الأحــد الأول لأيـلــيا

الأحــد الأول لأيـلــيا

~~~~~<>~~~~~                                                  2014.09.07

يتلى علينا اليوم إنجـيل -::< لوقا 18: 35-43 و 19: 1-10 >::- يتحَّدثُ في الجزء الأول عن شفاء أعمى إريحا ، وفي الجزءِ الثاني عن توبةِ زكا العشار على يد يسوع ، ما إستفَّزَ غضب اليهود وآعتراضَهم ، بينما ردَّ يسوعُ أنَّ ابنَ الأنسان جاءَ يبحثُ عن الهالك ليُخَّلِصَه

•       من الهــالك ؟ وكيفَ هلك ؟

روى الأنجيلي هذا الكلام وهو يَختم الفقرة التي أدرجها بين إنبائِه الثالث والأخيرعن آلامِه وموته وقيامته ، وبين مثل الوزنات العشر الذي ختم به رسالة يسوع في الجليل لينتقلَ بعده الى اليهودية حيث سيختمُ يسوع حياته الزمنية على الأرض. ولا شَّكَ أنه ألمحَ بذلك الى الأعمى والعشار. فالأول حاولَ الناسُ إبعادَه عن يسوع لأنه أعمى ، وهذا يعني بالنسبة اليهم أنه إنسانٌ خاطيء ، فآنتهروه ليسكت ولا يُثيرَ عاطفة النبي الكريم الذي كانوا يعتقدون أن على يده ” سيظهرُ ملكوتُ الله في ذلك الحين “(لو19: 11). والثاني ، وهو العَّشار، لا حاجة الى برهان بأنه

خاطيء بل وخائن الله والأمة ما دام يتعاون مع المستعمرالوثني ، و يجمعُ له الضرائب من الشعب. فالهالك هو الأنسان الخاطيء المنبوذٌ من الله ومن  الناس. فهل يُمكن لمن يدَّعي أنه المسيحُ أن يتعاملَ مع أناس من هذا الطراز؟؟

لم يُكَّلفْ اليهودُ أنفسَهم ليتحَّققوا ما هي أسبابُ العوق الظاهر في الأعمى ، ولا الأسباب الأجتماعية التي قادت زكَّا الى التعاون مع المستعمِر. لم يريدوا أن يُنصفوا الرجلين فيبحثوا ولربما يجدوا مُبَّررا لعاهتهم أوآنحرافهم. لم يجلسوا معهم. لم يستمعوا اليهم. ولم يتساءَلوا عما إذا كان” قلبهم قاسيا أو رقبتهم غليظة “؟. همُّهم المظاهرُ فقط. ولا علاقة لهم بما يجولُ في خاطرالناس أو يسري في عروقهم من إيمان وطيبةٍ ، وكم هو قاس ٍ ألمُهم وشديد. يحكمُ معلموهم على المظهر ولا يهتمون إلا به :” ما من عمل يعملونه الا لينظر الناسُ  اليهم … يُصَّ

الماءَ من البعوضة ويبتلعون الجمل… يُطَّهرون باطن الكوب والصحفة ، و باطنهما ممتليءٌ نهبًا وطمعا “(متى23: 5، 23-26؛ متى6: 5، 16)

أما يسوع فنظرَ الى باطن كل من زكا والأعمى وعاين قوةَ الأيمان الذي يتحَّليان به ، رغم ما يخفي وراءَه من مظاهر السوء. حتى صَّرحَ عن زكا أنه ابنُ ابراهيم المؤمن ، وللأعمى أنَّ إيمانه أبرأَهُ!. هذا الأيمان لم يعرف الى القادة طريقه ولا الى الشعب نوره. وكانوا هم العميان ، وهم الخونة لشريعةِ الله، وهم الهالكين. عميان لأنهم أخطأوا في تفسير شريعةِ الله ، وأخطأوا لمَّا إنقادوا  للحرف على حساب الروح. وهالكون لأنهم يُصّرون على خطأهم ويرفضون التوبة والتغيير (يو9: 41)

•       وكيف خَّـلصَ يسوعُ الهالكين ؟

كان اليهودُ يتخلصون ممن يعتبرونهم خطأة إما بعزلهم عن الجماعة ونبذهم ، وإما مباشرة بقتلهم رجمًا أوصلبًا كما فعلوا مع يسوع. وهكذا حُّكامُ العالم المدنيين والزمنيين ، وعلى مَّر التأريخ ، عالجوا ما آعتبروه خطأ ً بالقضاء على الشخص فاعله أو المُتَّهم ِ فقط به. فالعنفُ سلاحُ الأصلاح الأعتيادي، والإرهابُ وسيلةُ التنديد به والتحذير منه. فالسجن والأشغال الشاقة والقتل بأنواع طُرُقِهِ : رميًا بالرصاص أو الرجم بالحجارةِ أوالشنق حتى الموت أو قطع الرؤوس بالمقصلة ، كل هذه الوسائل أُعتُبِرَتْ حَّلاً أمثلَ لأنقاذ البشرية من شَّرالأشرار

ومقاومةِ الشر نفسِه وإصلاح ِ الخطأةِ بتخليصِهم من شَّرِ أنفسِهم.

أمَّا يسوع فقد سلكَ طريقًا مغايرًا وآستعملَ علاجًا مختلفًا. وقد إعتبرَ كلَّ هذه الوسائل شَّرًا بذاتِها. فمنعَ قطعيًا إستعمالَها بقولِه :” لا تُقاوموا الشَّرَير”(متى5: 39)، وفسَّرها مار بولس :” لا تجزوا أحدا شَّرا بشر”(رم12: 17). ثم وصَفَ العلاج الناجع وهو: أولا، مقاومة الشَّر بالصبر:” من لطمك على خدّكَ الأيمن فآعرضْ له الآخر”(لو6: 29). ثم بعلاجه :” أُغلب الشرَّ بالخير”(رم12: 21). ولم يعن هذا استسلاما للشروالخطأ. ولا هو جُبنٌ وكأنهُ يتهَّربَ الضعيفُ أمام القوّي الغَّدار. بل هوإنتصارٌ على قوى الشر. أولا في داخل الذات بحيثُ لا يسمحُ المُهان

والمظلوم أو الصدّيق البريء بأن تسطوَ عليه غريزة الأنتقام الطبيعية فيقابل “خطيئة بخطيئة”. وثانيا يُعالجَ الشر في المقابل ليُعيده الى طريق الصواب. فيتصَّرفُ بعقل و يتنّزهُ عن الشَّر ويحاولُ أن يوقظ في الأنسان الشرير ضميرَه ، ويُنَّورَ روحَه حتى يتراجعَ هو نفسُه عن الشر ويُغَّيرَ سلوكه ويُنَّقيَ حياتَه من أوساخ شَّوهت صورَتَه

•       علاجُ الهالكِ  بالحُب

ومن يعملُ الشرَّ يؤذي الآخرين. وهذا يعني أنه لا يُحّب. ولهذا أعلن يسوع أن الخلاصَ من الشر والتوَّقُف عن السوء يتّمُ بسلوك سبيلِ المحّبة: ” أَحّبوا بعضُكم بعضًا” (يو13: 34). و المحبة لا حدودَ لها ولا قياس: “أحّبوا أعداءَكم، وأحسنوا الى مُبغضيكم، وباركوا لاعنيكم… كونوا لطفاء، كونوا رحماء…لا تدينوا… إغفِـروا…”(لو6: 27-37). وقد أعطانا في نفسِه المثل على كل ذلك : ” فقد أحَّبَ خاصَّته. وبلغ به الحبُ لهم أقصى حدوده “(يو13: 1). وقد غفرلصالبيه (لو23: 34). ولم يستطع أحدٌ أن يُثَّبتَ عليه شَّرا وخطيئة مهما كانت(يو8: 46 ؛ لو23: 14-15؛ متى26: 59-60)، ولا أن ينكرأعماله

الصالحة (يو10: 32)

الله محَّبة وليس فيه سوء. والأنسانُ صورة الله. فلو سلك الأنسان أيضا في المحَّبة سيتخَّلصُ من كل سوء وكل خطيئة. بالمحّبة شفى يسوع المرضى وأقام الموتى. وبالمحَّبة تغلَّبَ على الظلم والشر الذي وقعَ عليه. وبالمحبة غفر لصالبيه. وبما أنَّ المحبة متبادلة بين قطبين لذا كلما أحَّبَ البشرُ الله غفر لهم خطاياهم (لو7: 47؛ متى9: 2)

فمحَّبة يسوع للبشر هي دفعته إلى ألا يُعاقب الخطأة ، كما يفعلُ حكام الشعوب ، بل ساعدَهم كي يتغلبوا على سوئهم ويُغَّيروا سلوكهم، كما صنع مع مريم المجدلية مثلا (لو7: 40-47 ؛ 8: 2). وهذا فعله الله منذ البدء : عَّلمَ (تك2: 16)، ثم حَّذرَ(تك4: 7)، وفي الأخير سامح. خَّلصَ يسوع الأعمى من عاهتِه ورَّدَ له العافية رمزًا الى خّلاصه الأنسانية من ضلالها و فسادها وإنارة الطريق أمامها للحياة الشريفة والكريمة ودعوتها اليها (في4: 8). كما خَّلصَ العَّشار بإعادتِه الى سبيل الصواب رمزًا الى إنقاذه الأنسانية من جهلها ، ومسامحتها على نزواتِها وآتباعها شهواتها ، و

دعوةِ كل الناس الى عدم الأنخداع بالخيرات المادية ، وعدم الأستخفاف بالبشر وظلمهم. لقد أعطى كليهما فرصة جديدة للحياة المستقيمة والمريحة. و فعلَ اللهُ كلَّ ذلك مع البشر لأنه أحَّبهم. و لأنه لا يريدُ هلاكهم ، بل يعطيهم مجالا ليتوبوا ويحيوا أمامه

وكم يحتاج الناس الى تعّلم الدرس بأنَّ علاجَ الأخطاء وإصلاحَ الخطأة يتحَّققُ عن طريق الرحمة و الرأفة وبدواء المحَّبة وليس بالتهديد والتنديد، أو قساوةِ الترهيب والتقطيع. ليس الأنسانُ آلة بل هو حياة غالية. هو روحٌ شَّفافة تلتقط ذبذبات الرحمة أكثر من قعقعات السلاح. وتنهلُ من نبع الحب بسهولة أفضل من ان تشربَ من كأس العداءِ والعنف.

القس بـول ربــان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO