الأحـد السابع لأيليا / الرابع للصليب

الأحـد السابع لأيليا / الرابع للصليب  

      2014.10.19

يتلى علينا اليومَ انجيلُ -::< متى18: 1-18 >::- ويخبرُنا عن حديث يسوع عن الأكبر في ملكوت السماء ويُحَّدِدُه بالذي يكون بريئًا من الشر كالطفل. ثم ينتقلُ الى الحديث عن الذين يُشَّككون و يُعَّرضون البُسطاء الى السقوط في الخطيئة فلامَهم. ويمُّرُ بمثل الخروفِ الضال الذي يُنقِذُه صاحبُه ويُفَّسرُه بعدم رغبةِ الله في هلاك الأنسان حتى الخاطيء. وينتهي النص بمـبدأ النُصح الأخوي حيثُ يدعو الله الأنسان الى العناية بخلاص الآخرين وتنبيههم على شَّرِهم ودعوتهم الى تغيير السلوك. ويختم بالتذكير بسلطان الكنيسة على الحَّل والربط

  • الخــروفُ الضـال 

وضعَ متى مثلَ الخروف الضال في إطار عدم التركيز على خطيئة الناس ومحاسبتهم عليها أو إهمالهم بسببها. الله أبٌ وكلُ الناس أبناؤُه حتى الخطأة. إنهم مرضى ويريد معالجتهم وشفاءَهم وليس إدانتَهم والإقتصاص منهم. فأنهى متى فقرته بأن الله لا يرضى ولا يرتاح إذا هلك أحدُ أبنائِه

أما لوقا (لو15: 2) فقد غيَّر هذا الإطار ليصوغَ الخبر على الشكل التالي : يتذمَّرُ الفريسيون و الكتبة لأنَّ يسوع يتقَّربُ كثيرًا من الخطأة ويلومونه :” هذا الرجل يستقبلُ الخاطئين ويؤاكلهم” ، ثم يسردُ المثلَ أعلاه. ويُرَّكزُ على رضى الله من كذا تصَّرف الذي يؤدي الى توبة الخطأة ، بل ويفرحُ أهلُ مملكةِ الله بخلاص الخاطئين وعودتهم الى حظيرة الرعية

  • ضَّـالٌ وضـال 

ضَّلَ يعني خرجَ عن الطريق المستقيم وتاه في دروب لا تقودُه حيث ينوي الذهاب. وتصيرُ حياته في خطر أن يخسرَ الهدفَ الذي ينشُدُه ، وتذهبُ جهودُه سُدًى. قد يسعى خروفٌ وراءَ مرعًى أفضل أو ماءًا فيبتعدُ عن القطيع ثم يختفي وراء صخور أو تلال اوأشجار ويتخلفُ ويتيه ويضيع. لمْ يكن في بالهِ أن ينفصلَ عن القطيع ولا في نيَّتِه أن يُغامرَ بالمجهول. ولا يفرحُ ولا يرتاحُ الى النتيجة التي حصلت له. بل يتألمُ ويدفعُ ثمنَ تهَّوُرِهِ والأنصياع لشـهوتِه

أما خطِئَ فتعني خالفَ عملَ المطلوب والمفروضِ. ولاسيما خالفَ النظامَ الذي وضعه الله لضمان الحياةِ في رفقتِه تعالى ونعيمِه. الخاطئُ هو من يعرفُ الحقيقة ، لكنه يُفَّضلُ عليها راحَتَه الآنية ومنفعَتُه المادية. يُخالفُ ضميرَه ويُعارضُ الوصية لأنه يريدُ أن يكون حُرًّا في إختيارِه. نَّبَه اللهُ آدمَ عن التجربة، وحَّذرَ يسوعُ يهوذا مغَّبة ما نواهُ في خيانتِه. لكنَّ الطرفين فضَّلا  إتباع شهوتِهما وأنْ يُقررا أنَّ الصحيحَ هو ما يشتهيانه. وقد تنَّدما بعد تصَّرفهما، ولكن لاتَ ساعة مندم ِ

وهذا يعني أنْ ليسَ كلُّ ضالٍ  بالضرورة خاطئًا. بينما لا يُمكن القولُ باَّنَ ليس كلُّ خاطيءٍ ضالا. بل  يكونُ العكسُ صحيحا، أي يبقى كلُّ خاطيءٍ بذاتِ الفعلِ ضَّـالا. بينما يتيهُ الضالُ جهلاً يضَّلُ الخاطئُ بوعي وتصميم. يجب إذن التمييزُ بين خاطيءٍ وضال. إنَّما يبقى الضالُ مع ذلك رمزًا للخاطيء!. والمثلُ  يتحَّدثُ عن ” خروفٍ ضال “، وعن” خاطئٍ يتوب” 

  • يبحثُ الراعي عن الضــال 

الخروفُ الضال رمزُ الأنسان الخاطئ. والخاطئ كالمريض يحتاجُ الى متابعة ومعالجة. هذا ما أكَّده يسوع عندما قال :” ما جئتُ لأدعو الأبرار بل الخاطئين ” (متى9: 13). كما أكَّد أيضا أنه  ” أُرسِلَ الى الخرافِ الضالة من آل إسرائيل”(متى15: 24). وقد وضَّح أنَّ الخاطئَ ” ضالٌ ” و يحتاجُ الى من يبحثُ عنه ويُعالجُه. ولم يكتفِ بأن يُصَّرحَ بأنَّ تلكَ رسالتُه. بل حَّملَ الكنيسة أيضا تلك الرسالة ، وآعتبرَ كلَّ مؤمن به وشاهدٍ له عليه أن لا يبقى حياديا من الشَّر، بل يُحاول أن يُزيلَه ، فقال: “إذا أخطأ أخوك فآذهب اليه وآنفرد به و وَّبخهُ …”(متى18: 15). وعليه سيُطالبُ

 بولس أهل كورنثية أن يزيلوا الفاسدَ من بينهم (1كور5: 13). لأنَّ الضلال كالمرض يُعدي ويُهلك. ويجبُ إستئصاله قبل أن ينتشر. هكذا طالب بولس أيضا أهل كورنثية أن ” طَّهروا أنفسَكم من الخميرة القديمة … خميرة الخبثِ والفساد” (1كور5: 7-8). يدعو الربُّ الكنيسة ألا تدِنْ أحدًا ، ولا تنظرْ الى الخاطئ لتُعاقبَه بل لتعالجَه وتُعيدَ اليه عافية الروح بالتوبةِ والتجَّدد بقوة الروح القدس (طي3: 5).لا يبتغي يسوع ذبيحةً بل رحمة (متى9: 13). فليس غريبًا ألا يدينَ البابا اليوم المثليين ، وكل انواع الناس المنبوذين من المجتمع أو الخارجين عن طريق الآداب المسيحية ، بل

 أن ينظر اليهم بعين الرحمة وأن يدعوَنا لندرُسَ حالتَهم ونذهب فنبحثَ عن دواءٍ لهم ، ولربما للبشرية فيهم درسٌ بليغ !. لأنَّ الأمراض الخلقية لا تهبطُ من السماء ولا تنبعُ من الأرض. بل هي نتيجة حتمية لآيمان الناس وسلوكِهم

  • لا يريدُ اللـهُ هلاكَ الخاطئ 

لماذا يهتمُ يسوع بالخطأة حتى نَّفَرَ الفرّيسيين والكتبة وأبعدَهم عنه بسبب تعامله معهم(متى9: 10) ؟. لأنه يُحّبُهم ويريدُ أن يُخَّلِصَهم :” هكذا أحَّبَ اللهُ العالمَ حتى جادَ بآبنِه الوحيد ، لكي لا يهلكَ من يؤمنُ به ، بل ينالَ الحياة الأبدية ” (يو3: 16). ولهذا رفضَ يسوعُ لليهودِ أن يرجموا الزانية بآسم الشريعة ، وأعطاها فرصة ً للتوبة (يو8: 7-11)، لأنَّ الله سبقَ وصَّرَح :” أ  بموتِ الشّرير يكون سروري ،….  كلا ، بل بتوبتِه عن شَّرِهِ فيحيا ” (حز18: 23). لا يُحَّبُهم لأنهم خطأة!. كلا. بل يُحّبُهم لأنه هو خلقَهم ، وخلقهم للحياة . ولذا بلغَ حُّبُه للبشر

 الى أقصى حدودِه (يو13: 1) حتى بذل حياتَه فماتَ كي لا يموتَ الناس بالخطيئة بل يحيوا، فقال:” أبذلُ نفسي في سبيلِ خرافي .. لكي أستعيدَها ” (يو10: 15-17)

الأنسان غال ٍلدى الله. إنه صورتُه ، وقد كلَّفهُ غاليا. لأنه عندما باع نفسَه لآبليس وضَّل طريق الحياة لمْ يرتح الله الى ذلك بل عادَ فآشتراهُ (1كور6: 20؛ 7: 23) ودفعَ عنه ثمنا باهظا إذ كَّفرَ عنه بدم المسيح (رم3: 24). لأنه ” ما من مغفرة بدون إراقةِ دم “(عب9: 22). لقد سفكَ المسيحُ دمَه كي لا يُسفَكَ دمُ الأبرياء. كم هي عظيمةٌ محَّبتُه ؟ وكم هي بليغة ٌ حكمتُه؟. الشَّرُ لا يُقاوَمُ بالشر ولا يُعالجُ بالقصاص. بل يُداوى بمرهم الرحمة والمحَّبة والغفران. يُغلبُ الشَّرُ بالصبرِ و التضحية والخير(متى5: 39 ؛ رم12: 21)

لا ينعمُ بهذا الآمتياز كلُ الخطأة. إنما فقط الذين يتوبون. وصَّى يسوعُ الزانية ألا تعودَ مرة أخرى الى الخطيئة. كما قال لمقعد بيت حسدا :” قد تعافيتَ ، فلا تعُد الى الخطيئة ، لئلا تُصابَ بأسوأ ” (يو5: 14). أما من يرفُضُ التوبة ولا يقبلُ أن يُغَّيرَ سلوكَه ويسلك عمدًا طريقَ الشر فلا نصيبَ له في خيراتِ الله الأبدية لأنه يُفضّلُ ان يكون بعيدا عن الله ” مثل وثنّي ٍوعاق” (متى18: 17)، ولا يستحّقُ لا المعالجة ولا حتى المخالطة (1كور5: 11)

لنتأمل ذواتِنا :  بما يخُّص سيرَتنا هل نحن ضالون وخاطئون ، أم في قطيع الرب صامدون ؟

وبما يخُّصُ غيرَنا هل نحن لهم إخوة محبون أم غرباءُ معادون؟ هل نحن لهم أطباءُ معالجون ، أم جَّلادون و قصَّابون  ؟. المسيحُ معَّلمُنا وفكرنا وحكمتنا وقدوتنا ورسالتنا ورجاؤُنا، وليس العالم

 

القس يـول ربــان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO