الأحــد الثاني للصليب / الخامس لأيلــيا

الأحــد الثاني للصليب / الخامس لأيلــيا  

        2014.10.05

يُتلى علـينا اليومَ إنجيلُ -::< متى17: 14-27 >::- ويَروي خبر مصروع لم يقوَ الرسلُ على شفائِه وعزا يسوع ذلك الى قلّةِ إيمانِهم، ثم خبر إنبائه الثاني بآلامِه وقتلِه وقيامتِه ، وأخيرا دفعُ يسوعَ جزيةِ الهيكل المفروضةِ عادةً على الغرباء

  • الرُسُلُ والأيمــان 

نستغربُ ضعفَ الرسل عن إبراءِ المصروع. في حين لما أرسلهم يسوع في حملةٍ تبشيرية كانوا ، عند عودتِهم ، يطيرون من فرحهم بسبب شفائِهم المرضى بل ” وحتى الشياطين تخضعُ لنا بآسمكَ “(مر6: 13 ؛ لو10: 17). و بطرسُ سارَعلى الماء (متى14: 29). فماذا جرى لهم الآن حتى فشلوا في محاولتِهم علاج المصروع ؟. وأكثر حتى أغضبوا المعَّلمَ الذي إستنكرَ الفشلَ بشّدة ولامهم بقسوة :” أيها الجيلُ الكافرُالفاسد. الى متى أكون معكم ؟ وحتى متى أحتملُكم “؟ (آية 17)

ركَّزَ يسوعُ على كُفرهم، أى شَّـكِهم وعدم إيمانهم. ليسَ شكُّهم في يسوع. بل شَّكهم في أنفسِهم و في أنَّ ما يطلبونه سيتحَّقق.  مثل الطفلِ الذي لا يُصَّدقُ حاله أنه قادرٌ على الوقوفِ على رجليه وعلى السير. هكذا شَّكَ بطرُس أنه سائرٌ على الماء. لم يُصَّدقْ أنه قادرٌ على متابعة المسيرة. كان فكره يُقَّـيدُه بعلمِه السابق أنَّ ذلك غيرُ ممكن. لم يحدثْ له أن إختبَرَ أمرًا كهذا.  كان يُصَّورُ حاله أنه يغرقُ في الماء. كان يتوَّقعُ ذلك. فتمَّ ذلك فعلا. كما يقولُ مثلٌ شهير: ” إذا لم تعِشْ كما تفَّكرُ، فسوفُ تفَّكرُ كما تعيشُ “!

هكذا إنقلبتْ الآية عند الرسل. لمْ يستمروا على الحماس الأول. ربما تصَّوروا أنَّ ما حدثَ على يدهم في حملةِ التبشير كان فلتة ًعابرة لا تتكرر. أو كان ذلك قدرة لن تخونهم ولن تضعف ، مثل القدرةِ على الأنجاب.  لذا حاولوا أن يُشفوا المصروع. بمعنى أنهم إعتبروا أنفسهم قادرين على ذلك ، ظانّينَ أنَّ المعجزات من ضمن إختصاص مهنتهم ولا تحتاجُ الى إستعداد خاص. لمْ يُخفِ يسوع عنهم سبب قساوةِ توبيخه لهم :  ليسَ لهم إيمانٌ كما ينبغي. يذهبُ جهدُ يسوع هدرًا إذا إستمروا هكذا

لقد نعتهم يسوع بالجيل الفاسد. الجيل الذي لم يعرفْ معنى الأيمان بل عاش على العادات والتقاليد مقتـديا بالأسلاف ، غير مهتّم ٍ بأنْ يعي معنى حياتِه وعِلَّـة سلوكِه والتطور الحاصل أمامه. و بالتالي غير مبالٍ بأفعالِه أو أقوالِه. إنهم مثل كل الناس الذين حُرموا تربية دينية عميقة وجهلوا عالم الروح كليا ليعيشوا في الحرفِ فقط. لم يُغَّيروا كثيرا في سلوكهم رغم عشرتهم الطويلة معه وتتلمذهم له، ورغم كلِ ما بذله ليرفعَ من مستواهم فيكونوا جديرين بدعوتِهم وتلمذتهم. غيَّرهم الروحُ القدس فقط 

المسيحية غَّيرت وجهَ الحياة. وطَّورَت طرق تفكير الأنسان. وطالبت المسيحيين أن يعيشوا المباديءَ الجديدة ويشهدوا لها في سلوكهم اليومي فيكونوا للعالم ” نورًا وملحًا “. ترى كم يتجاوبُ المؤمن مع هذه المتطلبات ، بل كم أدرَكَ عمقَ تلك المباديء وحلاوة تطبيقِها؟. وربما إحدى أهم تلك التطورات هي ترك سبيل الجسد، المظاهر المادية ، والتغلغل الى عمق الروح ، الى إستقامة الفكر والقلب (رم8: 4-5). كم غَّيرَ الأنسان تعامله من العنف والأنانية الى اللطف ومحبة القريب كالذات ؟. ليس الأيمان شهادة تخَّرج نسَّجلها ونتباهى بها. الأيمان حياة يجب أن يُعاش وإلا

 أصبح مَّيِتًا. قال الرسول : ” أريك إيماني بأعمالي .. لأنَّ الأيمان بلا أعمال مَيْتٌ ” (يع2: 18 و 26). على رسل اليوم وشهود كل جيل أن يشُّعوا للعالم أنَّ المباديء المسيحية لا فقط هي قادرة على إنقاذ البشرية ، بل إنها وحدها التي تنقذها. نحن ايضا مثل الرسل نخضع لنفس التجربة ولنفس الضعف. وما غيَّر الرسل ،الروحُ القدس ، قد نلناه منذ آعتمادِنا. فهل نتجاوب مع إرشادِه ونتكل على أنوارِه؟. لنأخذ الدرس من الرسل قبلَ أن يوَّبخَنا الرب ، وحتى لا يتخَّلى عَّـنا.

  • الجــزيةُ ،  ما معــناها  ؟

قبل شهرين فقط طالب الأرهابيون المسيحيين أن يدفعوا الجزية أو يتركوا بيوتهم أو يُسلموا. وقد

ثارت ثائرةُ الكثيرين ضد هذه الأهانة. وبحَّق!. طلبت إدارةُ الهيكل أن يدفع يسوع والتلاميذ الجزية ، ضريبة الرأس. و سأل يسوع بطرس : من يدفعُ الجزية؟ ولمن ؟. أجابَه :يدفعُها الغرباء وليس المواطنون. أيَّدَه يسوع. لكنَّه، تجنَّبًا للشَّر، ضحَّى بمال من عنده ودفع المطلوب. السلام أهم من المال. والتضحية أفضلُ من وجع الرأس. ليست الحقوق بالدفع أو الرفض. الحقوق أن يعيشَ المرء بهدوء وسلام. يقول المثل الشعبي : ” الباب الذي تأتيكَ منه الريح ، سُّدَها وآسترِحْ “!. لم يبحث يسوع عن الحقوق. طلبَ الراحة والكرامة

الجزية أنـواع. منها الضرائب التي يدفعها المواطنون لتوفير خدمات البنى التحتية وضمان الدولة التي تدير شؤون البلاد. ومنها المشاركة في تحمَّل بعض الحاجات العامة كالحروب لحماية البلد. وعلى هذا السبيل فرضَ الأسلامُ الجزية على المسيحيين ليمَّولوا الحروب التي يتولاها المسلمون. وقد تعَّلموها من الفرس. لأن المسيحيين لم يتجَّندوا في الجيوش بسبب جنوحهم الى السلام ورفض الحروب. ومنها يؤديها الغريب الذي يشتغل في البلد

أما اليوم فقد تغَّيرت الأحوال. المسيحي مجَّند مع المسلم وقبله. المسيحي يبني الوطن بعلمه وعمله في كل المجالات. ليس المسيحي غريبًا بل هو مواطن بلده قبل المسلم الذي جاءَه غازيًا. مع ذلك نتساءل: هل دفعُ الجزية اليومَ مقابلَ ضمان أمن حياتِهم مع عدم مشاركتهم في الحروب الهوجاء ، هل يكون خاطئا؟. لا أقول هل يكون عادلا. ولكن هل يكون خاطئًا ويجب رفض التعامل بهذا الأسلوب مع غاز ٍ جديد ، ويجبُ مقاومتُه حتى بالسلاح لو إقتضى الأمر؟. يسوع بيَّن لبطرس عدم عدالةِ مطالبتهم بالجزية ، لكنه دفعها بحرية وبكرامة. صان كرامتَه قبل حَّقـه. تفاعلَ مع الظرف

 بما يحمي تلاميذه ولا يؤذي رسالته. فلو لم يدفعها كان سيبدو رافضا الخضوع لنظام البشر. وهو قد خضع له منذ ولادتِه مع أنه لم يحتج اليه ، وغَّيرَ أغلبَ فقراتِه بعده

والى زمن غير بعيد كان المؤمنون يدفعون للكنيسة و للرئيس الكاهن و الأسقف ضريبة الرأس ليضمنوا معيشتَهم. وكانوا يؤدونها بمحبة وفخر وآعتزاز. لأنها كانت الحَّق!. واليوم تغَّيرت الظروف والعقليات والأساليب. يوفر الشعبُ معيشة رؤسائه الدينيين بطريقةٍ مختلفة. يدفعون ولكن بشكل آخر. فإذا كانت حمايةُ الأيمان منوطة ً بدفع الجزية فهل هو أمرٌ كثيرٌ حتى لو كان طالبُها ظالمًا ومُجرِمًا ؟. ما الأفضل الأيمان أم المال؟. أ ليس المال لأجل العيش والعيش الكريم؟. أما كان الرسول بطرس يُفَّضلُ أن يحتفظَ بتلك القطعةِ الذهبية ويُحَّسنَ وسائلَ صيدِه من أن

 يدفعَها ظلمًا لمن لا يستحقونها؟. وماذا كانت حُجَّة يسوع وبماذا بَّرَر سلوكَه؟. قال :” لا أُريدُ أن نريبَهم”. سببٌ بسيط : عدم إعطائِهم فرصة الشَّك فيه وفي تلاميذه وآتخّاذ موقفٍ سَّيءٍ منهم. إنه حريصٌ على سلامةِ تلاميذه أكثر من حرصِه على حقوقِه العادلة!. يريدُ أن يُرَّبيَ تلميذه على التجَّردِ من كل شي، حتى من الحقوق الأنسانية، ليتفَّرغَّ للحَّق الألهي ويُدافعَ عنه!.

أين نحن اليوم من هكذا موقف؟. ننتقدُ ونطالبُ ونحاججُ وندافعُ لأنَّ غيرَنا ” خاطيءٌ”. ننسى يسوع وننسى أنه دفعَ الجزية لآسكاتِ الخطأة ، وحرمَ نفسه لذة الرفاهية ، لكنه رفضَ أن يكذبَ أو يُهين أو يُسيءَ أو يُوجعَ أحدًا!. رفضَ أن يخطـأَ. كان قياسُه للأمور إلـهيًا ، ومنطقيًا إيمانيا ، وأبى أن يعيشَ مثل بقية الناس. أبى أن يقتديَ بمواطنيه وأهل زمانِه. إلتزم جانبَ الحق ، ورفضَ حتى لتلاميذه أن يتعَّدوا هذا الخط . رفض السامريون يسوع وطلبَ يعقوب ويوحنا أن يسمح لهما بأن يعاقباهم بإنزال النار عليهم لتحرقَهم، لكنه بعكس ذلك ” إنتهَرَهما ” (لو9: 55). ومنع

 بطرس من أن يقتلَ ملخس في بستان الزيتون حتى دفاعًا عنه (متى26: 52). كلما نتلو المزمور51 نقول :” قلبًا نقيا أُخلُقْ فيَّ يا الله. و روحًا مستقيمًا جَّدِد في أحشائي “. وأعطى يسوع الطوبى لمن قلبُه نقي (متى5: 8). مِثلُ هذا يعرفُ الله ، ويعرفُ الحَّق. مثل هذا سيرى الله ويتمتّع في ملكوتِه. مثلُ هذا يعرف : من جهة أن يدفع الجزية دون أن يتألم ، ومن أخرى أن يتغَّلبَ على قـوَّةِ الشياطين. لأنَّ مثلَ هذا ” يُـؤمِـنُ”

 

القس بـول ربــان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO