الأحـد الأول للكنيـسة

الأحـد الأول  للكنيـسة  

       2014.11.02

يتلى علينا اليوم إنجيل -::< متى 16: 13-19 >::- وهو يقُّصُ علينا خبرَ يسوع مع تلاميذه عندما يطرُحُ عليهم السؤال الحاسم : من هو يسوع : أولا في نظر الناس! وثانيا في نظر الرسل ؟. ولما أعلنوا عن وجهة نظر عامة الشعب ، ثم أعلن بطرس عن إحساسَهم أنه هو المسيح المنتظر، ردَّ على بطرس بأنَّ هذه المعرفة لم تأتِهم من ذكائهم وآستنتاجهم. بل هي كشفٌ مباشر من الله لهم ، ولبطرس أولا ليدُّلَ بذلك على أنه هو الذي إختاره الله ليستلم ، بعد يسوع ، دفة قيادةِ المؤمنين بالمسيح ، و لهذه سوفَ يضمن له الله العصمةَ عن الأنزلاقِ في الخطأ بما يخُّص الأيمان. وللبقية ثانيا

 بأنَّ مملكة الله ، الكنيسة، لا تقومُ على فكر البشر بل على إختيار الله وتدبيره

  • من هـو يسوع 

وفي قراءَتنا للنص توَّجهُ الكنيسة إلينا ،على مرِّ الأزمان، هذا السؤال : من هو يسوع في نظركم ؟ وفي نظرك ؟. كيفَ تتصَّورون شخصية يسوع : لاهوتَه مع ناسوتِه؟. كيف تتقبلون أقواله وتعليمه :عندما يقول أحّبوا أعداءَكم ؟ هل هذا معقول أم هو خَرَفٌ؟. وعندما يقول: لا تقاوموا الشرير. بل  من ضربك على خَّدكَ الأيمن حَّول له الآخر؟ هل هذا عدلٌ ؟. وكيفَ يُحمى المجتمع إذا تُركَ حبلُ المجرمين والظالمين على الجّرار؟. وكيفَ تُقَّيمون أعماله ومواقفَه : يلومُ القادة َ ويُوَّبخهم بينما يتقَّربُ الى الخطأة والمنبوذين و يلاطفهم ؟. ماذا يقولُ كلُّ واحدٍ منا

 عن كلَّ هذا ، وكيفَ نُحَّددُ موقفَنا من يسوع : هل نعتبرُه فعلا هو اللهُ المتجَّسد؟. وهل نقيمُ علاقتنا معه على هذا الأساس؟. أم نُهملُ تحديدَ إيماننا ونستمّرُ نحيا مثل بقية الناس وننتظرُ النهاية لنعرفَ حقيقة قناعتنا؟.

ما رأيكَ فيه وهو يسير ضد التيار البشري العام ويدعو الى ما ينبذُه المنطقُ والإحساس البشري؟. لا يحفظ السبت حسب الشريعة، لا يصوم حسب سُّـنَةِ الفريسيين، ولا يغتسل قبل الأكل حسب تقليد الشيوخ؟. يمنع رجم الزانية حسب شريعة موسى، و يطرد الباعة من الهيكل؟. يُنَّددُ بالرياءِ والنفاق ، ويُعَّري الناسَ على جهلهم بأمور الدين ، ويُسَّكتُ بل و “يُفحِمُ ” العلماءَ والأحبار على عدم التعَّمق في إيمانهم وعلى أنانيتهم و جشعهم و مسايرتهم لأهل العالم ومفاهيمه وعاداتِه وقِيَمِـهِ!. بالمقابل يترحم على البرص والعميان وكل أنواع المنبوذين من المجتمع ،

 ويؤكدُ أنه جاءَ من أجل الخطأة الضالين وليس من أجل الأصحاء ؟. وأنهى حياتَه لا على عرش إمبراطورية تحميها جيوش بل على صليب مُهانا ومعَّذَبا 

إختلفَ ناسُ عهدِ يسوع في تحديد هوية يسوع الشخصية. لكنهم إتفقوا كُلُّهم على أنه في خَّطِ الأنبياء أى إنه ” رجلُ الله ” ، وليس “رجلَ العالم”. لقد إفتهموا رسالتَه أنها إلهية ، لكنهم لم يقووا على تحديدها مِنْ أي مستوًى هي ،لأنها واقعيا مختلفة عن كل ما سبقها، وفيها نكهة أسمى مُشَّوِقة لم يتعَّودوا عليها لكنهم لم يجرأوا على الأفصاحِ عنها.

طلبَ يسوع من الرسل أن يُحَّددوا موقفهم منه. ويطلبُ اليوم ايضا ، لاسيما من تلاميذ هذا العصر ، أن يكشفوا ما في خفايا ذهنهم وقلبهم ويُحَّددوا : هل هم معه وله ، ويُظهروا ذلك في سيرتهم و تصَّرفاتِهم ، أم يتملقون للعالم وقِيَـمِه ويتبعوها ويتظاهرون أنهم من أتباعه والمؤمنين به ؟. لا يمكن أن يكون للأنسان وجهان. ولا يمكن للوجه الواحد أن يشُّعَ في نفس الوقت الأيمان والإلحاد! . لا يمكن أن نعبدَ ربَّين في آن واحد

  • طوبى لك 

أعطى يسوعُ الطوبى لبطرس. لماذا ؟. هل لأنه عَّبرَ عن إيمانه وقناعتِه بما قال؟. بل كان ذلك إحساسًا. لكن الله أوحى إليه أنَّ هذا الإحساس صحيحٌ. فآمن بطرس بهذا الأيحاء. ولم يترَّددْ في أنْ يُعلنَ ما أوحى اليه الله ، كما سبقَ وفعلَ الأنبياءُ قبله. فهَّـنأ يسوعُ بطرسَ على ثقتِه بوحي الله الذي سمعه في ضميرهِ. هَّنأهُ لأنه لم يبحثْ عما إذا كان ما قاله له الله حَّقا. بل شوقُه إلى مجيءِ المسيح ، وقصدُه أن يتبعَهُ ويُصغي إليه ليتعَّلمَ كيفَ يعيشُ في الحَّق ، دفعَه الى ألا يتأخرَ عن قول ما في ذهنِه وقلبِه. ونالَ قصبَ السبقِ. ولمْ يعترض الباقون

 على هذا الأنجاز

ربما لم يفكرْ بطرس بنتائج إعترافِه على مستوى المجتمع لكنه أحَّسَ بالتأكيد أنَّ حياتَه الباطنية

والشخصية ستتغير جذريًا. لكنه عندما سمعَ يسوعَ يقولُ له :” أنتَ الصخرة. وعلى هذه الصخرة أبني كنيستي .. وما تربُطه .. وما تحله ” لابد وأنْ داخَ فكره ولم يستوعبْ البعدَ الحقيقي لهذه المهّمة التي يبدو أنَّ الله ينوي أن يُكَّلفَه بها. لكنه لمْ يُبدِ رغم ذلك تراجُعا عن إعترافِهِ بأنَّ يسوع الواقف أمامه هو ” المسيحُ إبنُ الله الحَّي “. قَبِلَ الوحيَ وقبلَ معه المهمة الملقاة على عاتقِه ، وهو مستعّدٌ أن يتحمل كل تداعياتِ إيمانه ذاك ، و يُؤَّدي خدمتَه للمسيح ” لو شَّكَ فيكَ بأجمعِهم فأنا لا أشُّكُ فيك “(متى26: 33)

ومثلُ بطرس قال كل التلاميذ. وليسوع اليومَ أيضا تلاميذُ ورسلٌ يقودُهم بطرس المؤمن بالمسيح. ومثل التلاميذ يدعي مؤمنو عصرنا أنهم يتبعون المسيح. وصخرة الكنيسة اليوم تسيرُ أيضا على خطى المعلم ضد التيار العالمي. يجولُ بطرس ويُعِّلمُ الناسَ أنَّ الحياةَ أثمن من الطعام واللباس، و أنَّ الخيرات الزمنية لا تضمنها (لو12: 15-24). يُذّكرُ بأنَّ قطبي الأيمان هما المحبة والرحمة. ويُنادي أن ” لسنا من العالم”. وإن كنا ” باقين في العالم ” فلأن المسيح ” يُرسلنا اليه ” حتى نُقَّدسَ أنفسَنا من أجله فيتقَّدس. قدَّسَ بطرُسُ وقدَّسَ التلاميذ أنفسَهم للحق

 ولمحبة الآخرين وخدمتهم.

هذه هي كنيسة المسيح التي بناها على صخرة إيمان بطرس. إنها تُواصلُ مسيرتها في الإشعاع و التعليم. تتحملُ وِزرَ مسؤوليتها. تُصغي الى وحي الله لها من خلال الروح القدس الذي يرشدُها في كل عصر الى  الحق الكامل. ويبقى على التلاميذ أن يلتفوا حول بطرس ورسل اليوم ليؤَّدوا شهادتهم بالتمام. فهل نلتَّفُ كلنا حولَ بطرس زماننا وراعي الكنيسة الأعلى ورفاقِه الأساقفة لنشهدَ للمسيح ونُضيءَ دربَ أهل العالم لننعشَ فيهم الأيمان والرجاء بالحياةِ الأبدية ، التي من أجلها نقبلُ كل شِّـدةٍ وضيق ؟.

بطرس الصخرة صُلب وكذلك أندراوس. يعقوب إبن الرعد قطعَ رأسه وكذلك بولس. يوحنا عُذِبَ بالزفت المغلي. وتوما سُلخ جلدُه و آسطيفانوس رُجم… وقافلة الشهداءِ إمتَّدَتْ عبر الأجيال وفاقتْ  الملايين. وأروت دماؤُهم حقل الله وأصبحت بذارًا للحياة. ويبدو أن جيلَنا أيضًا ليس أقَّلَ حَّـظا في الأستشهاد أو التعذيب أو الطرد والسلب والنهبِ. هذه هي كنيسة المسيح الشاهدة والحاملة صليبَه وجراحَه ، والتي تدفعُ كل فترةٍ ثمًـنا باهظا عن أبنائِها وعن الخارجين عنها. إنها صخرةُ الأيمان بالحق وصخرة الرجاءِ بالمحَّبة

 

القس بـول ربــان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO