الأحــد الثـالث لأيـلــيا

الأحــد الثـالث لأيـلــيا 

2014.09.28

يُتلى علينا اليوم إنجيل -::< متى13: 24-43 >::- ويستمّرُ يسوع في سرد الأمثال: مثل الزؤان، وحبة الخردل، والخميرة. وفسَّرَ مثل الزؤان. وأهَّمَ ما يجلبُ إنتباهَ القاريء المؤمن الغيور ويُحَّيرُهُ هو أنَّ الله لم يسمحْ بآستئصال الزؤان. رأى بحكمتِه أنَّ ذلك قد يؤذي الحنطة ايضا. فأمرَ :” دعوهما ينميان معا “(آية 30). بقاءُ الشَّر مع الخيرلا يُرَّيحُ الناسَ. حكمة البشر تقول إقطع رأسَ الحَّية الشّريرة فتتجَّنبَ لدغَتها، وتقي الآخرين من شَّرِها. وهكذا سَّنَ الشعوبُ عقوبة الإعدام كي يتخَّلصوا من الأشرار ويسُّدوا ، برأيِهم، طريقَ الشر ويحموا الصالحين. أما الله فقال ” لا تقتل” بل أُغلبِ الشَّرَ بالخير. أما في مثل الخردل فأعطى الرَّبُ صورةً عن الأيمان الأصيل كيفَ ينمو ويبني المجتمع الأنساني. وفي مثل الخميرة أكد يسوع أن الأيمان ليس مادة جامدة بل هو حياةٌ تتسَّربُ الى جسم البشرية ويجري في أوردتها الى أن يُحَّولَها الى صورتِه الروحية الألهية

  • تحَّدَثَ يسوعُ بالأمثــال 

هذا ما قالته الآية 34. مع أنَّ التلاميذ سبقَوا وآستنكروا على يسوع هذا الأسلوب :” لماذا تُخاطبُهم بالأمثال”(متى13: 10). المثلُ تعليمٌ مُغَّلفٌ بالصور، ومبنَّيٌ على أمورالحياةِ اليومية التي تتداولها الناس وتهتم بها. ليست الأمثالُ كشفًا صريحًا وبنودَ قوانين. كما ليست مبادئَ فكرية تتطلبُ جهدًا كبيرًا لفهمها. تتطلبُ الأمثال إستنتاجًا فطريا ومنطقيا يُسَّهلُ إدراكَ روحانية الديانةِ الجديدة التي تركت إتخاذ السلوك الحرفي سبيلا لحفظ شريعة الله ، من أجل تبَّني سبيلِ الروح (رم8: 4). لآنَّ الروحَ هو الذي يُحيي ، وكان التعليمُ الجديد ليسوع ” روحًا وحياة “(يو6: 63). لأنَ ” اللهَ روحٌ ” والعبادةَ الحَّقة له تكون ” بالروح والحَّق”(يو4: 24)

هذه الأمورغائبة عن ذهن البشر. لقد إنغمسوا في الماديات والحرفيات. لقد حجبتْ عنهم تقاليدُهم الحسّية رؤية الحَّق (متى15: 6؛ مر7: 6-8) وممارسة البر(متى23: 28: 15: 4-5). أما الرسل فقد إمتلأوا من هذه الروحية. فما أن ظهرَ يوحنا المعمدان حتى إلتفوا حوله بشوق متلهّفين الى قيام ملكوت الله. ولما عَّرَفَ يوحنا بيسوع أنه المسيح المنتظر،” حمل الله الذي يحملُ خطيئة العالم “(يو1: 29) لم ينتظروا أن يدعوَهم بل تبعوه رأسا وبحماس، وبدأوا يُخبرون رفاقَهم وأمثالهم من الذين كانوا ينتظرون الخلاص وقادوهم اليه (يو1: 37-45). لقد إفتهموا أنَّ لملكوت الله أسرار، وأنَّ يسوعَ هو من يُطلعُهم عليها. فصاروا يتطلعون ليُبصِروا ويُصغون ليسمعوا (آية 16). ومن طلبَ نالَ (متى7: 8 ؛ يو16: 24)!. فأكَّدَ للتلاميذ” أما أنتم فقد أُنعِمَ عليكم بالأطلاعِ على أسرار ملكوتِ السماوات ” (متى 13: 11)

  • يُبصرون ويسمعون 

أُناسٌ كثيرون عميانٌ حُرموا من البصر. و قد أعادَ يسوعُ البصرَ الى بعضهم. لكنه بالمقابل نعتَ الفريسيين والكتبة بالعميان (يو9: 41)، إذ قالَ عنهم :” لهم عيون ولا يُبصرون. ولهم آذانٌ ولا يسمعون ” (متى13:13). وطبَّقَ عليهم نبوءَة إشعيا :” يسمعون ولا يفهمون. يرون ولا يُمَّيزون.. ” (اش6: 9-10). كان الرسل أيضا في بداية تثقيفهم يتمَّردون على تعليم يسوع الجديد. كانوا متشَّبثين بمفاهيمهم ورؤيتهم لصورة الشريعة. فهذا بطرس يعترضُ بشّدة على تصريح يسوع بأنَّ على المسيح ” أنْ يتألمَ أولا على يد قادة الشعب ويقتلونه. فآنفردَ به بطرس وصار يُعاتبُه.. حاشَ لكَ رَّبي من هذا المصير” (متى16: 21-22). وهذان يوحنا ويعقوب يسترخصان يسوع ليأمرا النارَ فتحرقَ قرية للسامريين رفضوا دخول يسوع عندهم (لو9: 54). وحتى بعدَ القيامة تعَّلقت بذهنهم بعض الآمال الوهمية ” وهو الذي كنا نحن نرجو أن يُعتقَ إسرائيل” (لو24: 21). و ظلَّ هذا الأمل يدغدغ أرواحَهم حتى حَّولوه الى طلب رسمي:” فسأله المجتمعون معه : رَّبَنا أ في هذا الزمن تُعيدُ المُلكَ الى إسرائيل” (أع1: 6). وكم مرة شَّكوا في أقواله ؟(يو6: 60)

كانوا ما يزالون يسمعون بآذان بشرية ، وينظرون بعيون جسدية. لم يستطيعوا بعد أن يرتفعوا

الى مستوى أعلى، إلى مستوى الروح الذي يُطالبُ به يسوع. ولكن ما أن حَّلَ عليهم الروحُ القدس حتى تغَّيروا لأنَّ عيونهم إنفتحت على عالم آخر وآذانهم سمعت أصواتًا مختلفة. لقد أدخلهم الروح الى عالم الله. فصاروا يرونه ويسمعونه بالروح. صاروا يفهمون الأمور كما صنعها الرب ، و يتبعون شريعته ، شريعة الروح لا الحرف، بما يرضيه ويبني مملكته على الأرض. لقد إفتهموا أسرارَ ملكوتِ الله وأصبحوا شهودًا لها بأقوالهم وأفعالهم، بل حياتهم كلها. وهكذا يريدُ الله البصيرَ السامع. فالبصير ليس من له عيون بل من يعرفُ بمشيئةِ الله. والسامع ليس من له آذان بل من يفهم قصدَ الله ، ويُمَّيزُه عن كذب إبليسَ وأعوانِه ، ويعمل به ” فيُثمرُ ويُعطي بعضُه مائةً وبعضُه ستين وبعضُه ثلاثين” (متى13: 23)

  • أكتُبُها لتتيَّقن صّحة إيمانِك ! \> لو1: 4 

كتبَ مار بولس لأهل كورنثية بأنَّ كلَّ ما حدثَ لشعب الله أصبحَ لنا مثلاً (1كور10: 6). و كتبَ لأهل روما قائلا :” كلُّ ما كُتِبَ قبلا إنما كُتبَ لتعليمِنا حتى نحصلَ على الرجاء “(رم14: 4). و آقتدى الخلفُ بالسلَف. فكتبَ الرسلُ والتلاميذُ ما حدثَ ليسوع وما علَّم لا لتوثيق الحقيقة فقط. بل أكثر من ذلك ، إنهم أحبونا وأرادوا أن يُشركونا بنعمتِهم. لم يُدَّونوا كلَّ شيء ، كما قال يوحنا، بل بعضَ ما عاشَه يسوع وعَّلم:” لتؤمنوا بأنَّ يسوعَ هوالمسيحُ إبنُ الله. وإذا آمنتم نلتُم بآسـمِهِ الحياة” (يو20: 31)

وهنا يطرحُ السؤال نفسَه على كل قاريءٍ للأنجيل أو سامعِ : هل يُبصرُ عن يسوع صورَتَه الحَّقة ويُدركُ معنى تعليمه؟. أم ما زلنا نحن المسيحيين أيضا نقتفي آثارَ شعبِ الله فقَّسينا قلوبَنا و صرنا نكرمُ الله بشفاهِنا ونعبُده باطلاً لأنَّ قلبَنا بعيدٌ عنه “؟ (اش6: 9؛ 29: 13). أما زلنا نُطالبُ بشّدة بآستئصال الزؤان لنرتاحَ ، عوضًا عن أن نهتَّمَ بآعطاءِ الثمارالتي ينتظرُها منا الله حتى لو كَّلفَنا ذلك جهدًا في البذل والعطاءِ، في المحَّبةِ والسماحِ، حتى للأعداء مثلَ ” الداعش” وكل الظالمين والأشقياء؟. هل نرى في كل إنسان صورةَ الله ، وهل نسمع كلام الله من فوق المنابرأو على فم رسلِ اليوم وشهود الكلمة ، ونحاولُ فهمَه؟

كما أنَّ الزؤان لا يستطيعُ أن يمنع سنابل الحنطة من أن تنموَ وتُثمرَ هكذا لا يستطيعُ الشّريرُ، ولا قُّـوةٌ في العالم ، أن يمنعنا عن محبة الله وسلوك درب الأيمان والقداسة. الشَّرُ لا يسلُبُنا إرادَتنا حتى نخضعَ له. إنه يحاولُ فقط أن يُغَّطيَ علينا ويُعيقَنا عن العيش مع المسيح. يخلُقُ لنا الشدائد ، يُرشدُنا الى اختيار ما يسهلُ علينا ويلُّذُ ويحفظُ حياتَنا الزمنية. أما النعمة فلا تُفارقُنا ، أما الله فلا يُهملُنا. يكفي أن نؤمن بهذا ونصمُدَ في الحق ونستمّرَ في حفظ وصايا الله والأتكال ع

لا ننسى أيضًا أنَّ ما فعله كُتَّابُ الكتاب المقدس وآستلمناه من شهادة الحياة يُريدُ أن يوقظَ ضمائرنا ويوجبُ علينا أن نقتديَ بالله (اف 5: 1) وبالرسل (1كور11: 1) ، و نُبَّلغه بدورنا الى الأجيال التالية. والشهادةُ لن تكتملَ بإعلان الكلمة فقط بل بإعطاءِ المثل على كيفية عيشِها في ما يُرضي الله. “أنتم شهودٌ لي ” في أقاصي الأرض وفي كل الأزمنة هي وصيةُ المسيح ولن تقبلَ أية مساومة. لقد كلَّفنا المسيح وأرسلنا الى العالم (يو20: 21). وملكوت الله لا يُبنى بالتنَّزه. بل يحتاجُ الى الصمود في الحَّق والجهادِ. لا جهادًا بسلاح مادي ضد البشر. بل جهادا روحيا بسلاح الله ” لمقاومةِ مكايد ابليس.. والأرواح الخبيثة.. فشُّدوا أحقاءَكم بالحَّق، وتدَّرعوا بالبر، وآنتعلوا بالحمية في إعلانِ بشارةِ السلام ” (أف6: 11-15). و ” من تراهُ العبدُ الأمين العاقل الذي” إئتمنَهُ سَّـيدُهُ على إنجيلِه؟، ” طوبى لذلك العبد الذي يجدُه سَّـيدُه ، عند عودتِه، منصرفًا الى عملِه هذا ” (لو12: 42-43)

القس بـول ربــان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO