الأحـد الخامس للصيف

الأحـد الخامس للصيف

2014.08.24ُ

تلى علينا اليومَ إنجيلُ -::< لو16: 19-31 >::- ويَروي لنا مثل الغني والمسكين لعازر، و المصيرَ الأبدي الذي آلى اليه كلُ واحد منهما بعد الموت ، ثم محاولة التفاعل مع الوضع الجديد، وكان معاكسا في كل أبعاده لما كانا عليه في حياة الزمن الأرضية، وبالتالي إستحالة تغييره ، بينما كان ذلك ممكنا قبل الوفاة ، بالسلوك حسب تعاليم الشريعة وإرشاد الأنبياء.

•       الغني و لعــازر

مثلٌ صوَّرَ لنا شخصين متناقضين. الأول غني ويدُّلُ على ذلك لبسُه الفاخر، الأرجوانُ و الكتان، وتنَّعُمُه بولائمه اليومية الدسمة. والثاني فقيرٌ ويدُّلُ عليه بُؤسُه وشقاؤُه ، بل وحَّتى إسمُهُ نفسُه ويعني ” الله يُساعد”!. هكذا نَصِفُ نحن أيضا إنسانًا مسكينا يتشكى من أمراض و مشاكل فنقول ” الله يُساعِدُهُ”. و وَضعَهم الربُّ الواحدَ بإزاءِ الآخر بحيثُ يتقابلان يوميا ، بل في كل حين

يُلاحظُ الغنيُّ بؤسَ” الله يساعده” وحاجتَه ، ويعرفُ أنَّه بوسعه أن يُغيثَه بإطعامه ومعالجةِ دائِه ، لأنَّ الخيرَ يفيضُ عنه ، والأمكانية عند قدميه. لكنه لا يُبالي. فـقد قسيَ قلبُه ، ونزعَ عنه الرحمة فلم يهتم إلا بنفسِهِ : بجسدِهِ وبطنِه ؛ ولم يعملْ إلا لِـلَّذاتِه وشهواتِه. فـقدَ إقتنى الخيرَ كلَّه وتمتَّع بالنعيم الأرضي كلِهِ. إنه مُزَّودٌ بكل زينةِ الجسد ، وجيوبُه ملآنة ، و بطنه مُتخَـمَة. لكنه فارغٌ من كل فكرٍ وعاطفة ، وخالٍ من كل إحساسٍ إنساني وكل قيمةٍ روحية. وقد سكَّرَ أذنه فلا يسمعُ صوتَ الله ، وقد غمَّضَ عيونَه فلا يرى

المقابل. أصبح قائما بذاتِه و لذاتِه ، لأنانيتِه و وحشيَّتِه ، معزولا من الداخل والخارج عن كل تأثير أو تنوير. فهو” لا يرى ولا يدري”!. إنه نموذجُ ” مَن ليس غنيا بالله ” (لو12: 21). لـقد فقـدَ إنسانيته ولم يحتفظ بصورة الله فيه

أما ” الله يُساعِدُ”، فهو نموذجُ الأنسان الذي لم ينلْ من حطام الدنيا غيرَ الجسد، وقد تراكمت عليه كلُ البلايا والثمارُالسيئة للخطيئة (تك3: 17-19) : فقرٌ ومرضٌ وبؤسٌ وشقاءٌ ، ونبذٌ وإهانة ، وحاجة وضعفٌ.. بكلمة إجتمعت فيه كلُ ما يُحَّطمُ طبيعة الأنسان ويهُّدُ طموحَه حتى شَّلَت حركته. وزادَ في الطين بِـلَّة ً أنَّ العالمّ نبذَه. فهو نموذجُ الأنسان المنبوذِ والمعدوم والمحروم من كل خيرات الدنيا ، و من كلِّ ما يُقدمُه العالمُ والجسدُ من لذّةٍ وشهوةٍ أو راحةٍ وهناء ، ومن كلِّ عنايةٍ إنسانية أوحنان ٍأو رحمة. وكأنَّ الأرضَ لفظته والسماءَ

نبذته. ولكن باطنَه يكشفُ القناعَ عن غِـنىً روحي وإنساني لا يوصَف ، يُحَّيرُ السامعَ قبل القارئَ. كيفَ تحَّملَ كلَّ هذه المأساة ؟. وكيفَ سمحَ اللهُ أن يحصلَ هذا ؟. سمحَ اللهُ بذلك لينكشفَ البّرُ الذي في باطِنه ، فيعرفَ البشرُ ما يراهُ الله من : صبرٍ وقناعةٍ وتجَّردٍ وغفران ولاسيما من محَّبةٍ عظيمةٍ لله تُعَّشش في قلبه ، وحَّقٍ يَشُّعُ في ضميرِه. فإنْ كانت قد سُّدَتْ في وجهه كلُ نِـعَمِ الأرض إلا إنَّ السماءَ قد زرعت فيه بذورًا قَّـيمة. فكانتْ حياتَه مرتعًا للقيم الروحية الألهية المزروعة في فكرهِ وقلبهِ.

عاشَ ” الله يساعد” مع الله ولله وبقـوةِ الله ، وهذا ضمن له أسعدَ الحياة مدى الأبد. لقد عرفَ فكرَ الله وسمعَ قوله : ” لا يهُّمُكم لحياتِكم ما تأكلون وما تشربون ، ولا للجسدِ ما تلبسون. فالحياةُ أفضلُ من الطعام و الجسدُ من اللباس ” ( متى6: 25). وعرفَ أن يُصغيَ إلى إرشادِ اللهِ له : ” إقتنوا كنوزا في السماوات لا تنفـذ” (لو12: 32). هنا على الأرض كل شيءٍ يزولُ ، ما عدا المحبة. والمحبة تدوم للأبد (1كور13: 8). وعرفَ ” الله يساعد” هذا فأحَّب وصبرَ وسامحَ ، ولم يَدِنْ ولا تذَّمر. أحَّبَ اللهَ والأنسان ، و لم يكرهْ أحدًا ولم يتشَّكَ ، فساعدَه الله فعـلا

وتحمَّلَ مأساتَه على الأرض ليُقابلها في السماء حضنُ ابراهيم الدافئ ، فيلقى الهناءَ الذي رجا به. إنه نموذجُ الأنسان المؤمن والواثق بالله والحافظِ لكلامه والذي وضعَ نُصبَ عينيه الحياةَ الأبدية ، وسلكَ الطريقَ إليها.

•       إنسانٌ وإنسان

إنسانٌ عرفَ الله وآمنَ فـوثقَ به فتـبعَه. وإنسان لم يعرِفْ غيرَ نفسِه ولم يهتم بغير نفسِه.

إنسانٌ فتح أفاقَ فكرِه فرأى الأمور بمنظار الأبدية ، وإنسان تقوقع على عيونه الزمنية ولم يرَ من الحياة سوى ما يحُّسُ به جسده الآن. والموت أعلن الحقيقة ، وهي : الحياة لا تقتصرُ فقط على الزمن ، والجسد والبطن. بل هذه كلها تزول. الحياة تدوم للأبد. ولا ينفعهُا شيءٌ مما يطلبه الجسد. غذاءُ الحياة الأبدية هو الحُّب. والحب يتجَّسدُ في العلاقة بالآخر

الموتُ لا مفَّرَ منه لأنه يشمل الجميع ولا قوةَ بشرية تقوى عليه فتتخَّلصَ منه. والموتُ تحديد للمصير إذ لا مجالَ بعدُ للخيار. بعد الموت لا يمكن للأنسان لا أن يُحَّسنَ حاله ولا أن يُضيفَ على شقائِه. الموتُ حَّدٌ فرضَ على الأنسان لأنَّ محاسبَته قد حانت. ولا يتساوى الأشرار والأبرار. بل يُمّيزُ الرَّبُ بينهما كما يُمَّيز الراعي الخرافَ من الجداء (متى25: 32). وإذا آنخدَعَ البشر بالمرائين المنافقين إلا إنَّ الله فاحصُ الكلى والقلوب (ار11: 20؛ رم8: 27)؛ يو16: 30) فلا يغُّشُه أحد. والغني بخيراتِ الدنيا ،والمتعَّلق بها، يصعبُ عليه الخلاص. أسهلُ للحبل

أن يدخلَ ثقبَ الأبرة من أن يدخلَ الغني ملكوت الله (متى19: 24). فالتعَّلق بخيرات العالم و الجسد ، لاسيما الغنى، يوقعُ الناسَ” في تجارب وفخاخ وشهوات عمية مشؤومة تُغرقُهم في الدمار والهلاك “(1طيم6: 9).

أما الناسُ الأبرار، الذين يحبون الله ويجعلون من قلبهم مسكنا له (يو14: 23)، فلا قوة في الكون تقدر أن تفصلهم عنه ،” لا شدةٌ ولا ضيق ، ولا آضطهادٌ ولا جوعٌ ولا عريٌ ولا خطرٌ ولا سيف “(رم8: 35)، ولا مرضٌ ولا وجع. فهؤلاء وأمثالهم من ” الفقراء بالروح ، والودعاء ، والرحماء ، وأطهار القلب ، والمسالمين والحزانى والعطاش الى البر” (متى5: 3-10) ينالون الحظوة في عين الرب. من أجل هؤلاء تجَّسد الله لينقذهم من ظلم الطبيعة، و من تعَّدي البشر وقساوتهم. آلام الأبرياء وشدائدهم لا تخفى عن الله ولا يهملها كما لم يهمل دم هابيل وحَّقه (تك4: 10-12)؛ كما إنَّ آلامَ ” هذا

الدهر لا تقاسُ بالمجد المزمع أن يتجَّلى فينا ” (رم8: 18: 2كور4: 17)

•       وأُعْــذِرَ من أنـذر

وقد يتشكى أمثالُ الغني الجاهل والمتوَّحش أنَّ الله غدر بهم إذ لم يُنقذهم من خطر الهلاك ، و سمحَ لهم بأن يخطأوا. ينسون النعمة الكبيرة التي حباهم بها الله : ” العقلَ والحّرية “!. كما ينسون أنه حَّذرهم ، منذ البدء، من الشر وأسبابه ، ثم أرشدهم الى طريق الحق والنجاة. لكن البشر ظلوا “غلاظ الرقاب وقساة القلب ” (اش48: 4 )، ومتمَّردين على الحَّق (اش65: 2؛ حز2: 3-8). لم يُفلت اللهُ الأنسان في الكون حتى يراقبَه و يبدأ يكمن له ليوَّرطه. بل وضع الله ، في محبته العظيمة له ، شريعة تكون له منارة ترشده الى سبيل الحياة ، ثم أرسل على مدى الأجيال وفودًا ومراسيل

لينَّبهوا الأنسان على تمَّردِه ويقَّوموا إعوجاجَه. ولم يكتفِ الله بتعليمه وتحذيره حتى بواسطة الأنبياء لكنه ” أرسل للناس إبنَه الوحيد “، فتجَّسد الله ليراه البشر ويتعَّرفوا عليه ويسلكوا دربه. ماذا فعلَ البشر؟. تآمروا عليه ليتخَّلصوا من الله ظانين أنهم يسودون بأنفسهم الحياة ولن يقُّضَ أحدٌ مضجعَهم بعدُ (متى21: 38).  ظلَّ الأنسانَ ” قاسيَ القلب ” (مر6: 52؛ متى19: 8). كان يكفيهم أن يستمعوا الى الأنبياء ويحفظوا الشريعة (آية 29). لقد حَّذرَ الله الأنسان من مغبة شروره. وأرشده الى الحق الذي يحميه ويُنَّجيه من مصير سَّيئ. لكنَّ الأنسانَ إنتهى به

الأمرُ إلى أن ينكرَ حتى وجودَ الله رافضًا ملكوتَه ليتحَّررَ من شريعتِه ومن صوته المؤَّنبِ في الضمير. ترَّبع مثل الغني على مائدةِ شهواتِه. وأصبح لا فقط يتناسى مآسي ” قريبه ” بل جعلَ من قريبِه مختبرًا وآلة يبني عليه أمجادَه الخاصة.  مع شديد الأسى والأسف !!.

القس بـول ربــان

No comments yet

Comments are closed

Michigan SEO