الأحد السادس و السابع للصيف‎

الأحد السادس و السابع للصيف‎

الأحـدان : السادس والسابع للصيف

2014.08.31

يُدمَجُ هذان الأحدان معا بسبب وقوع عيد الصليب  ـ 14 / 9 ـ

يومَ الأحد الثاني من ايلول ويتطَّلبُ الطقس أن يبدأَ سابوعُ ايليا

قبله حسب قاعدة التقويم الكنسي ـ حوذرا 3 ص 323 و 356  }-

يُتلى علينا إنجيل -::< 1- لوقا 17: 5-19 ؛ 2- لوقا 18: 1-14 >::- ويقُّصُ الأولُ خبر قوَّةَ الأيمان ، والتواضع في الخدمة (آيات 5-10) ثم شفاء عشرة بُرص ، بينما يُخبرُ الثاني عن الثبات في الرجاء والصلاة ، ثم عن التواضع والأقرار بواقع الحال مقابل الكبرياء و آحتقار الآخر(آيات 9-14). نحاولُ اليوم أن نتأمَّلَ في القسم الأول من إنجيل الأحد السادس والقسم الثاني من إنجيل الأحد السابع ، حيثُ نجدُ مشتركا بينهما التواضع والألتزام بالواجب

•       لوقا 17 : 5-10  :: نحنُ عـبيدٌ بَّطالون

جاءَ هذا التعليمُ وذاك المثل جوابًا لطلب الرسل من الرَّب أنْ ” يُزيدَهم إيمانا “. فأعطى يسوعُ مثلَ الخادم الذي يرعى قطيعَ سَّيدِه ، ويخدمُه على المائدة ، أى يؤَّدي أولا واجبَه ثم يهتم بالقيام بحاجاتِه الخاصّة. وآستنتجَ أنه إن فعلَ الخادمُ هذا الأمرلا فضلَ له على سَّيدِه و لا منّية حتى يُطالبَه بعدَه بحَّق. ونحن أولَّ شيءٍ نفَّكرُ به، لاسيما هذه الأزمان،هو حَّقنا. بل حقوقنا المهضومة ، لا فقط من البشر ولكن حتى من الله

وليتنا توَّقفنا عند هذا الحَّد. بل نتخَّطاهُ الى أبعد. إننا نُطالبُ الناس أن يعترفوا بجُهدنا وفضلنا و يُضيفوا فيجازونا عليه. ننسى فضلَ اللهِ علينا. ننسى تقصيراتنا ومخالفاتنا، وبالتالي سوءَنا وأخطاءَنا. بل ونتعَّدى حدودَنا فنطالبُ الآخر، وحتى الله ، ألا يُحاسبَنا على زّلاتِنا ونقائِصِنا. نكيلُ بمكيالين: مكيالنا أن يتغاضى الآخرون عن تقصيراتِنا ويسامحونا على مواقفنا السلبية. ومكيالهم ألا يُقَّصرَ أحدٌ تجاهَنا أو ينالَ عقابه. أما هكذا تصَّرف العبدُ الشّرير الذي إسترحمَ سَّيدَه ليتمَّهلَ عليه في إيفاءِ دينِه الكثيرحتى سامحَه

سَّيدُه ، بينما رفضَ أن يتمَّهلَ على رفيقِهِ المديونِ له بمبلغ قليل ولم يُشفق عليه بل أمرَ أن يُعاقبَ ، فسجنه (متى18: 25-33)؟

وكم مسيحّيٍ يتصَّرفُ اليومَ بنفس الأسلوب. فإذا أخطَاَ يُبَّررُ نفسَه ويلومُ كلَّ من يُطالبُه بحَّق. هذا إذا لم يُنكرْ حَّقَ غيره عليه!. بينما إذا زَّلَ أحدٌ تجاهه ، بل حتى لو طالبَه بحَّق ، لا فقط يُشَّوهُ سمعته وإنما يُقاضيه في المحاكم لدى الوثنيين دون خجل أو وجل(1كور6: 7-8). لقد تشَّوهَ الأيمانُ وفتُرَت المحبة ،” وفسُدَ ذهنهم وآنفَلتَ لجامُ شهواتِهم” فسيطرَ الشَّرُ والإثمُ على كل أفعالهم (2طيم3: 1-9). نتظاهرُ بالأيمان ونُفرغهُ من أعمالِه. نوَّدُ أن يُحّبَنا الناسُ ، أما عن أنفسِنا فلا نُحّبُ أحدًا غير نفسِنا ونزدري بالآخرين ، كما

فعلَ فرّيسيُ مَثلِنا تجاه العَّشار. ندين الآخرين ، نحَّملُهم مسؤولياتٍ ، ونأبى أن يقولَ لنا أحدٌ ” على عينيك حاجبُ “!.   ولاسيما ننسى أنَّ حياتَنا نعمـةٌ أعطيَت لنا دون إستحقاق ، وأنَّ واهبَ حياتِنا فأرزاقِها هو الله ، وأنه أبونا يُحّبُنا و يهتم بنا. ننسى أنه خَّلصَنا إذ دفعَ ديوننا وتبَّنانا !. وننسى معها أننا ” بنون”، ورثتُه وشُركاءُ حياتِه (رم8: 17)!. ومن المفروض ألا يتجاسرَ الأبنُ فيُعارضَ و يعصى مشيئة أبيه!. بل من المفروضِ أن يتواضعَ و يخضع لأرشادِه ، ويُنَّفذَ مطاليبَه مثلَ خادمٍ قبل أن يُطالبَ بحقوقِه كإبن ٍ

نتمَّلصُ من واجبنا ونرفضُ أيَّ جهدٍ يُكلفُنا عناءًا ومشَّقة ، ولاسيما بذلا وتضحية، ونختلقُ ألفَ حجّةٍ وحجّة لنُبَّررَ تقاعُسَنا. في حين لا نتوانى في أنْ نُحَّملَ الآخرين مسؤولية ألفِ حملٍ و واجب!. نتهَّربُ من كلِ ما يُسَّببُ لنا نفورًا أو حزنا وألمًا ضاربينَ عرضَ الحائط كلَّ ما قاله المسيحُ أوفعله من أجلنا. مثالُ المسيح لا يُحَّركنا كثيرًا، مثلما يستهوينا ويُحَّركنا مثالُ أبناءِ العالم. نفتخرُ بآرائنا النابعة من ملّذاتِنا ونتنَّكرُ لتعليم المسيح بحجةِ أنَّ للأنسان قيمَته الخاصة وشخصيته الفّذة يجبُ التمَّسكُ بها وإبرازها.

ننسى أننا لا نملك قيمة ً من ذاتِنا ولا حياة لنا من دون الله (يو15: 4-5). فما يأمُرُنا به الله هو وحدَه ” حَّقٌ و واجب “

•       لوقا 18 : 9-14  :: ومن وضعَ نفسَه رُفِع

يفتخرُ الأنسان بما يملكُ وبما يفعل. ويريدُ أن يمدَحه الناسُ عليه. وإذا برزَ أو قدَّمَ خدمة ً يُطالب المجتمعَ أن يُسَّجلَ له ذلك فضلا. ونتباهى بخير صنعناه ، ونتظاهرُ بـبّرٍ فعلناه. و نعتبرُ فضلا إذا آلتزمنا بما يطلبه الله منا أو يُرشدُنا اليه. ونطالبُ اللهَ عندئذ بأنْ يحسبَ لنا حسابا خاصا ويُمَّيزَنا عن غيرِنا بمكافأةٍ متمَّيزة. نتعالى بمواهبنا ونفتخر بقدراتنا ونعتَّـزُ بمنجزاتِنا. بينما لا نملكُ ولمْ نقتنِ شيئًا من ذاتِنا. كلُ ما نملكه من خير وقيمةٍ وطاقة هو نعمة الحياةِ لنا. والحياة من الله الخالق.

متى نتعَّلم أن نتواضعَ ونتذوق طعم راحتها؟. ومتى نتعَّلمُ أن نلتزمَ واجبَنا فنتمتعَ بما يُضفي علينا من إنشراح وهناء؟.  لن نتعَّلمَ التواضعَ إلا إذا عرفنا الله ، لا من منظارنا بل إنطلاقا من الله نفسِه الذي” منذ البدءِ، ذاك الذي سمعناهُ ، ورأيناه بأعيننا، وتأملناهُ ، ولمسَته يدانا من كلمةِ الحياة “(1يو1:1)، الذي ” بآسمه نطقنا بالنبوءات، وطردنا شياطين، وأتينا معجزات كثيرة” (متى7: 22)، الذي ” أكلَ وشربَ معنا ، وعَّلم في ساحاتنا “(لو13: 26)، أي عرِفْنا الله كما عَرَفَنا هو (غل4: 9). عندما نعرف أنه القادر على كلِ شيء وأما نحن فبدونه لا نقوى على شي

(يو15: 5) ، وبقوته نستطيعُ على كل شيء (في4: 13). إذا عرفنا قدرة الله وعظمته وموقعنا منه عندئذ نحُّس بمقامنا ونعرف ضُعفنا (2كور12: 9). ولمَّا نقفُ على حقيقةِ ضعفنا و نعترف بحالنا عندئذ نُقّرُ بتواضعنا و واجبِنا.

وأمَّا عن واجبنا فلن نتعَّلم الألتزامَ به إلا عندما نتأكدُ بأن لا حقوقَ لنا ، لأننا قد فقدنا حتى حقوقَ البُّنوة بسبب أخطائنا وزّلاتِنا (لو15: 18-21). لأنَّ الخطيئة ، أى تمرَّدنا على الله والأستخفافُ بنعمه و أفضالِه، تُجَّردُنا من أي حَّقٍ وُهب لنا. لأننا لم نكتسبْ حَّقا بفضلٍ من عندنا. بل كلُّ نعمةٍ و آمتيازٍ لنا قد مَّـنه اللهُ علينا ، برحمةٍ منه لا بسعينا نحن (رم9: 16). فلا سبيلَ للأنسان الى الفخرِ(رم3: 27). إيماننا بالمسيح أعطانا رجاءًا برحمةِ الله وأفضالهِ (رم5: 1-2). فإن لم يكن لنا شيءٌ من أنفسنا، وإن كان الفضلُ كله من الله، فكم علينا

واجبُ الأعترافِ بهذا الفضل ، والألتزام بما يتطلبُه الحفاظُ عليهِ ؟. وكم يجب رفع الحمدِ والشكر لله الأب المحب والرحوم والمسامح ؟. نعم ” يليق في كل الأيام، وينبغي في كلِ الأوقات ،و يحُّقُ في كل الساعات ، أن نعترفَ ونسجد ونحمد ” لله الذي مَّيزَ الأنسان، لاسيما المسيحي، بكل فضل وزَّوَده بكل قـوَّةٍ ليَضمنَ له حيأة ً أبدية في نعيم لا ينتهي!

الأعترافُ بالواجب كما قال الرب يسوع ليس ذُّلاً أو إهانة بل تواضعا وكرامة :” إفعلوا كلَّ  ما تؤْمَرون به وقولوا : نحن عبيدٌ ضُعفاء ، ما فعلنا إلا ما كان يجبُ فعله “(لو17: 10). و هو ايضا مجدٌ وعظمة :” الكبيرُ فيكم فليكن لكم خادما” (متى20: 26) ، لأنَّ الله نفسَه غسلَ أقدامَ البشر(يو13: 14). يسوعُ نفسُه أكملَ واجبَه :” يجبُ علَّيَ أن أُتّمَ أعمال الذي أرسلني” (يو9: 4). وقد أكَّدَ أنَّهُ يؤَّدي الواجب فقال: ” طعامي أن أعملَ بمشيئةِ الذي أرسلني ، وأنْ أُتِّـمَ عمَلَه “(يو4: 34). حتى موتُه خضعَ له يسوع كما لواجب إتماما لمشيئة الله (يو17: 4) . ولم يُسَّلم الروح إلا

بعد أتّمَ كلَّ ” واجباتِه ” (يو19: 30).

هكذا عَّلمنا المسيحُ أنَّ التواضعَ والألتزام بالواجب الأيماني أختان توأمتان للمؤمن. وبما أنَّ الكبرياءَ والتمَّردَ على الواجب هما الخطيئة الرئيسية الأولى إقترفها الأنسانُ أبُ البشرية (تك 3: 5-7)، لذا كَّفرَ عنها المسيح المخَّلص بالتواضع والطاعة لله (في2: 8). وجعلها لتلاميذه شعارًا يُمَّجدُهم (يو13: 15).

القس بـول ربــان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO