسيحيون: أين هو رجاؤكم؟

الرجاء الذي هو من الفضائل الالهية، يجب ان يكون حاضراً ومعاشاً ومتجسداً: وإلا سيبقى وهماً وخطاباً فارغاً. يقول القديس أوغسطينوس: “الرجاء هو الخصوصية المسيحية” (مدينة الله 6، 59). وهذا يعني أن المسيحي لا يعيش اشياء وحقائق جديدة، بل يعيش الجديد في الحقائق والاشياء الموجودة وفي العلاقات الموجودة. لذا فليست المشكلة تعريف الرجاء، بل عيشه! يمكن لنا أن نقول مع غابرييل مارسيل (1889-1973) بان الرجاء هو “صراع ضدّ اليأس” أو أن نقول مع أريك فروم (1900-1980) أن الرجاء “هو الامكانيات الهائلة (الكامنة) والغير المستخدمة من قبل الانسان”، ولكن يبقى الرجاء هو الدافع الحياتي الذي يُأنّسن الانسان في مسيرة حياته: فلا يمكن أن نعيش من دون رجاء

. Homo viator, spe erectus

الرجاء هو الذي يمسك الانسان ثابتاً في الطريق، مستقيماً، وقادرا على أن يعيش المستقبل

المسيحي هو الذي يجد في المسيح رجاؤه: “المسيح يسوع هو رجاؤنا” (1 تيموثاوس 1، 1)، أي المعنى الأخير الذي ينير واقعنا وعلاقاتنا. وبهذا المعنى تصبح المسيحية مخزن طاقات روحية كامنة، وعنصر دينامي مؤسس على الايمان بالمسيح المائت والقائم. ان انتصار المسيح على الموت هو رجاء المؤمن الذي يعرف بان الشر والموت، مهما اختلفت اشكاله، ليس له سلطان عليه من بعد. المسيحي يكشف رجاؤه بالغفران، ويثبت بهذا ان الشر المرتكب لا يمكن أن يلغي مستقبل الحياة؛ رجاؤه يتأسس على الايمان بالحدث الفصحي الذي يروي قدرة الله الخلاصية لجميع البشر (1 تيموثاوس 2/ 4؛ 4/ 10؛ تيطس 2/ 11)؛ أن خلاص الانسان يكمن في تبنيه لمنطق الفصح

 

أنه المنطق الذي يسمح لنا أن نعيش كأخوة مع من لم نخترهم نحن؛ أنه المنطق الذي يجلعنا قادرين أن نحب العدو، والمزعج والذي يضاددني؛ أنه المنطق الذي يجعلني أكتشف الفرح في الحزن والسكينة في الضوضاء. المنطق الفصحي يجعلني قادر على أن اعطي الحياة شهادة، يتحول الموت الى حياة. الكنيسة المضطهدة والشهيدة هي الكنيسة التي تعيش الرجاء وتشهد للرجاء. ففي المسيح، في موته وقيامته، تجد الكنيسة القوة لتتغلب على كل الصعاب، وتعيش انتصارات واقعية. ففيها يصبح واقعاً قول القديس اوغسطينوس: “حياتنا، الآن، هي رجاء، وفيما بعد ستصبح أبدية” (تفسير المزامير، 103، 4، 17

Plante

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO