الأحـد الثالث للصليب / السادس لأيليا

الأحـد الثالث للصليب / السادس لأيليا  

       2014.10.12

يُتلى علينا اليوم إنجيلُ -::< متى15: 21-39 >::- ويقُّصُ خبر إنتقال يسوع الى منطقة صور وصيدا التي يقطنها الكنعانيون وهم وثنيون وشفاء أبنة المرأة الكنعانية (آيات 21-28)، ثم أشفية جماعية لأنواع من الأمراض (آيات 29-31)، وأخيرا معجزة تكثير الخبزِ الثانية (آيات 32-39) حيثُ أشبعَ يسوع أربعة آلاف رجل، بالأضافة الى نساء وصبيان، بسبعة أرغفة وسُميكاتٍ قليلة

  • يسوع يُبادرُ : رحمــة ً 

ليسَ معهودًا أن يُبادرَ غنيٌّ فيُغيثَ الفقير، ولا المُكتفي أن يُفَّكرَ في المحتاج. حتى قالَ المثل : ” البطنُ المتخوم لا يشعرُ بجوعِ غيرِهِ “!. أما يسوع فقد كسَرَ القاعـدة : حولَه آلافُ الناس يستمعون إليه لثلاثةِ أيام فعرفَ أنَّ مؤونتهم قد نفذَتْ ” ليس لديهم ما يأكلون”. لابد ويشعرون بالجوع. ربما لم يذُقْ بعضُهم الطعامَ طيلة هذه الأيام ، فلم يُرِد ” أن يصرفَهم صائمين”. لقد ضَعُفتْ مقاومتهم ، وقد” تخورُ قواهم في طريق ” عودتهم الى بيوتهم. ليست من شيمةِ الأنسان الكريم أن يُهملَ واجبَ خدمةِ الضيوف. وتلك الآلافُ ضيوفٌ عند يسوع. فلن يتقاعسَ في

 أداءِ واجبِه تجاههم. لما عرفَ التلاميذُ نيَّتَه ، ” أُشفِقُ على هذا الجمع ” ،إستغربوا وآعترضوا عليه: كيفَ نقدر أن نشبعَ كلهم؟. لكنه لم يتراجَع ، بل تابعَ مُخَّططه وأخذ الأستعدادات لإطعام كل تلك الألوف. إنه يشعرُ ببطنِ جارِه قبلَ بطنِه هو. له رحمةٌ لا تُصَّدَق : ترى حيثُ لا يرى غيرُها، وباعُ رحمتِه طويلٌ يُنجدُ حيثُ لا يصلُ غيرُه.  الآخرون أقرباءٌ له ، بل وجزءٌ منه ، وهولا يزالُ يُرَّددُ ” أخبِبْ خيرَ قريبِكَ كنفسِك “!. وكيفَ يُحّبُ إذا أغمضَ عينَه على حاجةِ قريبِه ولمْ يمُّدَ لهُ يدَهُ ؟

  • كم رغـيـفًا لـديكم ؟

سؤالٌ أغربَ من الموقفِ السابق. هل ينوي يسوع أن يُحرجَ التلاميذ؟. من أين يملكون الطعام الكافي لذلك البحر من البشر؟. وأيُّ مطعمٍ يقدر أن يُهَّيئَ لهم الطعام ؟. إنه ضربٌ من الجنون  حتى التفكيرُ بعملية مماثلة. إنهم في البرية. ولا مصدر لديهم للطعام. لكن يسوعَ مُصّرٌ على ما نوى. وهم كادوا أن ينسوا أنَّه سبقَ لهم ، قبل أكثر من سنة ، و واجهوا موقفًا مشابهًا. كان في بداية كرازة يسوع. وتذكروا كيفَ أشبَعهم. قال لهم يسوع : كم رغيفا لديكم؟. لم يناقشوه. ولا عارضوه. أجابوا سبعة أرغفة وسُميكات. إنه رقمٌ لا شيء. ولكن ثقتَهم به لا تُناقش ولا تُقاس. سبقَ

 وعاينوا قدرتَه. كم هو مهم أن تكون ثقة التلميذ بمعلمه راسخة ، مثل ثقة الجندي بقائدِه، والمرؤوسِ برئيسِه!. إنها سّرُ نجاحِ الطرفين. على قدر سعةِ فهمِ السيد ورحمتِه تلزمُ متانة ثقةِ الخادم وثباتُها. وإذا آلتقت الرحمة بالثقة فهناك تجري المعجزات 

  • أخذ ، كسرَ ، شكرَ ، ناولَ 

أفعالٌ أربعة سيُكررُها يسوع عند تأسيسِه سّرَ القربان الأقدس (متى26:26). سبقَ ورأى يسوعُ في الرجال الأربعة الآلاف ما عدا النساء والأطفال ، البشرية جمعاء المتعَّطشة الى سماع كلمةِ الحَّق وقد أضعفَ إملاقُ الروح بدنها. وإذا لم يسنُدْها عونٌ إلهي ستنهارُ على طريق الحياة الزمنية لأن قواها الروحية على وشك أن تخور. ليس للرسل، ليس للبشر أنفسهم، قوتٌ يسندون به رمقهم . البشرية تهوى نحو الهلاك. والله وحدَه قادرٌ أن يُنقذَها. لقد وَّفر لهم الخبز والسمك إذ كثَّرَ سبعة أرغفة وسُميكات. وسيُعطيهم بعدَه ذاتَه نفسَها ، جسدَه ودمَه ، ويتكاثر ويكفي

 لملايين البشر في المرَّةِ الواحدة. ما لا يستطيعه البشر،” أنَّى لأحدٍ أن يُشبِعَ هؤلاء من الخبز ههنا في البرية “(مر8: 4)، يقدرُ عليه الله ،”عليَّ بها “(متى15: 18)،لأنه “على كلِ شيءٍ قدير”(متى19: 26). اللهُ الذي أعطى الأنسان الخبز قوتًا للجسد الفاني قالَ أيضا بأنه ” الخبزُ الإلهي الذي نزل من السماء” (يو6: 33) وأنه هو الذي يضمن حياة الأنسان للأبد

تعيشُ العائلةُ البشرية، رجالا ونساءًا وأطفالْ ، في قفرٍ روحي. قوى العالم لا تقوى على  إنعاشها. لأنَّ العالم لا روحَ له. خيراتُ العالم، مثل الزرع الذي وقع في أرضٍ صخرية ، لا أصلَ لها ولا ديمومة، وتزولُ سريعا. أما خيراتُ الله ، أما الخبزُ النازل من السماء، فهو يدوم ويُحيي ويَفيضُ 

مثل زرع الأرض الجيدة، ثمارًا كثيرة. فالسبعة أرغفة التي تكادُ لا تُشبع سبعة أفراد أشبعت بقوة الله آلاف الناس ، وفضلَ منها حتى رفعوا كسرها وملأوا منها سبع سِلال مملوءة

  • هوذا كلُ شيءٍ جديد 

عهدُ المسيحُ هو عهد الروح. إنه عهدُ الخيراتِ الروحية التي حُرمت منها البشرية فترة طويلة. عانَى الأنسانُ فقرَ الرحمة والرأفة. عانى الأنسان الجوعَ الى كلمةِ الحَّقِ والحُّب. عانى الأنسان من الأنانيةِ و من ضيقِ الباع ِ في العدالةِ والإخاء. خارَ الأنسان في مسيرةِ علاقتِه بالله. لأنه إقتاتَ فقط على غذاء العالم. لم يعرفْ ِالغذاءَ الروحي لأنه جهلَ عالمَ الروح ،و” لأنَّ الروحَ لم يكن يومئذٍ قد أعطيَ “(يو7: 39)

وكما إستغربَ الرسلُ على إمكانيتِهم إطعامَ تلك الجماهير سيستغربون أيضا عندما يُحَّدثهم مباشرة عن طعامِ جسِده : ” هذا كلامٌ عسيرٌ من يستطيعُ سماعَه “؟(يو6: 60). نعم كيفَ يمكنُ ، كما قالَ اليهود ، ان يأكلَ الناسُ جسَدَ إنسان ؟(يو6: 53). لم يفهم التلاميذ هذا كما سبقَ ولم يفهموا كلامه عن هيكل جسده (يو2: 22) ، ولاعن الراعي والخراف (يو10: 6).  فكرُهم ما يزالُ سطحيًا ولا يغوصون الى أعماق ِ أحاديثِه رغم أنه طلبَه منهم مرة وهو: ” سِر في عمق البحر”(لو5: 4). كان يسوع ذاك البحرَ بل المحيط الذي يصعُبُ غورُه. بينما غاصَ هو بنظره في أعماقِ أفكارِ الأنسان

 وحاجاتِه ولم يكن ” محتاجا الى من يُخبرُه عن أحد. فقد كان يعلمُ ما في الأنسان ” (يو2: 25). ولكن ما أن حلَّ الروحُ القدس عليهم حتى تغَّيروا وصاروا لا فقط يأكلون جسدَ يسوع بل و يوَّزعونه على المؤمنين إذ باشروا ” يكسرون الخبز في البيوت ” (أع2: 46).

أصبحوا يرون كلَّ شيء في أنوار الروح وعُمقِ منظارِه ، بل يرون ويتعاملون معًا : ” رأى الروحُ القدس ورأينا نحن “(أع15: 28)، لأنه كان يُرشدهم الى الحَّق كله (يو16: 13). نعم ، كان الروح يُرشدُهم في رسالتهم :” قال لهم الروح القدس : أفردوا …”(أع13: 2)، وهم كانوا ينقادون لألهامه وتوجيهاتِه. فقد منع مرة بولس ورفيقه التبشير في آسيا ودعاهما الى التوجه الى بلاد اليونان فلبيا الدعوة حالا(أع16: 6-10). ومرة أخرى قال له:” لا تخفْ ، بل تكَّلمْ ولا تسكُتْ فأنا معك ..”(أع18: 9). لقد إختبرَ الرسلَ محَّبة المسيح العظيمة ورحمتَه الفائقة فوثقوا به ثقة ً بلا حدود وتجاوبوا مع

 توجيهاتِه خير تجاوب فكان عملُهم عملَ الله ، ومن خلالهم مَّـددَ اللهُ عملَه في الأرض كلِها. والذين عجزوا مرَّةً عن صيد السمك بذراعهم صادوا العالم كلَّه للرب وأجروا المعجزات بقوة كلمتِه

 

القس بـول ربــان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO