الأحــد الثـاني لأيلــيا

الأحــد الثـاني لأيلــيا
~~~~~<>~~~~~ 2014.09.21
يُتـلى علينا اليوم إنجـيل -::< متى13: 1-23 >::- ويقُّصُ علينا مثل الزارع. علَّمَ يسوع بالحديث المباشر،(فتح الضوء) وأتبَعَـه بإجـراء المعجزات وكأنها وسائلُ إيضاح وشواهد على صحَّةِ التعليم والنتيجة لمن يحيا تلك المباديء، وعلى العلاقة الحية بين الله و الأنسان (تسليط الضوء من مكان وفي إتجاه مناسبين). وهوذا الآن يبدأ ويُضيفُ طريقة ثالثة هي التعليم بالأمثال وفيها يُغَّلفُ يسوع أفكاره بصورة محسوسة وجَّذابة ليَدع السامع يتأملها ويهضمُها فيُخرج منها الدرسَ البَّناء (تغليف الضوء لتحليلهِ وللأخذ منه حسب الحاجة).
• المـــثل !
يبذرُ الفلاحُ الحبوبَ وهو يتنَّقلُ في حقله الواسع. والحقلُ طبيعةٌ تشتركُ فيه أنواعُ أشكال التربة. و له أبعادٌ مختلفة وقابليات متنوعة. يتجاورُ مع الطرقات والجبال ويتقاسم الرمال والأحراش. كما له قسمٌ محروثٌ ومُنّقًى من كل أصنافِ أعداء الزرع. إنه رمزُ البشرية التي تجمعُ فيها أناسًا من حضارات وثقافات متعَّددة ، ومن عقلياتٍ وطِباعٍ وقابليات مختلفة تتلوَّن حسب بيئة كل شعبٍ و ثقافتِه وتربيتِه ، بل وحسبَ طاقةِ كلِ إنسان.
توَّجَهَ اللهُ ويتوَّجهُ بآستمرار، عبرَ الزمن، الى كلَّ إنسانٍ ويُحَّدثُه من خلال وحيِه المُعلَن. زرعَ اللهُ بذرةَ الحَّق والحب في كل فرد. لكنَّ كلَّ واحد يتقَّبلها ويتفاعلُ معها حسبَ إستعدادِه الباطني. كل إنسان عاقلٌ وناطق يُمَّيزُ بين الخير والشّر ويستطيعُ أن يختار بينهما. وإذْ شوَّهت الخطيئة هذه الأمكانية عادَ اللهُ وأرشدَ الأنسان الى ما هو حَّق ودعاهُ الى أن يتبعَه، وكشفَ له أيضا الشّر وبلَّغَه أن يتجَّنبَه ، بل أن يُقاومَه. ولكن الناسَ لم يتجاوبوا كلهم بالتساوي على دعوة الله. والسبب لأنهم أحرارٌ وكلُّ واحد يختارُ موقفَه حسبَ قناعتِه ورغبتِه.
• تفســير المثـــل !
وشَّبهَ الربُ هذا الأختلاف في التجاوبِ مع إرادتِه تعالى وفسَّرَه وقسَّم الناسَ الى أربعة أنواع : الأول : يسمعُ كلامَ الله ويتعَّرف على الحقيقة لكنه لا يستوعبُها ولايُدركُ جوهرَها، وليس في بالهِ أن يُجهدَ نفسه ليتثَّقفَ فيُهمُلها. ويُساعدُه على ذلك عدُّوُ الحقيقة ، إبليس، فيُشَّوهُ رؤيتَه الأيمانية و يُبعدُه عن الحق. الثاني : يُصغي الى كلامِ الله لكنَّ إستيعابَه له يبقى سطحيا، عاطفيا أكثر من أنْ يكون إيمانًا ثابتًا ، يتقبَّله بفرح وبحماس. لكنَّ أول محنةٍ يُصادفُها تسَّببُ له ضيقًا وتتطلبُ منه بذلاً وتضحية يتراجعُ أمامها ويجحَد إيمانَه. يعتبرُ الأيمان صورةً لحياةٍ زمنية سهلة ومريحة فقط فلا يتحمَّلُ أن يتنازلَ عنها لخيراتٍ في الخيال تتعبُه حاليا ،لا صورةَ له عنها ولا آختبار، ولا ضمان له بها ملموسًا للمستقبل. الثالث : يُصغي ، يستوعبُ، ويتجاوبُ مع كلام الله. لكنه يتعَّلقُ أيضا بالخيرات الزمنية من مجد ومال وشهوة. وتغريه هذه كثيرا، إنما لا تميتُ فيهِ تعَّلقَه أيضا بما وعدَ الله من خيراتِ أبدية. فيحاولُ أن يُوَّفقَ بين كلتيهما لـيقتنيَ الجسدَ والعالم دون أن يخسرَ النفسَ و الحياة الأبدية. لكنَّ غرائزَه وشهواتِه تطفو على الساحة وتخنقُ فيه الأيمان، فيتحَّولُ الى مظاهر و قشور فارغة من أيّ ثمر روحي. الرابع : يُصغي ، يستوعبُ ويتقَّبل ويتجاوبُ مع كلامِ الله عن قناعةٍ وتصميم فيتحَّررُ عن الخيرات الأرضية والشهوات الغريزية وهمومها، ويتفاعل معها بحكمةٍ وشفافيةٍ وحزم ليُطلقَ العنان لأتمام مشيئة الله ، سالكا درب الحق والمحّبة. يستعملُ خيرات الزمن من شهوةٍ ومال وجاه ضمن إطارِها و هدفها الطبيعيين. ويعيش في الحق والمحبة مُلَّبيًا متطلباتِهما شاهدا لهما بأقوالِه و أعمالهِ.
لقد زرعَ اللهُ فينا كلمة الحق وجَبَلَ نفوسنا على المحبة ، وحَّررنا من الضغط الذي تمارسُه علينا الخطيئة ، فالمطلوب منا أن تكون نفوسُنا حقلا جيّدًا، نتقّبلُ كلامَ الله بقناعة ونبحثُ في إستثماره ، فنحرُث ذواتِنا و نطّهرُها من كل ما يتعارضُ مع وحيِ الله وتعليمه. فلا نتعَّلق بالخيرات الزمنية والشهوات وهمومها ، بل نتغَّلبُ عليها بالتقَّـيد بوصايا الله وإرشاداتِه ، ونستخدمها لنُحَّولَ ايماننا إلى نور وقُّـوةٍ ونبعِ حياةٍ الهية على الأرض.
• زرعُ الحق تعليم الحياة !
رَّكزَ المثل على الذين اليهم يتوجهُ كلامُ الله. ولمْ يتعَّرض لطبيعةِ ما يحويه هذا الكلام. لاشَّكَ في أنَّ الفلاحَ يزرعُ الحَّبوب الجيدة التي تحمل في داخلها حياةً تنتظرُ أن تتفجر وتنمو إذا وقعت في أرضٍ ملائمة و صالحة. وكان الرسلُ محظوظين ، كما أكَّدَه لهم يسوع { آية 16} ، لأنهم نالوا تعليما لم ينله أحد قبلهم ، رغم أنَّ ” أنبياءَ وملوكا تمنَّوا ذلك” ، لأنَّه يحتوي على ضمانِ الحياة. وما قاله يسوع يمتَّدُ مفعولُهُ ، جيلاً بعد جيل ، الى البشرية جمعاء ، ومنهم نحن الذين نعيشُ الآن.
هذا ما ستقولُهُ الصلاةُ الطقسية لهذا الأحد :” بذرةُ الحَّقِ تعليم الحياة زرعَها مُخَّلِصُنا في نفوس الناس “. تعليمُ يسوع هو زرعُ الحقيقة. فقد ولدَ يسوع وجاءَ ، كما صَّرَح أمام بيلاطس ، ليشهدَ للحق (يو18: 37). وقد نقل الينا كلام الله الذي هو ” الحق ” (يو17:17؛ 12: 49). وأرسلَ لنا روحَ الحق (يو14: 16-17) ليُرشدنا الى الحَّق كله (يو16: 13). وجاءَت على لسان يسوع عبارةُ “الحَّقَ أقول..” 29 مرة لدى متى و13 مرة لدى مرقس و9 مرات لدى لوقا و3 مرات لدى يوحنا. لكن يوحنا إستعملها مكررة ” الحق الحق أقول..” 26 مرة ، أى بمجموع 80 مرة !.
أمَّا ” الناسُ ” فهل حافظوا على ” تعليم الحَّق “؟. لا يبدو الأمرُ كذلك. فالتاريخ يشهدُ بأّنَّ رسلَ اليوم لم يكونوا دوما أوفياء ولا حُرَّاسًا أتقياء لكلام الله. فتقولُ الصلاة :” تعليمُ يسوع هو زرعُ الحَّق. نمتْ بينه الأشواكُ فخنقته. فمن رخاوةِ الفلاّحين أصبحتْ الحقولُ مداسًا. نعسَ الرعـاةُ و ناموا فأفسدَت الذئابُ كما شاءَتْ. ولا راعيَ يقفُ بوجهِها “.
لقد تكالب أهل العالم ضدَّ الأيمان. لا فقط يرفضونه ولا يتنَّورون به بل و يرفضونه لمن قبلوه أيضا ويريدون أن ينتشلوا من قلوبهم وأفكارهم ، مثل الطيور، صورةَ الله وتعليمه الحَّق. لا فقط لا يُسقون الأيمان ولا يقَّوون أساسه بل ويحرمونه من كل قوتٍ حتى ييبَسَ سريعا. ولا فقط لا ينظفونَ تربَتَه ويُزيحون عنه الأحراش والنباتات الضارة بل ويُقيمون حوله أسوارًا من التعاليم المُفسِدَة ليخنقوا كلمة اللـه. هذا لايضُّرُ الله ولا يُخيفُه بقدر ما يُسيءُ الى البشرية التي تُحرَمُ من حضور الله وعونِه ، وبالتالي من خيراتِه الأبدية. فنحنُ المؤمنين المزروعين في الأرض الجيدة لننتبه الى أن نؤَّدي مهّمَـتنا ونجعلَ من حياتِنا غرساتٍ تثمرُ الواحدَ بثلاثين وستين ومــئة.

القس بـول ربــان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO