الأحـد الأول لموســى

الأحـد الأول لموســى  

         2014.10.26

يُتلى علينا اليوم إنجيلُ -::< متى20: 1-16 >::- ويقُّصُ علينا مثلَ ” عَمَـلة الساعاتِ المتفاوتة و أجرتِهم”. وتحَّدثَ عن ” ربِّ بيتٍ ” ، إستأجرَ عُّمالا يشتغلون في ” كرمه “. فعل ذلك كلَّ ”   ثلاث ساعات ” تقريبًا بحيث إختلفت ساعاتُ العمل وقَّـلتْ أغلبُها عن المدَّة المُثبتة ليوم عمل  وهي 12 إثنتي عشرة ساعة. إنَّ المجموعة الأخيرة منهم لم تشتغلْ سوى ساعةٍ واحدة لا أكثر، في حين إشتغلت المجموعة الأولى 12 إثنتي عشرة ساعةً.  وهنا وقعَ إشكالٌ إنْ لم يكن لرب العمل فأقله للعمال. ضميرُ العمال بدأ يهيجُ ويترَّنح :  هل هذا أمـرٌعادل ؟

  • عـدالـة البشـر 

ما هي العدالة ؟. أيُّ شيءٍ عادل وأَّيُه ظالم؟. لاسيما وأنَّ الخبرَ قدَّمهُ يسوع مثالا أو صورة لما يجري في مملكة الله!. ندُرَ، إنْ لم يستحِلْ، أن يتصَّرفَ إنسانٌ هكذا فيُرسل الى موقع عمله عمالا بعد منتصفِ النهار!. كم سيشتغلون وماذا سيدفعُ لهم؟!. النظامُ المدني اليومَ في العالم المتحَّضر يتطلبُ ثمانيَ ساعاتِ عمل دون توقفْ. ولو قلَّ عن ذلك فسيقتطع من الراتِبِ ثمنُ الوقتِ الضائع.

ربَّما خطرَ هذا ببالِ عمال مَثلِنا فلم يتكلموا منتظرين النتيجة ، نهاية النهار، ليتحققوا من تصَّرفِ رَّبِ العمل. وكم كان إنداهشهم كبيرًا عندما عاينوا أنَّ عمال الساعة الواحدة ، وكلِ الذين إشتغلوا أقلَّ منهم ، بغَّض النظر عن مدةِ عملهم ، أخذوا نفسَ المبلغ ، وهو : أجرة اليوم الكامل ، كما لو إشتغلوا 12 إثنتي عشرة ساعة!. هنا هبَّ بريقُ أملٍ طمَّاع في ذهنهم : ربما يُزيدُ لهم أجرتهم. من يدري وقد يُضاعفُها

لكنهم سرعانَ ما خابت آمالهم وآعتراهم فشل ذريع. قدَّموا لهم أيضا نفس الأجرة!. ضاقت بهم نفوسهم. وهاجَ فيهم وجدانهم فثاروا ثورة واحدة : هذا ليس عدلاً ؛ ” كيفَ تساويهم بنا نحن الذين إحتملنا ثقلَ النهار وحَّرَه”.  كان القاريءُ يتوَّقعُ أن يُطالبوا بأن يُعطيهم أكثر، في حين إعترضوا على أن ربَّ العمل أعطى للآخرين مثلَ ما أعطى لهم. كأنَّ لهم إمتيازًا لا يحَّقُ لغيرهم أن يتمتَّعَ به. أو كأنَّ من عملوا ساعاتٍ قليلة محكوم عليهم ألا يتوَّفرَ لهم في الحياةٌ نصيبٌ جيَّد ، ” إنه قدرُهم “. عدالةُ الأنسان أن تأخذ بقدر ما تُعطي، ولا يهمُّ إنْ كان غير

 قادرعلى أكثر، ولا إذا كان ذلك لا يضمنُ حياة كريمة.  قياسُ العدالةِ هو ما إتفَّقَ عليه البشر.  أما ربُّ بيتِ الملكوت فمعيارُه مختلف ، وكذا مقاييسُ عدالتِه

  • عـدالــة اللــهُ 

إن كان البشر يملكون كرمًا يفلحونه فلله أيضا كرمٌ  يَفلحُه لبناء ملكوتِه (إش5: 1-7). وفي ملكوتِه ليس كبيرٌ وصغير، ولا أولٌ وآخِر. ملكوته ينبني دقيقة ً فدقيقة ، ويبنيه أصحاب النيات المستقيمة والصافية، ذوي الأرادةِ الصالحة.  و كرمُ الله هو البشرية ،” أنتم حقلُ الله وبنيانه ” (1كور3: 9)، نصبَه بنفسِه و وّفرَ له كل مستلزماتِه. لكن الكرم يفقد ، بمرور الزمن ، بريقه ويقَّلُ أداؤُه إذا لم يُفلح بآستمرار. نعم يفقد الأنسان تواصله مع الله إذا لم تتجَّدد علومه ولاسيما إذا لم تتقوَّ الروابط بينهما. فأرسلَ الله بين فترة وأخرى أنبياءَ ، و أقامَ معلمين

 ليذكوا نارَ الأيمان ويُضرموا وقودَ المحبة. ولا يزالُ يهتم الله بكرمه ويختارُ لعمله أناسًا يزرعون في النفوس حُّبَه ويجددون حياته بأنوار الحقيقة. إعتبرَ اليهود نفسَهم و وحدَهم شعبَ الله ورفضوا أن تكون بقية الشعوبِ في مستواهم. وكل ديانةٍ مختلفة تدَّعي أنها تمسكُ بناصية الحقيقة. والمسيحيون إنقسموا كنائس، وقد تعتبر كلُ كنيسة أنها هي وحدَها حاملة شعلة الحق. وكل مذهبٍ  يقدم مبَّررا : إنه الأول، إنه الخاتم 

وماذا يقول الله ؟. ليس مهما من هو الأول أو الأخير. المهم انَّ اللهَ مُرسله وأنه إشتغل حسب رغبتِه. ليس عدلا أن يتساوى الناس في المواهب والطاقات وإلا لما تحققت كل آمال الناس وحاجاتهم. ولن يقدرَ أحدٌ أن يعملَ مع الله ما لم يكلفه الله بذلك. ولا تهم كمية ما يُنجزه كل واحد، بل تهُّمُ نوعيته، والعناية التي أبداها كل واحد، وتجاوبُه مع تخطيط الله. و كذلك الأجرُ. لن يُقاسَ بكمية العمل بل بروحية الخدمة وبحاجة العامل ليتابع خدمته. قال يسوع بأن أجرَ كأس ماء واحد لايضيع إذا قُدّمَ بروح الخدمة والتواضع (متى10: 42). ولصُّ اليمين خطفَ السماء ، في الزمن

 القاتل ، بفعل إيمان واحد ، بينما خسره يهوذا رغم تتلمذه ليسوع ومرافقته لسنين، بل رغم تمتُّعِه بآمتياز إشغال منصب وزارةٍ أساسية في مملكةِ المسيح ، هي المالية 

  • إحتكارُ النعـمة !

إعترضَ عمال الساعة الأولى على مساواةِ غيرهم بهم. كما حسدَ قادة اليهود الدينيين بيسوع فقتلوه. وأبوا أن يعرفوا بأنْه ” ليس لأحد أن يأخذ شيئا لم تُعطِه إيّاهُ السماء”(يو3: 27؛ 19: 11).   لم يعلموا أنَّ حياتنا ورسالتنا هي من الله ” الذي نحن جميعا عاملون معه “(1كور3: 9).  رفضوا قبول الوثنيين ، وكاد أن يتصَّرف المتنصرون منهم كذلك (أع11: 2-3)، بينما قال يسوع: ” لي خرافٌ أُخرى ليست من هذه الحظيرة ، فتلك ايضا لابد لي أن أقودَها. وستسمعُ صوتي “(يو10: 16). التلاميذُ ايضا سقطوا في نفس التجربة :” رأينا رجلا يطردُ الشياطين بآسمك فمنعناه ، لأنه لا يتبعُك معنا “

 أجابَهم الرب ” من لم يكن عليكم كان معكم “(لو9: 49-50). وحاولَ العمالُ أن يُحاسبوا ربَّ الكرم ، كما لم نزلْ نحاسبُ الرب على الفوارق الموجودة بين الناس، رافضين له حُّرية التصرف بنعمتِه وتوزيع مواهبه التي ” يتلقى منها كلُ واحد لأجل الخير العام “(1كور12: 7). الحسد ، الطمع ، الغيرة كلها من ثمار الشهوة تقاومُ نظام الخير العام

  • بين اللـه والبشـر 

ينطلقُ الناس ، لتحديد العدالة ، من مصالحهم وأنظمتهم ومن منطق الحقوق غير حاسبين أيَّ حسابٍ للضمير و للمقابل إلا بقدر ما تطالبُ به حقوقه هو أيضا. لاحسابَ لا للمحبة ولا للرحمة ولا للغفران ولا للروح!. وإذا لم يكن للواحد حقٌ، كالعبدِ  مثلا، عندئذ لا قيمة لحياتِه ولا للضمير دورٌ تجاهه.  أما عدالةُ اللـه فتنبعُ من ذاتِه كواهب الحياة وما عليه أن يُوَّفرَه لضمان ديمومتها. ومحَّبته تجعلُه لا فقط يوفر أدنى حد بل يسعى لأعلى حَّد حتى يضمن أفضل حياة (يو10:10). ورحمتُه تجعلهُ ينظرُ الى ضعفِ الأنسان فلا يُحاسبُه حسبَ قداستِه الخّاصة بل يغفرُ كثيرًا

 حسب حنانه ولطفِه. كلُ هذا لأنه ” أب “!. عـدالتُه عدالة أب لا عدالة موظّف 

هذا ما عَلمَه يسوع. وللمسيحية فكرُ المسيح (1كور2: 16) وليس فكرَ العالم لأنها ليست من العالم (يو15: 18-19). والمؤمن قبل أن يكون موظفا في الدولة هو شاهدٌ لعدالةِ المسيح (أع1: 8)

 

القس بـول ربــان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO